صناعة طاغية…!
عبدالله كاظم
تمثل فترة السبعينات المرحلة الذهبية لحزب البعث ،وكان من الواضح أن هناك ماكنة إعلامية ضخمة مسخرة لخدمة (القائد الضرورة) وتضفي عليه هالة من كاريزما القيادة تبين لاحقا أنه كان مجردا من أبسط مستوياتها وادناها.
.
أتذكر جيدا كيف كانوا يخرجون الطلاب يرددون شعارات البعث: (صدام اسمك هز امريكا).
و(بالروح بالدم ، نفديك ياصدام) ، فيما كان التلفزيون العراقي يبث على مدار ساعات البث لقاءات وزيارات وتحركات (المهيب الركن) الذي لم يخدم يوما واحدا في سلك الجيش ولم يتخرج من كلية الأركان.
.
لوحات ورسومات وروايات والحان وأناشيد ومواويل واغان عديدة كلها تمجد (فارس العرب) ، ومن أجله كان نصب الشهيد وقوس النصر والجندي المجهول ومهرجانات المربد ، والشعر الشعبي والفصيح والخطابة، والردح ليل نهار، وآلاف مؤلفة من الانتهازيين من شيوخ ومداحين وشعراء وفنانين ورجال دين وسياسيين وأدباء ومحامين.
.
فرق موسيقية تصدح ليل نهار بلا كلل بمواهب (القائد الرمز) ومطربون بالمئات يرددون اناشيد هابطة تبعث على الغثيان:
(صفن يالبيض شهود إلنه
صدام حسين يلوگ إلنه).
.
وبينما كان حسين نعمة يترنم بأغنية (العزيز انت)، كانت سعدية الزيدي ترقص للقائد حد الابتذال, وليلى العطار ترسم له أغلب لوحاتها, فيما كان عبد الرزاق عبد الواحد يكتب المعلقات في حق (سيد القبيلة) ويؤجج في نار الحقد والفتنة ضد شعب مسلم:
.
ألا مَن يشتري موتاً
ألا مَن يشتري غضبا
ألا مَن يشتري للنار
بين ضلوعهِ حطبا
.
و( سعاد الصباح ) تتغزل بصدام
أنا امرأةٌ قررتْ أن تحب العراق
وأن تتزوج منه امام عيون القبيلة
لماذا تقاتل بغداد عن أرضنا بالوكالة
وتحرس ابوابنا بالوكالة
وتحرس اعراضنا بالوكالة
وتحفظ اموالنا بالوكالة
لماذا يموت العراقي حتى يؤدي الرسالة
وأهل الصحارى سكارى وما هم بسكارى
يحبون قنص الطيور ولحم الغزال ولحم الحبارى
لماذا يموت العراقي والآخرون
يغنون هنداً ويستعطفون نوارا ؟
لماذا يموت العراقي والتافهون
يهيمون كالحشرات ليلاً ويضطجعون نهارا ؟
لماذا يموت العراقي والمترفون
بحانات باريس يستنطقون الديارا ؟
ولولا العراق لكانوا عبيداً
ولولا العراق لكانوا غبارا
.
وفي الوقت الذي كانت فيه (سميرة سعيد) في أقصى المغرب العربي تغني (عراق الكرامة)، كانت (رباب ) في أقصى المشرق العربي تصرخ : (صادگ يا صدام) ..
أما (محمود درويش) فكان يسمي صدام حسين (قمر بغداد)..
.
و(شفيق الكمالي) يؤله الزعيم القائد وهو يرى الله والعرب في عيني صدام:
إني أرى الله في عينيك والعربا
وقصيدته في مدح صدام رغم معرفته بماضيه النتن المخزي:
تبارك وجهك القدسي فينا
كوجه الله ينضح بالجلال.
.
الاعلام العربي والخليجي مكرس في خدمة النظام والصحافة العربية المهاجرة تتغزل بصدام :
مجلة (الوطن العربي) و(وليد أبو ظهر) و(المستقبل) و(الحوادث) كلها كانت تنطق بحب صدام.
(فؤاد مطر) يؤلف كتبا تتحدث عن صدام باعتباره (مناضلا ومفكرا وانسانا) ، وعلى شاكلته المئات من عديمي الشرف والأخلاق والضمير..
.
و(الملك الهاشمي) يطلق أول قذيفة باتجاه إيران لتفتح أبواب جحيم القادسية علينا.
وسيارات المرسيدس بالمئات هدية القيادة لصحفيي الأردن ومصر ولبنان ،بينما العراقي يأكل خبز الطحين مخلوطا بالنوى في زمن الحصار.
.
كانت أموال الشعب العراقي تصرف على اتباع صدام في الأردن ولبنان ومصر واليمن وموريتانيا والسودان وحتى في الخليج وأوروبا بينما كان الحصار يطحن عظام الشعب ويتسبب في مقتل 500 ألف طفل بشهادة الأمم المتحدة.
.
كل هذه الأبواق الرخيصة ساهمت في صناعة طاغية أورد شعبه موارد الهلاك ، وتسبب في مقتل الملايين من الشعب، ثم أسلمه لإحتلال بغيض وشرس ومجرم واكتفى بالاختفاء في حفرة حقيرة يأنف من العيش فيها حتى الجرذان ، وهذه ليست أخلاق الأبطال و الفرسان والشجعان وقادة البلدان.
.
وماذا كانت النتيجة؟؟؟
ملايين من القتلى والجرحى والمعوقين والشهداء ، وحصار جائر بينما النظام يبني القصور الرئاسية ، وفي الوقت الذي كانت فيه العراقيات يفترشن (الساحة الهاشمية ) في (عمان) لبيع السجائر كانت الخليجيات يقضين عطلة الصيف في شوارع لندن وباريس وجنيف…
.
والخلاصة أن أوباش العرب يريدون إعادة إنتاج الدكتاتورية في العراق من جديد بقوالب جديدة ، وللأسف الشديد مازال هناك من العراقيين الكثير ممن لم يتعلم الدرس وهو على استعداد نفسي لذلك ، اضافة إلى الأجيال التي لم تعاصر تلك المرحلة السوداء من تاريخ العراق.
.
ولولا حنين البعض إلى تلك الأيام السوداء لما تحملت عناء كتابة هذه السطور التي تثير في النفس الحسرة والأذى ، ولكن الشعور بالمسؤولية يحتم على كل حر شريف الوقوف بوجه كل من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ، إلى حيث الطغيان والجبروت والظلم وهدر كرامة الإنسان والسجون والتعذيب وهتك الأعراض والمقدسات.
……. 15/9/2026