كيف تحوّلت «إسرائيل» إلى تاجر موتٍ في أميركا اللاتينيّة؟
تعريب لينا الحسيني*
جاءت نقطة التحول الكبرى عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وسط إدانة واسعة لإسرائيل، فبدأت بتوسيع نفوذها الدبلوماسي والعسكري في أميركا اللاتينية والبحث عن أسواق جديدة. وقفزت نسبة المستشارين العسكريين الإسرائيليين فيها من 20% قبل 1973 إلى 67% بعدها.
في سياق «الحرب الباردة»، استند التعاون الوثيق بين الكيان ودكتاتوريات الأرجنتين وتشيلي وأوروغواي، على مكافحة التمرد والإرهاب. وهكذا، تحوّل الأعداء الفاشيون القدامى إلى حلفاء جدد للصهيونية.
ساهمت الانتقادات، المحلية والدولية لواشنطن، بسبب دعمها العسكري للديكتاتوريات المنتهكة لحقوق الإنسان، في نمو مبيعات الأسلحة الإسرائيلية.
فعندما كانت تضطرّ واشنطن إلى تعليق الإمدادات العسكرية، أو تدريب القوّات القمعيّة بسبب الضغوط، كانت تتدخّل إسرائيل لتحلّ محلّها، محققةً أرباحًا طائلة.
تشيلي:
كان عام 1976 حاسمًا في حالة تشيلي، إذ أجبرت الضغوط واشنطن على تعليق التعاون العسكري مع دكتاتورية پينوشيه.
دخلت إسرائيل لتملأ الفراغ، وأصبحت المورد الأساسي للمعدات العسكرية للنظام التشيلي، بما في ذلك صواريخ جو-جو، وزوارق دورية، وطائرات، ودبابات، وأنظمة استخباراتية.
من بين الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقًا، برقية من سفارة الولايات المتحدة في سانتياغو تؤكد أن واشنطن لا تستطيع فرض حظر عسكري بسبب وجود إسرائيل.
بعبارةٍ أخرى، كانت واشنطن تنتقد انتهاكات حقوق الإنسان، بينما استمرت تلك الانتهاكات بأسلحة إسرائيلية.
نيكاراغوا:
اضطرت الولايات المتحدة عام 1978 إلى تعليق المساعدات العسكرية لنظام سوموزا. وحتى انتصار الثورة الساندينية في يوليو/تموز 1979، أصبحت إسرائيل المورد الرسمي للأسلحة.
خلال ديكتاتوريات الأرجنتين والسلفادور وهندوراس، بلغت نسبة التسلح الإسرائيلي 95%. وتصاعدت المشتريات خلال فترات القمع، خصوصًا أثناء ما سُمّي بـ«الحرب القذرة» في الأرجنتين.
الإكوادور:
أقام إسرائيل علاقات وثيقة مع الحكومات العسكرية في السبعينيات، وتمّ تدريب ضباط شباب إلى الأكاديميات العسكرية الإسرائيلية، فيما بدأت بعد انقلاب 1972 ببيع كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والذخائر والمتفجرات.
البرازيل:
لا تزال العلاقات العسكرية بين إسرائيل والدكتاتورية البرازيلية محاطة بالغموض،
لكن الوثائق البرازيلية التي أُفرج عن سريتها كشفت، إلى جانب صفقات الأسلحة والخبرات العسكرية، عن أربع اتفاقيات للتعاون العلمي والنووي أُبرمت في منتصف الستينيات والسبعينيات.
إلى جانب بيع الأسلحة، ركّز الدبلوماسيون الإسرائيليون على الدعاية الإسرائيلية، مقدمين إسرائيل بوصفها حليفًا في مكافحة «الإرهاب العالمي».
كما زعموا زورًا أنّ «منظمة التحرير الفلسطينية» كانت تدرّب الفدائيين في البرازيل.
حالة أوروغواي:
كانت العلاقة أساسًا سياسية واستخباراتية. اعتبر النظامان نفسيهما حصنين للثقافة الغربية في مواجهة الشيوعية، ما سهّل التعاون القمعي وتبادل المعلومات.
أصبح النظام الأوروغواياني من أكثر الأنظمة عداءً لمنظمة التحرير الفلسطينية، بينما ساعدت إسرائيل العسكر في التلاعب بالرأي العام.
قُتل واختُطف عددٌ من مناضلي اليسار اليهود، مثل الشيوعي إدواردو بلاير وماوريسيو روزينكوف. ومع ذلك، غضّ الدبلوماسيون الإسرائيليون الطرف عن هذه الانتهاكات، مقدمين تحالفهم السياسي على الاعتبارات الأخلاقية.
مذابح غواتيمالا:
تبدو البصمات الإسرائيلية أكثر وضوحًا في غواتيمالا. فمن 1977 إلى 1981، كانت إسرائيل المورد الوحيد للأسلحة هناك.
بحلول عام 1982، كان هناك ما لا يقل عن 300 «مستشار» إسرائيلي، بعضهم رسمي والآخرون يعملون تحت غطاء شركات خاصة، تعاونوا مع الجيش الغواتيمالي في تعقب الجماعات السرية.
ارتُكبت مجازر واسعة النطاق، عام 1982. وفي قرية واحدة تم قتل وتعذيب 250 مدنيًا.
وأكدت التقارير أن الأدلة البالستية كانت إسرائيلية الصنع.
المكسيك:
ظلت المكسيك لعقود تشتري الأسلحة ومعدات تدريب الشرطة والجيش من إسرائيل.
وفي السبعينيات والثمانينيات، اشترت طائرات «أرافا»، التي استُخدمت في رحلات الموت، ومدافع هاون، كما تلقت قوات الأمن دورات تدريبية مكثفة من إسرائيل وزيارات للموساد.
تكثفت العلاقات بعد «انتفاضة الزاباتيستا» عام 1994 وتوقيع «اتفاقية التجارة الحرة» عام 2000.
أنفقت المكسيك 93 مليون دولار على الأسلحة الإسرائيلية. واستمرت الصفقات في عهد مانويل لوبيز أوبرادور.
كولومبيا:
تعود العلاقات التجارية بين كولومبيا وإسرائيل إلى عام 1949، وتكثّفت مع نمو فرق الموت شبه العسكرية.
شارك إسرائيليون، مثل يائير كلاين، العضو السابق في الجيش الإسرائيلي، ورافائيل إيتان، المسؤول السابق في الموساد، في تدريب العصابات وفرق الموت الكولومبية التي ارتكبت آلاف عمليات القتل، بينها إبادة حزب «الاتحاد الوطني» اليساري.
عقب انتهاء الأنظمة الاستبدادية في الثمانينيات والتسعينيات، حافظت معظم حكومات المنطقة، باستثناء كوبا ونيكاراغوا وڤنزويلا، على علاقات عسكرية وأمنية مع إسرائيل في أربعة مجالات رئيسية: الأسلحة، والأنظمة الأمنية، والأمن السيبراني، وتدريب قوات الأمن.
(الجزء الثالث سيتناول «الانقلابات الجديدة الرقمية» والتلاعب بالوعي، لإعادة تشكيل المشهد السياسي في القارة.)
يتبع
2026-09-17