سر العداء المستتر!
لوبي الصـ.ـهيوني الأمريكي
الجزء الثالث عشر و الأخير :
زينب مهدي*
علمنا إن تفسير الأحداث في منطقتنا لا يمكن أن يتم بلغة المصالح الاقتصادية أو السياسية فقط، بل يجب الغوص في الأعماق الفكرية والعقائدية والتاريخية التي تحرك صناع القرار خلف الكواليس في واشنطن وتل أبيب.
أما طريقة تفكير التيار المسيحي الإنجيلي (الصـ.ـهيونية المسيحية) في الولايات المتحدة ، يكشف السر وراء الدعم المالي والعسكري والسياسي الأعمى الذي تقدمه واشنطن لإسـ.ـرائيل، وهو دعم لا ينطلق من مصالح سياسية بحتة، بل من عقيدة لاهوتية ونبوءات دينية متطرفة يؤمن بها عشرات الملايين من الأمريكيين.
١- على العكس من المسيحية التقليدية (التي ترى في الشتات الـ.ـيهودي عقوبة إلهية مستمرة)، يؤمن الإنجيليون الأمريكيون بعقيدة تُسمى “التدبيرية” وهي إن المسيح عيسى بن مريم لن يعود إلى الأرض للمرة الثانية إلا بعد جمع الـ.ـيهود من الشتات وإقامة دولة لهم في فلسطين. فدعم إسـ.ـرائيل وحمايتها هو واجب ديني مسيحي لتسريع عودة المسيح وإقامة مملكته الألفية.
٢- يؤمن هذا التيار الأمريكي بنصوص سفر الرؤيا التي تتحدث عن معـ.ـركة نهاية العالم الطاحنة (هرمجدون) والتي ستقع على أرض فلسطين . يرى الإنجيليون أن من شروط هذه المعـ.ـركة هو هـ.ـدم المسجد الأقصى وبناء “هيكل سليمان”، وسحق القوى الإقليمية المحيطة بها.
بما أن محور المقـ.ـاومة (الذي يقوده الشيعة من إيران والعراق ولبنان واليمن) يمثل العقبة العسكرية الكبرى أمام بقاء إسـ.ـرائيل وأمام تد.مير الأقصى وبناء الهيكل، فإن المسيحيين الصـ.ـهاينة في أمريكا يرون في هذا المحور “قوى الشر التوراتية” التي تجب محـ.ـاربتها بكل قوة.
هذا التيار ليس مجرد جماعة دينية متطرفة ، بل هي الكتلة الأكثر تنظيماً وتأثيراً في السياسة الأمريكية (خاصة داخل الحزب الجمهوري) تمتلك هذه الكتلة ، منظمات ضخمة مثل (مسيحيون موحدون من أجل إسـ.ـرائيل – CUFI) ولها نفوذ هائل داخل الكونغرس والبيت الأبيض و تُعتبر المحرك الأساسي وراء قرارات أمريكية مفصلية، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها كعاصمة لإسـ.ـرائيل، والاندفاع لحمايتها عسكرياً في كل الحـ.ـروب الإقليمية . كما صرح ترامب في تجمع انتخابي قائلاً: “لقد نقلنا السفارة إلى القدس من أجل الإنجيليين، فهم كانوا أكثر حمـ.ـاساً لهذا القرار من الـ.ـيهود أنفسهم”
يُمثل ترامب ذروة التمكين السياسي والفِعلي للفكر الصـ.ـهيوني المسيحي (الإنجيلي) في تاريخ الإدارات الأمريكية المعاصرة؛ حيث غير ملامح الشرق الأوسط، عبر المحاور والآليات الاستراتيجية التالية:
٢- أحاط ترامب نفسه بمسؤولين ينتمون عقائدياً للتيار الإنجيلي المتطرف، والذين صرحوا علناً بأنهم يديرون السياسة الخارجية الأمريكية بناءً على نبوءات العهد القديم والتلـ.ـمود:
مايك بنس (نائب الرئيس) صرح في أكثر من محفل ديني بأنه “مسيحي صـ.ـهيوني” وأن دعمه المطلق لإسـ.ـرائيل ينبع من إيمانه بالوعد الإلهي لإبراهيم وسليمان.
مايك بومبيو (وزير الخارجية الأسبق) أعلن في مقابلة شهيرة داخل القدس أنه يؤمن بأن “الله قد أرسل ترامب لإنقاذ الشعب الـ.ـيهودي من الخطر الإيراني (الشيعي)
أما المهندس الحقيقي الذي حوّل تلك العقائد والأفكار التلـ.ـمودية والإنجيلية إلى خطط سياسية واقتصادية على أرض الواقع هو جاريد كوشنر ، صهر دونالد ترامب و ثقته و مستشاره الذي كان يمثل قناة الاتصال العقائدية والمالية المباشرة بين الفكر الصـ.ـهيوني الأرثوذكسي المتطرف وبين صناعة القرار في البيت الأبيض.
ينتمي جاريد كوشنر وعائلته إلى تيار يـ.ـهودي أرثوذكسي متشدد يُعرف بحركة “حباد لُوبافيتش” وهي واحدة من أكبر وأقوى الحركات الـ.ـيهودية الروحانية في العالم.
تؤمن هذه الحركة بضرورة تسريع النبوءات التلـ.ـمودية المرتبطة بـ”العلو الإسـ.ـرائيلي” وبناء الهيكل، وترى أن أرض فلسطين التاريخية حق مطلق وحصري للـ.ـيهود. نقل كوشنر هذه الخلفية العقائدية إلى ترامب من منظور استئصالي يهدف إلى فرض السيادة الإسـ.ـرائيلية الكاملة ومحاصرة كل من يعارضها.
١- تولى كوشنر بشكل حصري ومستقل ملف الشرق الأوسط، وصاغ ما عُرف بـ “صفقة القرن”، والتي كانت تطبيقاً حرفياً للمطامع الصـ.ـهيونية:
شملت الخطة الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسـ.ـرائيل، وشرعنة المستوطنات في الضفة الغربية، وإلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتجفيف منابع الدعم المالي لوكالة الأونروا.
٢- هندسة “اتفاقيات أبراهام” واختراق الخليج
كان كوشنر هو العقل المدبر وراء اتفاقيات التطبيع بين إسـ.ـرائيل وعدد من الدول العربية والخليجية (الإمارات، البحرين، المغرب، السودان) لا من أجل السلام، بل لبناء تحالف أمني وعسكري واقتصادي يدمج إسـ.ـرائيل في المنطقة، ويخلق جبهة موحدة لمواجهة المقـ.ـاومة.
استغل كوشنر نفوذه وعلاقاته الشخصية الوثيقة مع قادة دول الخليج لإقناعهم بأن الخطر الوجودي عليهم يأتي من “الهلال الشيعي” والنفوذ الإيراني، وأن المظلة الأمنية الإسـ.ـرائيلية-الأمريكية المشتركة هي الحل الوحيد لحمايتهم.
٣- شكل كوشنر خطاً ساخناً ومباشراً مع بنيامين نتنياهو وسفير الإسـ.ـرائيلي في واشنطن متخطياً وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة المخابرات (CIA)، وجعل القرارات الأمريكية تُكتب وتُصاغ بتنسيق كامل مع الأجهزة الأمنية والعقائدية في تل أبيب، مما منح اليمين الصـ.ـهيوني المتطرف ضوءاً أخضراً لتنفيذ الحـ.ـروب و عمليات الاغتـ.ـيال، وقضم الأراضي، دون أي رادع.
عند ربط هذه الخيوط ببعضها، يتضح أن المشهد لا يُدار بلغة القوانين الدولية؛ فإسـ.ـرائيل تتحرك بعقيدة تلـ.ـمودية، والولايات المتحدة بعقيدة صـ.ـهيونية مسيحية إنجيلية، وكلاهما يرى في الصعود السياسي والعسكري الشيعي والمقـ.ـاوم في الشرق الأوسط عائقاً لاهوتياً وتاريخياً يمنع تحقق نبوءاتهم حول القدس ومملكة سليمان، مما يجعل الصراع يأخذ هذا الطابع الـ.ـدموي المستمر.#فلسطين #القدس #المسجد_الأقصى #الشرق_الأوسط #الصهيونية_المسيحية #الإنجيليون #محور_المقاومة #صفقة_القرن #اتفاقيات_أبراهام #ترامب #كوشنر #السياسة_الأمريكية #اللوبي_الصهيوني #هرمجدون #صراع_الهوية #أمريكا #العراق #لبنان #اليمن #إيران #تحليل_سياسي #جيوسياسية #البيت_الأبيض #الأونروا #التطبيع
انتهت
2026-09-16