في حديث الثقافة (1)!
د.عمر ظاهر.
في العراق كانت عندنا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حالة خاصة، وهي أن الشيوعيين العراقيين كانوا يشكلون نخبة المثقفين، فهم الأمميون، وهم التقدميون، وهم العلمانيون، وهم قراء الكتب، وربما كانوا السبب في القول الشائع “القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ”. من كان يستمع إلى شيوعيينا كان يحسدنا، فروسيا، مثلا، كان عندها لينين واحد، أما نحن فكل شيوعي عندنا هو لينين – وحبتين زيادة.
هذه كانت أكذوبة، وكانت خداعا. أنا لاحظت مئات الحالات من الشيوعيين الذين كانوا يصيبون الناس بالصداع عندما يتحدثون عن حقوق المرأة حتى أن أعداءنا حاربونا بالادعاء بأن الشيوعي متحلل أخلاقيا إلى حد أنه يمكن أن ينام مع أمه وأخته. لكن في الحقيقة، وجدت أن المثقفين الشيوعيين تقدميون فقط عندما يتحدثون عن المرأة – بمعنى النساء عامة أو نساء الآخرين، أما عندما يتعلق الأمر بنسائهم – أخواتهم وبناتهم، فهم ليسوا أقل رجعية من أي رجعي متخلف.
كان لي رفيق نستقبله في بيتنا كواحد من العائلة. ومرة واحدة زرته في بيته، فأصبت بالصدمة، فقد كانت النساء فور دخولي البيت يركضن من حجرة إلى حجرة، وكأن البيت دخل فيه عفريت. وخرجت من البيت ولم أرَ وجه أي منهن. وكان لي رفيق شيوعي يجمع في نفسه لينين وتروتسكي، ومكسيم غوركي، وكل عباقرة الروس، وكانت له طفلة عمرها ست سنوات. ذات يوم تقدم منها طفل آخر في المدرسة عمره ثماني سنوات وقدم لها وردة. وعندما علم رفيقي بأن أحدهم قدم وردة لبنته ثارت غيرته وحميته، إذ شعر بشرفه يتعرض للتهديد، فأرسل ابنه الكبير إلى الطفل ذي الثماني سنوات ليهدده ويحذره بأنه إن أعاد ذلك فله الويل والثبور.
مثقف لا يتحمل عقله أن ينشئ الأطفال بمنتهى العفوية ثقافة جديدة غير ثقافة التسلط والعدوانية، وثقافة “الرجال قوامون على النساء”!!
طفل يقدم وردة إلى طفلة. ما أروع هذا الشعور، وما أنبل هذا السلوك، وما أنبل من أنشأ ذلك الطفل على تقديم الورود للبنات، وشجعه على الحب، بدلا من الكراهية وحب التسلط؟ ولكن ما الفائدة إذا لم تكن هناك عقول مستعدة لتقبل التغيير؟ وماذا نفعل إن كانت العقول الماركسية اللينينية نفسها متصدأة؟ إنهم يخدعون المجتمع كله.
عندي خزين من مثل هذه الأمثلة على الازدواجية وانفصام الشخصية في صفوف المثقفين. بحثت عن منبتها، فوجدت أن المنشأ هو الانتماء إلى الحزب الشيوعي، فهذا الرجل متخلف أصلا (أو كما يقول علي الوردي أنه يلبس تحت بدلته الغربية عقال بدوي)، لكن الحزب الشيوعي قدم له صباغا لوجهه، ثم كرس عنده الشيزوفرينيا.
النظام الداخلي للحزب الشيوعي يوصي الرفيق من جهة بالدفاع عن الأفكار التقدمية والأممية ونشرها، والدفاع عن حقوق المرأة (يقصد مرأة الآخرين وليس مرأته هو). ومن جهة أخرى يوصي الرفيق بأن يحترم تقاليد مجتمعه حتى يكتسب حب هذا المجتمع، ويكون قادرا على التأثير فيه (أين توجد في تقاليد مجتمعه أن يقدم طفل وردة إلى طفلة؟). وكيفية تكون الازدواجية إن لم تكن هكذا؟
أطرح بعض الأسئلة: هل يجب أن تصوغ الثقافة السياسة، أم العكس؟ مع الأسف، لم تنتج أوساطنا الثقافية سياسيين، بل هم السياسيون من ينتجون الثقافة، ويصوغونها حسبما تناسب مصالحهم. نحن نظن أننا مثقفون لكننا جميعا أذيال السياسيين نسبح بحمدهم.
يتبع ..
2021-05-29