من «نازا» إلى الفعل: ماذا نفعل بما انكشف؟ في قيمة الاشتباك الفكري الفلسطيني وأفق تحويل الانكشاف إلى فعل!
غانية ملحيس*
حين كتبتُ مقال «هندسة التطهر واستعادة الشرعية: من سينما «نازا» إلى آليات التجديد الذاتي لنظام الحداثة الغربية المهيمن»، كان هدفي محاولة تفكيك ما يتجاوز الفيلم نفسه: ليس فقط ما يكشفه «نازا» عن الجرائم المرتكبة في غزة، وإنما ما يمكن أن يحدث لهذا الكشف حين يدخل منظومات الثقافة والسياسة والقانون والدبلوماسية، وحين يصبح النقد الذاتي جزءا من المجال الذي تعيد فيه المنظومة الغربية المهيمنة إنتاج شرعيتها.
لكن ما حدث بعد نشر المقال كان، بالنسبة لي، أهم من مجرد التفاعل معه.
فقد تحوّل المقال إلى مساحة اشتباك فكري، شارك فيها كتاب ومفكرون ومخرجون وباحثون، لم يكتفوا بالموافقة أو الاختلاف، وإنما أضاف كل منهم زاوية جديدة إلى السؤال.
ولهذا لا أتعامل مع هذه التفاعلات بوصفها تعليقات على مقال سابق، بل باعتبارها مادة فكرية جديدة أنتجها الحوار نفسه.
فقد كشف النقاش أن السؤال لم يعد فقط: ماذا يقول «نازا»؟
بل أخذ يتسع إلى:
من يملك حق الشهادة؟
ماذا يحدث للشهادة بعد أن تدخل المجال الثقافي؟
هل يمكن أن يكون النقد الذاتي صادقا، ومع ذلك يُستوعب داخل منظومة تجدد شرعيتها؟
كيف يمكن ألا يتحول الاعتراف إلى نهاية القصة؟
وما مسؤوليتنا نحن تجاه كل هذا الانكشاف؟
ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال: أن نقرأ ما أضافه هذا الحوار، ثم ننتقل من تفسير ما يحدث إلى التفكير فيما ينبغي أن نفعله بما يحدث.
جمال عاشور: من قيمة الشهادة إلى سؤال ما بعد الاعتراف
فتح د. جمال عاشور النقاش من نقطة أساسية: ضرورة ألا يؤدي نقدنا للمنظومة الغربية إلى الوقوع في تعميم يجعل كل نقد غربي مؤامرة، وكل اعتراف تطهرا، وكل مؤسسة غربية جزءا من عقل واحد.
وكانت إضافته الأهم، في تقديري، هي الدفاع عن قيمة الشهادة بصرف النظر عن هوية الشاهد. فالجنود وعناصر الاستخبارات الذين يتحدثون عن الجريمة لا ينبغي رفض شهاداتهم لأنهم ينتمون إلى الجهة التي ارتكبتها.
قيمة الشهادة فيما تكشفه، وكلما اتسعت دائرة الشهود من داخل منظومة القوة، من الجندي إلى المخابراتي والقائد والسياسي وصانع القرار، اتسعت إمكانات بناء معرفة أكثر تفصيلا بالجريمة وبنيتها.
لكن جمال دفع السؤال إلى النقطة التي ستصبح لاحقا محورية في الحوار: الاعتراف ليس عدالة.
فالمشكلة تبدأ بعد الشهادة: من المسؤول؟ وماذا سيحدث بعد أن نعرف؟
وكانت استعارة «المرآة» التي اقترحها لافتة: لا نرفض المرآة لأنها جاءت من بيت الجاني، بل نأخذ منها الصورة ونُبقي على الجريمة ونطالب بالمساءلة.
هذه الإضافة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في النقيض المقابل: رفض كل ما يأتي من داخل منظومة القوة، بدل استخدام تناقضاتها وانكشافاتها لمصلحة الضحية.
وفي تفاعله الثاني، انتقل جمال خطوة أبعد، وصاغ واحدة من أكثر الأفكار كثافة في الحوار: «المشكلة ليست في أن يعترف الجاني بأن الجريمة وقعت؛ المشكلة في أن يتحول اعترافه إلى شهادة حسن سلوك».
هنا انتقل النقاش من قيمة الاعتراف إلى وظيفته. فالاعتراف الذي لا يغيّر علاقة المجتمع بالجريمة، ولا يسأل من نفّذ ومن شرّع ومن حمى ومن استفاد، يمكن أن يتحول إلى تطهير رمزي.
وطرح أيضا مسألة مهمة تتجاوز تغيير الأشخاص إلى تغيير البنية: إسقاط نتنياهو أو سموتريتش أو بن غفير لا يكفي إذا بقيت الشروط التي تسمح بإنتاجهم من جديد. ومن هنا يصبح السؤال: هل تغيّرت الوجوه، أم تغيّرت الشروط التي أنتجت الجريمة؟
وهذه الإضافة نقلت الحوار من «نازا» بوصفه فيلما إلى مفهوم أوسع: الاعتراف الذي يعيد تأهيل الجاني بدل أن يعيد الحق إلى الضحية.
بيسان عدوان: من الانكشاف الأخلاقي إلى الإنقاذ السياسي
التقطت بيسان عدوان هذه النقطة ودفعتها إلى صياغة أكثر مباشرة: «ماذا يترتب على الاعتراف؟» ووضعت التناقض أمامنا في صورته السياسية: هل يقود كشف الجريمة إلى محاسبة البنية التي أنتجتها، أم إلى إعادة تأهيلها؟
هل يصبح «الإسرائيلي التائب» شاهد إدانة، أم وسيلة لإثبات قدرة المجتمع الإسرائيلي على التطهر الذاتي؟
وهل يكفي تغيير القيادة السياسية لفتح صفحة جديدة دون مساءلة البنية التي سبقتها وستستمر بعدها؟
لكن أهم ما أضافته بيسان، في رأيي، هو صياغتها للخوف الحقيقي: أن تتحول لحظة الانكشاف الأخلاقي إلى لحظة إنقاذ سياسي. وهذا يضيف إلى مفهوم «التطهر» بعدا سياسيا واضحا: ليس الخطر في الاعتراف نفسه، بل في أن يأتي الاعتراف في لحظة تُستخدم فيها الحاجة إلى استعادة الشرعية لإغلاق السؤال بدل فتحه.
مصطفى النبيه: من سؤال الفيلم إلى سؤال الكاميرا
جاءت إضافة المخرج مصطفى النبيه من من غزة ومن داخل السينما نفسها، فهو لم يتوقف عند سؤال ماذا يكشف الفيلم، وإنما سأل: من يملك الكاميرا؟ ومن يملك حق رواية الجريمة؟ ومن يُمنح المنصة والضوء؟
وطرح سؤالا آخر شديد الأهمية: هل تحتاج السينما إلى أن تكون «محايدة» حتى تُقبل عالميًا؟
هنا انتقل الحوار من السياسة إلى جماليات التمثيل، فليس المهم فقط أن يتحدث الجاني، وإنما كيف تصوّره الكاميرا؟ هل يظهر باعتباره مسؤولا عن جريمة، أم باعتباره ذاتا إنسانية نادمة تستحق التعاطف؟
وهذا السؤال هو الذي يفتح مساحة «الكادر التائب»: فالصورة نفسها يمكن أن تعيد توزيع التعاطف والمسؤولية. وقد أضاف مصطفى بذلك بعدا مهما: المعركة ليست فقط على الرواية، وإنما على شكل ظهور الرواية، وعلى من يُمنح حق أن يكون إنسانا كامل التعقيد أمام الكاميرا.
نهى العايدي: حين يصبح النقد الذاتي موردًا للتجديد
التقطت د. نهى العايدي جوهر الأطروحة في أكثر صورها تركيبا: قدرة المنظومة المهيمنة على إنتاج نقدها الذاتي ثم استيعابه وإعادة توظيفه. لكن الأهم في مداخلتها أنها ربطت السينما بالسياسة والقانون والدبلوماسية والانتخابات، أي أن الفيلم لا ينبغي أن يبقى حدثا ثقافيا.
فإذا كانت الشهادات التي يحتويها ذات قيمة، فإن دور السياسي هو أن يعرف كيف يستثمرها في المحافل القانونية والسياسية، بحيث تتحول من اعتراف إلى مساءلة. وهنا ظهرت للمرة الأولى بصورة واضحة فكرة ستتكرر لاحقا: كيف ننقل الفيلم من المجال الثقافي إلى المجال العملي؟ أي من الشاشة إلى المحكمة، ومن الاعتراف إلى المسؤولية.
أمين كعابنة: لا نعرف لحظة ظهور الشق في الجدار
أما أمين كعابنة فقد أضاف إلى الحوار درجة مهمة من التعقيد. فهو لم يرفض فكرة «هندسة التطهر»، لكنه حذر من افتراض أن كل نقد ذاتي تطهر، أو أن كل اعتراف مجرد تكتيك. قد يكون النقد الذاتي شقا حقيقيا في الجدار، ولا نعرف لحظة ظهوره إن كان سيُمتص ويُعاد تدويره، أم يتحول إلى أداة تفكيك يصعب احتواؤها. هذه الإضافة مهمة لأنها تجعلنا نميز بين أمرين:
قدرة المنظومة على الاستيعاب، وحتمية الاستيعاب. فليست كل أزمة قابلة بالضرورة لأن تتحول إلى فرصة لتجديد الشرعية.
ومن هنا طرح أمين سؤالا أكثر أهمية من سؤال «هل يتطهر الغرب؟»: هل نستطيع نحن أن نحول لحظة التطهر التي يريدها إلى لحظة مساءلة لا يستطيع الإفلات منها؟
ثم أضاف فكرة شديدة الأهمية: أن المنظومة قد تستطيع غسل صورتها، لكنها لا تستطيع غسل الأرشيف. وهنا يتحول الأرشيف من ذاكرة إلى قوة.
لقراءة المزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/97141
2026-09-17