هل اختصر الذكاء الاصطناعي «زمن الفكرة»؟..
قراءة نقدية في مقال أحمد زكارنة عن الإغراق المعرفي وتجريف المعنى
غانية ملحيس*
ملخص تنفيذي
يتناول المقال بالتحليل النقدي مقال الأستاذ أحمد زكارنة «الإغراق المعرفي وتجريف المعنى في الحالة الفلسطينية»، ليناقش سؤالا محوريا يفرضه العصر: هل اختصر الذكاء الاصطناعي والتطور التقني «زمن الفكرة» أم مجرد «زمن الصياغة»؟
ويتفق المقال مع القلق الفكري والأخلاقي المشروع من ظاهرة “سلق الأفكار”، ويحذّر من خطورة استقالة العقل البشري وإنابة الآلة عنه في إنتاج المعنى، وما يترتب على ذلك من إنهاك للمتلقي وسط ضجيج السرديات المتصارعة. غير أنه يختلف مع زكارنة في اتخاذ “زمن الإنتاج” معيارا حاسما لتقييم عمق الطرح الفكري أو ضحالته.
ويستعرض المقال التحولات الجوهرية التي طرأت على بيئة إنتاج المعرفة؛ كـسقوط العوائق الجغرافية واللغوية، وسهولة الوصول إلى الأرشيفات والوثائق الرقمية، وتدفّق البيانات المباشرة للحدث كما يتجلى في الحرب على غزة.
ويبيّن أن هذه التحولات اختصرت الأوقات الشاقة التي كانت تُهدر سابقا في الإجراءات اللوجستية والمساندة للبحث، دون أن تعني بالضرورة تقليص زمن التفكير أو التراكم الفكري.
ويخلص إلى ضرورة تطوير معايير جديدة للحكم على الإنتاج الفكري، تقوم على التراكم، والمصادر، والمنهج، والأصالة، وقابلية التحقق، وقدرة صاحب النص على الدفاع عن أفكاره. فالذكاء الاصطناعي قد يختصر زمن الكتابة، لكنه لا ينبغي أن يختصر زمن التفكير.
المقال الكامل: هل اختصر الذكاء الاصطناعي «زمن الفكرة»؟
قراءة نقدية في مقال أحمد زكارنة عن الإغراق المعرفي وتجريف المعنى
أثار مقال الأستاذ أحمد زكارنة حول «الإغراق المعرفي وتجريف المعنى في الحالة الفلسطينية» المنشور في “ضفة ثالثة “ 14/9/2026 سؤالا مهما يتجاوز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية، إلى سؤال أعمق يتعلق بإنتاج المعرفة في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة بصورة غير مسبوقة، وأصبح إنتاج النص أسرع وأسهل وأقل كلفة.
وأتفق معه في جانب أساسي من القلق الذي يعبّر عنه المقال:
ثمة فرق جوهري بين أن يستخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدرته على البحث والتفكير والتعبير، وبين أن ينيبه عنه في إنتاج الفكرة نفسها.
كما أتفق على أن وفرة النصوص لا تعني بالضرورة وفرة في المعرفة، وأن سهولة إنتاج الكلام قد تتحول، إذا انفصلت عن التراكم والتحقق والنقد، إلى ضجيج يحجب المعنى بدل أن يوسّعه.
لكنني أتحفظ على جانب محدد في المقال، لا يتعلق بالتحذير من الإغراق المعرفي أو من الاستخدام المستسلم للذكاء الاصطناعي، وإنما بطريقة النظر إلى زمن إنتاج العمل الفكري بوصفه مؤشرا على زمن نضج الفكرة.
كما أتحفظ على المقارنة بين زمن إنتاج المعرفة في الماضي وما نشهده اليوم، من دون أخذ التحولات العميقة التي طرأت على أدوات الوصول إلى المعرفة وإنتاجها في الحسبان.
فحين يستحضر المقال تجربة المؤرخ إيلان بابيه، وإشارته إلى السنوات الطويلة التي استغرقها إنجاز كتابه عن «التطهير العرقي في فلسطين»، ثم يضعها في سياق ما يبدو اليوم من قدرة بعض الكتّاب الفلسطينيين على إنتاج الكتب والأفكار في زمن قياسي، فإن هذه المقارنة، في رأيي، تحتاج إلى وضعها في سياق التحول الهائل الذي طرأ على بيئة إنتاج المعرفة نفسها.
زمن الكتابة ليس هو زمن الفكرة
قد يستغرق كتابٌ سنوات طويلة، وقد يُكتب كتاب آخر خلال أشهر، لكن ذلك لا يكفي وحده للحكم على عمق الفكرة أو ضحالتها.
فالفكرة لا تبدأ بالضرورة عند اللحظة التي يبدأ فيها الكاتب كتابة الكتاب، ولا تنتهي عند اللحظة التي يخرج فيها إلى الجمهور. قد تكون وراء كتاب ظهر خلال عام واحد معرفة تراكمت لدى صاحبه على مدى عقود، من القراءة والخبرة والممارسة والبحث والتجربة.
ما نراه هو زمن ظهور النص، ليس بالضرورة زمن تشكّل الفكرة.
وهنا ربما يكون من الأدق الحديث عن «زمن التراكم» بدلا من الاكتفاء بـ «زمن الكتابة». فغزارة إنتاج كاتب ما لا تعني بالضرورة أن أفكاره «ولدت» بسرعة؛ فقد تكون لحظة النشر هي اللحظة التي توافرت فيها الظروف السياسية أو المعرفية أو الشخصية لإخراج تراكم طويل إلى العلن.
من ندرة المعرفة إلى وفرتها
الأهم من ذلك أن شروط إنتاج المعرفة تغيّرت جذريا. ففي عصر ما قبل الرقمنة، كان الوصول إلى المعلومة يستنزف جزءا كبيرا من وقت الباحث. كانت قراءة المرجع تعني أولا العثور عليه، ثم الوصول إليه، وشراءه أو استعارتَه، وأحيانا السفر إلى مكتبة أو مركز أبحاث، ثم البحث داخله وتدوين الملاحظات ومقارنة المصادر. وقد مررت شخصيا بهذه التجربة في سبعينيات القرن الماضي أثناء إعدادي للدكتوراه؛ إذ كان البحث عن المصادر والوصول إليها وقراءتها يستغرق، في تجربتي، أكثر من ثلثي الوقت، فيما الكتابة والطباعة والمراجعة والتدقيق اللغوي لم يأخذ أكثر من الثلث. أما اليوم، فقد اختُصر جزء هائل من هذه العمليات.
وهذا التحول لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل هو تحول عالمي في اقتصاد المعرفة. لقد انخفضت كلفة الوصول إلى المعلومات بصورة كبيرة، وأصبحت مئات الآلاف من الكتب والدراسات والمقالات والوثائق متاحة بضغطة زر. وهذا لا يعني أن المعرفة أصبحت أسهل؛ بل إن طبيعة الصعوبة تغيّرت.
كانت المشكلة في السابق، إلى حد كبير، هي الوصول إلى المعلومة. أما المشكلة اليوم فأصبحت بدرجة متزايدة تمييز المعلومة الموثوقة من غير الموثوقة، وفرزها، وربطها، والتحقق منها، وتحويلها إلى معرفة قابلة للفهم.
سقوط الجغرافيا المعرفية
الجغرافيا كانت في زمن سابق عاملا حاسما في إنتاج المعرفة.
كان الباحث في فلسطين أو العالم العربي، مثلا، قد يحتاج إلى السفر للوصول إلى أرشيف أو مكتبة أو مركز بحثي أو مجموعة وثائق موجودة في بلد آخر. وكان العامل الاقتصادي يلعب دورا بالغ الأهمية في الوصول الى مصادر المعلومات. أما اليوم فقد تراجعت هذه القيود بصورة هائلة.
أصبح الباحث قادرا على الوصول إلى مصادر موجودة في جامعات ومكتبات وأرشيفات في أنحاء العالم، وهو أمر كان يحتاج سابقا إلى وقت ومال وعلاقات وإمكانات لا تتوفر للجميع. وهذا التحول وحده كفيل بتفسير جانب من التسارع في إنتاج بعض الأعمال الفكرية.
سقوط الحاجز اللغوي
ولم تسقط التكنولوجيا الحواجز الجغرافية وحدها، بل بدأت أيضا في هدم الحواجز اللغوية التي كانت تحد من اتساع دائرة المعرفة. فقد أتاحت تقنيات الترجمة السريعة، التي تطورت بصورة كبيرة مع الذكاء الاصطناعي، للباحث أن يطّلع على مصادر ودراسات وتجارب وأفكار بلغات لم يكن الوصول إليها سهلا في السابق. وهذا لا يعني أن الترجمة الآلية أصبحت بديلا عن الترجمة المتخصصة أو عن معرفة اللغة الأصلية، لكنها وسّعت بصورة هائلة قدرة الباحث على اكتشاف المصادر وفهم اتجاهات النقاش في بيئات معرفية مختلفة. وبذلك لم يعد الباحث محكوما بالحدود الجغرافية أو اللغوية بالدرجة التي كان عليها في السابق، وأصبح في إمكانه أن يوسّع دائرة اطلاعه على الإنتاج الفكري والعلمي والتجارب الإنسانية في مختلف أنحاء العالم.
الأرشيف الذي كان مغلقا أصبح مادة بحثية
لقراءة المزيد ..اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/97117/
2026-09-16