الدايتون العراقي: نموذج الدولة المستحيلة..!!
غيث العبيدي*
▪️ المقدمة :
الدايتون العراقي هو مصطلح تحليلي يصف النمط الأمريكي في هندسة الدولة العراقية، ومستعار من أتفاقية ”دايتون“ عام 1995 التي أنهت الحرب البوسنية. وجوهر هذه الأتفاقية هو الإبقاء على الشكل القانوني الموحد للدولة، مع تفريغ مضمونها السيادي وتوزيع وظائفها على كيانات فرعية، لتصبح الدولة قائمة في القانون وعاجزة في الممارسة، ومعتمدة بشكل كبير على وصاية خارجية لإدارة تناقضاتها الداخلية.
▪️الأساس النظري لنموذج الدايتون:
يستند النموذج إلى التطبيق المشوه لنظرية الديمقراطية التوافقية، فالتوافقية في أصلها آلية مؤقتة لإدارة المجتمعات المنقسمة، لكنها في الحالة العراقية تحولت إلى بنية دائمة لتكريس الانقسام، عبر تحويل الهويات الفرعية إلى حصص سياسية ثابتة، ومنع تشكيل هوية وطنية جامعة أو مركز سياسي قادر على فرض المصلحة العامة.
▪️البنية الدستورية للدايتون العراقي.
يقوم الدستور العراقي على مبدأ السيادة المجزأة، وتمنح المواد المتعلقة بالفيدرالية الإقليم أولوية تشريعية وتنفيذية على المركز في حالات عديدة، وتمنح المكونات حق التعطيل المتبادل في القضايا الاستراتيجية. والنتيجة هي المركز لا يملك القدرة على اتخاذ قرار سيادي دون إجماع مكوناتي، وهو ما يجعل الدولة في حالة شلل تشريعي مزمن.
▪️البنية الأمنية للدايتون العراقي.
يقوم النموذج على تعددية أمنية مؤسساتية تناقض المبدأ الكلاسيكي للدولة، القائم على احتكار القوة المشروعة. في العراق تتجسد هذه التعددية في وجود هياكل مسلحة ذات شرعية متوازية، هي القوات المسلحة الاتحادية وقوات البيشمركة وأجهزة أمنية نوعية ترتبط مباشرة بدعم خارجي كحراس نينوى، وهذا التعدد يحول الأمن من وظيفة سيادية إلى مجال تفاوضي بين الفاعلين المسلحين.
▪️البنية الإقتصادية للدايتون العراقي.
لا يمكن للدولة المستحيلة أن تبني سيادة مالية. لذلك يقوم الاقتصاد العراقي في ظل الدايتون على انقسام ريعي واضح، يتمثل في مسارين منفصلين لتسويق النفط، ومنظومة منافذ حدودية تدار بمنطق حزبي، وإقتصاد مواز مرتبط بتمويل الفاعلين المسلحين، مما أدى هذا الإنقسام إلى اضعاف قدرة المركز على إستخدام الموازنة كأداة للسياسة العامة والتخطيط الاستراتيجي.
▪️البنية الخارجية للدايتون العراقي.
يتميز النموذج البوسني بوجود منصب الممثل السامي الذي يملك صلاحية إلغاء القوانين وإقالة المسؤولين. وفي النموذج العراقي لا يوجد المنصب بشكل معلن، لكن وظيفته قائمة عبر أدوات النفوذ الأمريكي، المتمثلة في دور السفارة والقيادة المركزية وآلية المراجعة السياسية لمسارات تشكيل الحكومة وحصر السلاح وإعادة تموضع القوات. وهذا الدور حول الوجود الأمريكي من حالة إحتلال إلى حالة ضرورة وظيفية لحفظ التوازن الداخلي في البلاد.
▪️الوظيفة الإستراتيجية للنموذج.
يحقق الدايتون العراقي للسياسة الأمريكية ثلاث وظائف رئيسية ومنها:
1️⃣ الوظيفة الأمنية، وتتمثل في منع قيام جيش مركزي قوي يمتلك قدرات إستراتيجية.
2️⃣ الوظيفة الاقتصادية، وتتمثل في إبقاء القطاع النفطي مفتوحاً على التفاوض المباشر مع واشنطن وبحسب شروط البيت الأبيض.
3️⃣ الوظيفة السياسية، وتتمثل في شرعنة استمرار الوجود العسكري طيلة الفترة المنصرمة بوصفه الضامن لإستقرار العراق الداخلي حسب رؤية سكان منطقة غرب وشمال البلاد.
▪️الخاتمة :
إن الدايتون العراقي ليس حالة فشل عابر، بل هو أستنساخ للحالة البوسنية في العراق، كنموذج مقصود لينتج دولة مستحيلة، نراها موحدة في الخريطة ومجزأة في القرار. وهو التفسير البنيوي الدقيق لمفهوم الحالة العراقية الحالية.
فالدولة التي لا تحتكر القوة ولا توحد الريع ولا تملك قرارها الإستراتيجي لا يمكن أن توصف بأنها ذات سيادة فعلية، حتى لو أمتلكت كل مظاهر السيادة الشكلية.
وعليه فأن كسر نموذج الدايتون العراقي لا يبدأ من تعديل دستوري ولا من إنتخابات جديدة، بل يبدأ من نقطة مفصلية واحدة هي إستعادة أحتكار القرار السياسي والإقتصادي والامني، وإنهاء الوصاية الأمريكية بشتى السبل وبكافة الأمكانيات.
وبكيف الله.
ـ كاتب عراقي مستقل.
2026-09-29