تنظيم وضبط علاقة النخبة بالجماهير هي المهمة المشتركة بين الحركة الثورية والدولة الحقيقية، فكلاهما يقدم صيغة عمل وقواعد نافذة لضبط سلوك النخب الفكرية والمهنية الاحترافية من أجل خدمة كل مكونات الشعب. فالجماهير هي كل مكونات الشعب “خارج الجماعات المهنية والاحترافية”. ففكرة الجماهير لا وجود لها إلا بوجود النخبة التي تعي نفسها وتميزها بخدمة تقدمها “للجماهير”. وعليه فإن تشكل النخبة الثورية ضرورة حتى تستقيم فكرة “جماهيرها”، وتكتسب معناها الموضوعي في السياق الثوري.
أساتذة المدارس والجامعات، كما الأطباء والمهندسين جمهور للنخبة العاملة في صيانة السيارات. وبالنسبة للأطباء الجميع جماهير (بمن فيهم أساتذة الجامعات، والمهندسين ومدراء البنوك والميكانيكية). وبالنسبة لأصحاب محال الخضار الجميع جمهور بمن فيهم زوجة صاحب المعالي. والنخبة الثورية بمكوناتها الحرفية والمهنية ترى كل مكونات الشعب “جمهورها”، وتسعى لخدمتهم وتمكينهم من استرداد الدولة سلطة وموارد.
الدولة المعاصرة مهمتها أن تضبط ممارسة كافة الفئات المهنية والاحترافية لضمان حقوقهم لدى بعضهم. والحركة الثورية مهمتها الأساسية أن تضبط سلوك النخب الثورية لتضمن أن تحقق هذه النخب هدفها بتمكين الشعب من استرداد الدولة سلطة وموارد. فالحركة الثورية التي لا تستطيع تشكيل النخبة الثورية ليست حركة على الإطلاق. كما أن الحركة الثورية التي لا تضمن قيام النخبة الثورية بخدمة الجماهير، وتمكينها من استرداد الدولة سلطة وموارد ليست حركة ثورية.
وعي الحركة الثورية “لبيئة الصراع” الذي يوجهها لتحقيق هدفها، يحدد طبيعة النخبة الثورية التي تشارك بها، والادوار والمهمات المطلوب من هذه النخب تنفيذها، وقواعد العمل التي يجب على النخبة الثورية الالتزام بها في سياق تمكين الشعب من استرداد دولته.
تحديد النخبة الثورية وتنظيمها بحركة ثورية، هي العنصر الأساسي لتحديد هوية الفكر الثوري. والمعيار الأول هو القواعد الناظمة للممارسات والفعل الثوري. وسلمية الوسائل معيار يحدد طبيعة الحركة الثورية كما يحدد أحد ملامح النخبة الثورية المشاركة بها، وإن كان هذا لا يمثل كل هويتها، حيث تكتمل هوية النخبة الثورية من مجمل مكونات المشروع الثوري ولحظته التاريخية.
المهمة التاريخية للحركات الثورية في العالم العربي، وبالأردن بالذات هي تمكين الشعب (بكل فئاته ونخبه) من استرداد الدولة سلطة وموارد وبناء الدولة الحقيقية. وهذا يعني ان لها مهمتان متكاملتان متزامنتان هما: تفكيك بنية الاستبداد والفساد والتخلص منه، وتمكين الشعب من استرداد دولته وتحويلها إلى دولة حقيقية تعبر عن وجدانه وتخدم مصالحه. وعليه فإن تحريك الجماهير ودفعها للفعل الثوري السلمي في مواجهة المستبد الفاسد وعائلته، ليست المهمة الوحيدة للحركة للنخب الثورية. وهذا يقتضي ان تتشكل النخبة الثورية المستهدفة من كل مكونات الطيف الاجتماعي، ومن العاملين في كافة القطاعات والمؤسسات بما فيها المؤسسات السيادية.
فالنخب الثورية المعاصرة التي ستنجز المشروع التاريخي المتمثل (بإنهاء تغريب الدولة الأردنية عن شعبها)، لا يمكن حصرها في طبقة اجتماعية محددة (عمال أو فلاحين)، ولا ضمن قطاع محدد او منطقة جغرافية محددة، بل يجب تشكيلها عبر كافة مؤسسات الدولة وفي كافة القطاعات. ووقف الحركة الثورية على الذين يساهمون في المواجهات الشعبية ،يختزلها ويحولها إلى مجرد فصيل أو ذراع من أذرع المشروع الثوري.
إضافة إلى ما سبق، فإن إحدى مهمات الحركة الثورية هي انهاء حاجة الجماهير لها بعد نجاح مهمتها التاريخية باسترداد الدولة. فالحركة الثورية التي تستمر الحاجة لها بعد التخلص من المستبد الفساد وعائلته، وبعد استرداد الدولة سلطة وموارد، ليست إلا منافساً للمستبد الفاسد. فالمشروع الثوري نفسه ينتهي ببناء الدولة الحقيقية التي تضمن فاعلية الرقابة الشعبية والجماهيرية على كل مراتب السلطة في الدولة، وعلى عمل كل مؤسساتها.
انتصار الحركة الثورية ونجاحها يعني انتفاء الحاجة لها. فالمشروع الثوري نفسه يجب أن ينطوي على تمكين الجماهير من تنظيم نفسها بشكل مناسب، لتكون قادرة على مواجهة كافة أشكال الخداع، وحماية دولتها التي استردتها، والتصدي لأي مستبد فاسد يسعى لسرقة الدولة، وتضمن أن تبقى كافة مؤسساتها في خدمة الشعب، عبر تفعيل استقلال الضمير المهني لهذه المؤسسات، وضمان ديمومة هذا الاستقلال وحمايته من أي سلطة سياسية.
إن ميل موازين القوى لصالح المستبد الفاسد وعائلته، يفرض أولوية (تحييد أدوات الاستبداد واضعافها)، لضمان نجاح الحركة الشعبية في مواجهة المستبد الفاسد وعائلته دون خسائر مروعة، ودون فقدان تماسك مؤسسات الدولة. وهذه مهمة لا يمكن تحقيقها من خلال الحركات الجماهيرية، بل تحتاج إلى حركة ثورية بمواصفات خاصة، تمكنها من التوفيق بين العمل النخبوي من جهة والعمل الجماهيري من جهة اخرى.
وتطوير سياسات واستراتيجيات قطاعية بديلة يتطلب عملاً احترافياً، لا يمكن تحقيقه دون إشراك فاعل لنخبة ثورية لديها معرفة احترافية في العديد من القطاعات المركزية، بما فيها القضاء والدفاع والأمن. وهذا يوضح طبيعة النخبة الثورية، وان مهماتها لا تقتصر فقط على تفعيل الجماهير ودفعها للمواجهة مع المستبد الفاسد وعائلته.
أخيراً، إن التوفيق بين شقي المشروع الثوري، العمل الجماهيري والعمل النخبوي الاحترافي، لا تفرضه فقط أولويات المشروع الثوري، بل وأيضاً قوانين الصراع المركزية. فمن أقدم النماذج التي وصفت طبيعة القوة في الصراعات هي نموذج المطرقة التي تواجه كتلة ضخمة من البيض. فمهما كثر البيض لن يكتسب أي فاعلية تتجاوز تلويث المطرقة. وهذا يعني ان الحركة الثورية يجب أن تكون الترس والمطرقة، فتقوم بحماية الحركة الشعبية الجماهيرية وتمكينها من تحقيق الهدف الثوري المتمثل باسترداد الدولة سلطة وموارد، وبناء الدولة الحقيقية، وفي ذات الوقت تقوم بإضعاف المستبد الفاسد وتفكيك عناصر قوته، وهذا يتطلب أن يتم تشكيل النخب الثورية من كافة قطاعات المجتمع بلا استثناء.