الجغرافيا العربية فى صالة قمار الموت!
مهدى مصطفى*
الخرافة فى يد، والرصاصة فى اليد الأخرى، هكذا سقطت الجغرافيا العربية بين براثن القتلة بالفطرة.
تعود جذور القتلة إلى أوروبا الشرقية، قبل أن تهاجر إلى أوروبا الغربية، فى سياق العنف الرمزى والمادى بين الطرفين، جماعة القتلة والسكان الأصليين.
تكرر الأمر فى أماكن الهجرة الجديدة، ووصلت الحالة إلى المحارق، أو هكذا قيل، وكان المتاح أمامهم هذه المرة الجغرافيا العربية.
تواطأ الجميع، أغنياء القتلة، وصانعو سياسة الغرب الذين ورثوا ذاكرة الحملات المتتالية على الشرق، وجعلوا من الجغرافيا العربية مسرحا لإدارة الموت المتواصل.
الجغرافيا العربية مغرية، تمسك بقلب الدنيا، مكانا، تحتفى بحضارات متنوعة زمانا، وتفيض بأديان سماوية وغير سماوية، وتتحكم فى ممرات ومضائق وبحار واقعيا، وتقف على ثروة مادية من طاقة وغاز ومعادن باطنيا.
يفتقد الغرب كل هذا، لكنه يمتلك حظوظ الحداثة والابتكار والتنوير والتصنيع، فقرر أن ينقض مرة وراء الأخرى، ومع الفشل فى النصر الواضح، قرر أن يضع طاعونا يتناسل دون توقف.
مشروع جماعة القتلة بالفطرة، هو أنجح ما ارتكبته القريحة الغربية من بين كل الحملات السابقة، فقد انطلق من قاعدة ثابتة، لينقض على الجغرافيا العربية من كل المنافذ، وبشتى الأدوات.
دفع الغرب بهم إلينا عقب ضمور واضمحلال وجودهم، مع مشارف القرن العشرين، وفى منتصفه تماما كان الغرب قد وضع البذرة القاتلة فى الشام الجنوبى، «فلسطين»، وهو مكان أسطورى يشرف على كل جهات الجغرافيا العربية برا وبحرا وجوا، ولم يكتف الغرب بذلك، فجعل البذرة تنمو فى التربة، وتتمدد من جيل إلى جيل.
كم قرنا سنعايش هؤلاء القتلة؟
متحف التاريخ يسجل أن بقاءهم الدائم مستحيل، لكن من المستحيل أن نتخلص من الذين استكانوا إليهم من بيننا، فكثير من بنى جلدتنا، رهنوا أنفسهم فى مستودع القتلة بالفطرة، ودون التخلص ممن استكانوا وارتاحوا لهم، سنبقى فى دائرة محكمة، ندور فيها دون خلاص.
شرق يملك الزمان، وغرب يملك المكان، فى جدلية ومتوالية هندسية لا تتوقف عن التوالد، كأن الدنيا جبلت على ذلك، وعلينا أن نستكين لتلك الحالة دون تمرد، ولو كتابة أو قولا!
منذ ألف سنة، خاطب البابا أوربان الثانى الرعاع فى جنوب فرنسا، وحثهم على الجهاد فى الشرق، أرض اللبن والعسل، والآن يخاطب الغرب نفسه عن أرض النفط والغاز والمعادن والممرات والبحار.
ما الفرق؟ لا فرق، كأن الزمان لا يتحرك، وكأن المكان ثابت لا يتغير.
هل نبنى حائطا أو سورا مثل سور الصين العظيم حول الجغرافيا العربية؟
هذا مستحيل، فمنها خرجت إلى الدنيا الحضارات والأديان والأنبياء والأولياء، سمتها جميعا الانفتاح والتلاقح بين بنى البشر دون تفرقة، لكن هذه الجغرافيا وجدت نفسها مثل محطة قطارات عملاقة، تقتحمها من كل اتجاه دون توقف، تحمل غرباء يقتلون أبناءها فى لذة تدعمها الأساطير والخرافات والعنصرية.
ما العمل، كما قال ذات مرة فلاديمير لينين؟
أن نستفيق أولا، ونتخلص من قسوة المركزية الغربية، وألا نقع فى براثن مركزية أخرى، ونستطيع أن نتوقف عند نصف القرن الأخير، نستخلص منه الدروس المستفادة، فهو نصف قرن، يلخص ما مضى من قرون، وما سيأتى بعدها.
منذ عام 1948 ونحن ندور فى نفس الدائرة، جماعة القتلة بالفطرة حصلوا على اعتراف دولى، واعتراف بالهجوم والإغارة الدائمة، وجيراننا غير العرب الذين يشاركوننا فى الثقافة والدين، أغرتهم الأبواب المفتوحة، وقالوا لأنفسهم: نحن أولى وأحق من الآتين من شرق أوروبا، ويمكن أن نتفاهم معهم، وكانوا أول من اعترف بوجودهم وأحقيتهم بالشام الجنوبى، «فلسطين»، ووجدوا فيهم ذريعة مريحة للانقضاض علينا، ودون إشارة لهذا الطرف أو ذلك، فإن نصف القرن هذا كان زمانهم معا، فتقاسموا فيما بينهم اللعبة، حتى صارت الجغرافيا العربية مجرد متفرج على الأحداث.
ربما آن للجغرافيا العربية أن تخرج من صالة قمار الموت، وأن تستعيد مكانها فى التاريخ، فتستعيد موقعها كصاحبة للمكان والزمان والمصير، بعد أن ظلت طويلا جائزة يتصارع عليها الآخرون.
أما آن لكل هذا أن ينتهى؟
2026-09-17