اليسار الشيوعي اللاقومي !
أحمد حسين
لم أسمع اليسار الشيوعي اللاقومي مرة واحدة يدافع عن نفسه ، حينما يهاجم أو يتعرض للنقد . إنه يرد دائما بالدفاع عن ماركس والشيوعية ، حتى لو كان المتعرض نفسه شيوعيا غير حزبي . هذا النهج الطفولي للمغالطة كان دينا مفضلا لدي الأحزاب الشيوعية العربية ، لأنه كان بنفس المدى ضرورة ملحة لأحزاب لم تنجح سياسيا أو فكريا في إقامة قواسم وطنية أو قومية مشتركة مع المواقع الجماهيرية في المنطقة العربية . كانت طبيعتها التأسيسية ودورها السياسي المحدد يحتم عليها الإقتصار في التواصل مع الساحة بواسطة الخطاب السيكيولجي التحرري، وضمن شرائح شعبية محددة من المسحوقين ومحدودي الثقافة ، تتركز معظم اهتماماتها في لقمة العيش وحدها . وقد ظل هذا الإنحياز السيكيولوجي لتلك الشريحة المحدودة يشكل كل رصيد علاقتهم الإيجابي بالحركة الإجتماعية العربية الشاملة . كانوا تحت ضغط واقعهم الحزبي وارتباطته البنيوية ، وموقفه المعادي قوميا ووطنيا ضحايا للإنتهازية من ناحية ، ولقلة الحيلة سياسيا من ناحية أخرى . لذلك كان أسهل الذرائع لديهم لتبرير سلوكياتهم ومواقفهم السياسية المستهجنة كاحزاب يفترض أنها وطنية ، هو الذريعة النظرية . كان ماركس شخصيا هو الذي يتصدى للدفاع عنهم بوصفهم شيوعيين ، وبالتالي فإن من يجرؤ داخل كوادرهم بالإعتراض على ما يصدر عن الحزب ، فإنه يعترض على ماركس أو لينين أو النظرية شخصيا ولا مكان له في الصف الأمامي أو حتى في الحزب . أما إذا كان المعترض من خارج التنظيم فإنه رجعي معاد للشيوعية وليس لسلوكياتهم الحزبية والشخصية . وحينما يكون المعترض بالصدفة كبير منظري وقادة الحزب مثل إميل توما أو بولس فرح فإما أن يطرد على خلفية الإنحراف نحو القومية مثل بولس فرح ، أو أن يعزل في زنزانة مكتبية خالية من المضمون ، براتب يكفي لشراء الخبز وحده ، كما فعلوا مع إميل توما . وكان مسؤول ” الظرف الموضوعي ” في الحزب هو وحده الحزب . والظرف الموضوعي في كل الحالات هو ارتباطات الحزب السياسية وليس النظرية . فالحزب مخول لينينيا بتحديد ظرفه الحزبي ، ولكن لم يكن من الحتم الموضوعي أن يكون التحديد موضوعيا . يكفي أن يكون تعاقدا فئويا مع السلطة يضمن الأمن السياسي للحزب . موقف كهذا هو بشفافيته التعاقدية مع الظرف الموضوعي يعتبر بكل المقاييس موقفا ثوريا لأنه كان دائما مدعما نظريا بالماركسية بشكل مباشر !
كان اليسار الشيوعي اللاقومي العربي ، يعرف بالطبع أن فارق الهم والرؤية والوعي الشكلي ، بينه وبين مكونات ما يمكن تسميته بوجدان الساحة السياسي والوعيوي كبير جدا . وكان المفروض ، تخيليا فقط ، لو تناسينا وعيهم أو حالتهم اليسارية الفريدة ، أن الإلتزام الموضوعي الملح كان العمل على ساحة تقريب الوعي وتضييق المسافة الفاصلة بين وعي التحرر والوعي الأمي . ولكن هذا افتراض تخييلي فقط ، لأن وعي الساحة كان متقدما بوجدانية التحرر التلقائية على وعيهم بكثير ، ولو على مستوى الإلتزام . كانوا يمثلون على الساحة إرساليات لساحات أخرى سياسية وإيديولوجية مرتبطة بالليبرالية والفكر الإستشراقي الحديث أكثر مما هي مرتبطة بالماركسية . لذلك كان مزاجهم السجالى متوترا دائما ، كما يثبت خطابهم النقدي ، يتميز بالتعالي والتعميم وتوحيد مفهوم التخلف ، كوسيلة دفاع وحيدة ممكنة عن نموذجهم التحرري السياسي ، المفصول عن وعي الجماهير العربية ، بعدمية اجتماعية ترفض كل أشكال الإنتماء المشترك وطنية كانت أم قومية أم اجتماعية . وفي أفضل الأحوال كانوا مستشرقين تقدميين . وحتى في حالات النزاهة التحررية النادرة للحادثة اليسارية والشيوعية في القطريات العربية (ألسودان مثلا ) ، كانت الهنات الإستشراقية للماركسية الأصولية ، مثل الإهمال النظري النسبي للمجتمعات غير الصناعية ، ومفهوم البروليتاريا الرثة ، ببعده الإنعكاسي النظري , تسيطر على مزاج الوعي التحرري نحو شعوب العالم الثالث . وبالواقعة التجريبية فإن الشيوعيين العرب لم يقفوا أبدا من الناحية السياسية أو التحررية ألى جانب الإنسان العربي باعتباره رثاثة اجتماعية نادرة ، تؤهله للإستعمار ( الإقتحام التمديني ) من جانب حركات التحرر ، ولا تؤهله لإنتاج وعيه التحرري ذاتيا . لذلك ظل الإهتمام منصبا على توثيق العلاقة مع مدارس التحرر العالمي والبنى المكتملة أو الجاهزة لمعاصرة التحرر . ومن الصعب ألا يتحول هذا الغباء التحرري الفريد ، إلى عمالة مباشرة لحركات العالم الليبرالية تحت إسم اليسار .
كل غموض متعمد في الموقف بغض النظر عن موضوعه ينطوي دائما على قصد انتهازي سياسي أو فئوي . لذلك فنحن أمام معضلة نظرية ، ليس مع عملاء التحرر العالمي الكلاسيكيين ، فهم كانوا واضحين لنا بما فيه الكفاية . ألمشكلة هي مع الغموض الذي يكتنف الدعوات إلى وحدة اليسار العربي والفلسطيني . والغموض هنا ليس جزئيا ولا عرضيا ، إنه قاعدة الإنتماء المشترك ، وبالتالي هو مضمون التوافق النظري والعملي . أي من المتوقع من المظهر الجدي والجليل لتلك الدعوات أننا لسنا أمام توارد خواطر ثقافية لمجموعة من الناس وإنما أمام بنية فكرية واحدة أو موحدة . لذلك من واجبنا إذا كنا نحترم الطرح احتراما موضوعيا أن نسأل :
-
1ما هو اليسار ؟ هل هو تلك التسمية المبتذلة للتقدمية النسبية ، أم أنه مسافة وصل بين الشيوعية ومدارس التحرر الثقافي المثالية التي تغص بها شوارع العولمة الليبرالية ؟ ولم هذا الإصرار على تبني مصطلح اليسار الغامض من جانب من يعتبرون أنفسهم ماركسيين ؟ هل اعتبرت الماركسية طيلة تاريخها ظواهر اليسار الإجتماعي سوى أنها مظاهر انتهازية ومثالية تعيق حركة التطور ؟ ألم يكن الهيجليون الماديون والإشتراكيون المثاليون يسارا ؟ فلماذا أصر ماركس على أنهم انتهازيون يجب محاربة وعيهم ؟ ليس السؤال من أجل فحص قضية العفة النظرية ، ولكن فقط لمعرفة أسباب إصرار الماركسيين العرب على تبني مصطلح غامض ومرفوض ماركسيا . ولن أسترسل . سأسأل سؤالين مباشرين :
