كلمة السنوار تضع النقاط على الحروف بعد فوضى المواقف إزاء نصر المقاومة.. وأسئلة أخرى!
بقلم بكر السباتين..
في أول إطلالة إعلامية له على الهواء مباشرة ، عقد رئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس يوم أمس الأول الأربعاء 26 مايو الجاري في غزة يحيى السنوار لقاءً مع ثلة من الإعلاميين الفلسطينيين العاملين في الإعلام المحلي والعربي داخل قطاع غزة، حذر من خلاله الاحتلال الإسرائيلي من المساس بالقدس والمسجد الأقصى، وقال إن التصعيد الأخير ما هو إلا مناورة.
جاءت كلمة السنوار بعد أسبوع من انتهاء معركة “سيف القدس” بتسجيل أكبر هزيمة في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، إذ لم يسبق أن مني المشروع الصهيوني بمثل هذه الانتكاسة منذ العام 1948. وخلاصة المعركة أن “إسرائيل” تراجعت ولم تحقق أياً من أهدافها، بينما نجحت المقاومة من مكانها في غزة بحماية المسجد الأقصى والمرابطين فيه، وصد اعتداءات الاحتلال.. والتصدي للعدوان الإسرائيلي بكفاءة واقتدار محققة توازن للقوى من خلال تكبيد الاحتلال خسائر مادية ومعنوية في العمق الإسرائيلي إلى درجة إصابة الإسرائيليين بفوبيا المقاومة.
ناهيك عن زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى الشرق الأوسط؛ لتثبيت وقف إطلاق النار في الأراضي الفلسطينية.. والتشكيك بنواياه فيما لو كانت من باب العلاقات العامة أو لتنفيذ الأجندة الإسرائيلية ورؤيتها في إعادة إعمار غزة كيلا تستفيد منه حماس لالتقاط أنفاسها.
ويبدو أن السنوارَ انتظر هذه المدة ليضع النقاط على الحروف، من خلال ظهوره بعد إعلان النصر من أجل دراسة ردود الأفعال المؤيدة لموقف المقاومة مقابل معارضيها ممن يمثلون الأقلية على صعيد عربي وفلسطيني؛ من أجل الخروج بخطاب متوازن يرد على كل الأسئلة المضللة، التي يرمي أصحابها-كما يبدو- إلى إجهاض هذا الانتصار وتحويله إلى هزيمة تتحمل مسؤوليتها حماس، وأن نصر غزة مجرد وَهِمٍ واستخفافٍ بالمنطق والأمر الواقع، وهو وصف يتوافق مع الدعاية الصهيونية مع أن الحقيقة تشير إلى خلاف ذلك.
وعليه فقد استهل السنوار كلمته بإرسال إشارت ضمنية إلى كل الاتجاهات ليرسخ حقيقة أن خيار المقاومة يلتقي مع توجهات أول رئيس للسلطة الفلسطينية، أي الشهيد ياسر عرفات.
جاء ذلك من خلال توجيه السنوار الشكر إلى أبرز شهداء القضية الفلسطينية من كل الفصائل (على اعتبار أن حماس فصيل فلسطيني تنحصر أهدافه الموضوعية في فلسطين) بدءاً من الشيخ أحمد ياسين مروراً بأبي علي مصطفى وصولاً إلى البروفسور على الزبدة الذي عمل مسبقاً في وكالة ناسا ثم ترك كل الفرص الثمينة ليشرف على تطوير منظومة الصواريخ في غزة، إلى أن ارتقى شهيداً في الحرب الأخيرة، وعلى رأس من شكرهم كان الراحل ياسر عرفات في إشارة ذكية من السنوار إلى دوره في تعزيز روح المقاومة والصدود للشعب الفلسطيني، وكأنه يشير بذلك إلى الدور الذي يجب أن تسلكه سلطة عباس في ظل الاحتلال دون أن ينتقدها مباشرة بل اعتبرها قد ارتقت إلى مستوى الموقف الشعبي الفلسطيني المؤيد للمقاومة داخل وخارج فلسطين دون أن يطالب بوقف اتفاقية التنسيق الأمني درءاً لتعميق الشرخ بين حماس والسلطة، ورغم ذلك أشار السنوار إلى دور الشهيد ياسر عرفات رئيس السلطة السابق، بالتوجه إلى تسليح الشعب الفلسطيني (بدلاً من التنسيق الأمني) لتعزيز الصمود الفلسطيني وإحداث نوع من التوازن العسكري مع الاحتلال الإسرائيلي، فأشار في حديثه إلى عملية “سفينة نوح” التي احتجزتها البحرية الإسرائيلية، في يناير 2002، وتبين أنها تحمل 50 طنا من الأسلحة بما في ذلك صواريخ كاتيوشا وغراد قصيرة المدى وصواريخ مضادة للدبابات ومتفجرات شديدة الانفجار، واتُهِمَ عرفات حينها بمسؤوليته عن ذلك.. لذلك قال السنوار متحسراً على خسارة المقاومة لعرفات :
” نم قرير العين أنت والشهداء بعد أن أصبح لنا مقاومة في شعبك.. كتائب عز الدين القسام وغيرها من فصائل المقاومة (التي تجمعهم غرفة عمليات مشتركة)”.
ثم استأنف السنوار كلمته المتوازنة قائلاً :
” إن قرار زوال دولة الاحتلال مرهون بالمساس بالإجراءات الإسرائيلية في القدس، وانتهاكاتها في المسجد الأقصى والاعتداء على المقدسيين”..
وأشار إلى أن رد المقاومة على تصعيد الاحتلال في غزة ما هو إلا مجرد مناورة، مؤكدا أن المقاومة أوصلت رسالة للعدو وللعالم أجمع أنه كفى لعباً بالنار “ونحن لا نطلق التهديدات ولا ننفذها”..
وقال إنه لم يكن هناك اتفاق لإنهاء جولة القتال الأخيرة في غزة، بل وقف إطلاق نار متزامن غير مشروط وانتهى الأمر. وأكد أنه لن ينقضي هذا العام إلا بانفراجة اقتصادية لقطاع غزة، وأن الفصائل الفلسطينية ستحرق الأخضر واليابس ما لم تحل مشاكل غزة، حسب تعبيره. دون أن يوضح ردة فعل المقاومة فيما لو خالف الاحتلال بنود الهدنة وخاصة أنه ما يزال يمارس اضطهاده للفلسطينيين في داخل الخط الأخضر وفي القدس.. سواء كان ذلك في الأقصى أو حي الشيخ جراح! ما يعني بأن أسباب حرب “سيف القدس” ما لبثت قائمة فماذا يعني ذلك!؟
وقال السنوار إن ما بعد مايو 2021 ليس كما قبله منوهاً إلى أن”على أهلنا في القدس البقاء على أهبة الاستعداد للدفاع عن الأقصى” مشيراً إلى وجود عشرة آلاف استشهادي في الداخل المحتل على أهبة الاستعداد؛ للرد على أي مساس بالقدس.
لا بل أن السنوار رد على أحد الصحفيين في خاتمة المؤتمر الصحفي قائلاً بأنه إذا تعرض الأقصى لاعتداءات سافرة أو الهدم فإن الحرب ستكون إقليمية مستشهداً بما قاله رئيس حزب الله حسن نصر الله مؤخراً، في كلمته حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الأخير قائلاً:
“إن المعادلة التي يجب الوصول إليها هي معادلة “القدس مقابل حرب إقليمية”، على حد تعبيره.
وأشار السنوار إلى أن التنسيق الاستخباري ما زال مستمراً بين حماس والفصائل مع حزب الله وخاصة في الحرب الأخيرة.
ودعا السنوار في كلمته إلى انتفاضفة تعم كل فلسطين داعياً سكان الضفة إلى الهبة في وجه المستوطنين، وطالب المقدسيين بالصمود، وسكان الداخل الفلسطيني بالمطالبة بحقوقهم.
وشدد السنوار على أن ما سمي التعايش في الداخل الفلسطيني سقط إلى الأبد. في إشارة إلى الحملة الإسرائيلية الشعواء على الفلسطينيي داخل الخط الأخضر على خلفية مؤازرتهم للمقاومة ودفاعهم عن القدس المحتلة.
وحول تفاصيل التصعيد في غزة، أكد السنوار أن المخطط الإسرائيلي فشل فشلاً ذريعاً في القضاء على الصف الأول السياسي والعسكري في حماس، ضمن خطة “رياح الجنوب”.
وأضاف أن الاحتلال فشل أيضا في استدراج مقاتلي النخبة في حماس، والفصائل الأخرى، إلى كمائن في المواقع المتقدمة، مشيراً إلى أن استخبارات المقاومة كانت مطلعة على خطة الاحتلال ومحاولة خداعهم بوجود توغل بري.. لذلك تم سحب المقاتلين من منطقة الهدف المتقدم التي تعرضت لهجمة نفذتها 160 طائرة ألقت القنابل الارتجاجية وغيرها بغية هدم الأنفاق على رؤوس المقاتلين فباءت العملية بالفشل الذريع وأصابت قادة “إسرائيل” بالخيبة وأذاقتهم طعم الفشل..
وأشار إلى أن كل البنية التحتية العسكرية للمقاومة ما زالت قائمة ولم تتضرر إلا بشكل طفيف، مؤكدا وجود ما يزيد على 500 كلم من الأنفاق، وأن الضرر لا يزيد على 5%.. (ربما هي التي استهدفت في عملية الاستدراج أعلاه).
وأكد السنوار أن الاحتلال لم ينل من مقاتل واحد في كتائب عز الدين القسام، أو الفصائل الأخرى.. موضحاً أن الحصيلة الإجمالية من الشهداء هي 57 من القسام و22 من سرايا القدس.
وهذه الأرقام صغيرة جداً إذا ما قورنت بما يروج له الاحتلال الإسرائيلي، لأن غالبية الضحايا كانوا من المواطنين العزل، وهو ما أحرج الكيان الإسرائيلي أخلاقياً وتحول في نظر شعوب العالم إلى نظام فصل عنصري في طريقه إلى الزوال.
وكشف السنوار عن مخطط للمقاومة بإنهاء الجولة بإطلاق 300 صاروخ دفعة واحدة، لكنها أوقفتها بعد تدخل الوساطات، وخاصة جهود دولة قطر.
وأكد السنوار أن حركة حماس التزمت بوقف إطلاق النار إكراما لقطر ومصر وجهودهما في هذا الصدد.
وعن الأسرى بين الطرفين فقد كشف السنوار عن اتصالات أجريت من خلال وسطاء مثل مصر وقطر ووالنروج وألمانيا وسويسرا بمشاركة الأمم المتحدة للتمهيد لصفقة تبادل اسرى؛ ولكن تبدل الأحوال في “إسرائيل حالت دون ذلك.. ولكن المستجدات ما بعد خطاب السنوار تشير إلى أن القاهرة وجهت دعوة لكل من “إسرائيل” وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) للبدء في مفاوضات لإبرام صفقة لتبادل الأسرى.. وفق ما قالته القناة الـ11 الرسمية الإسرائيلية مضيفة بأنه لم يحدد بعد موعد لإجراء المحادثات التي ستستضيفها القاهرة بوساطة وإشراف مصري.
أما عن الجهود لإعمار قطاع غزة، أكد السنوار الاستعداد لتسهيل تلك الجهود “بكل ما أوتينا من قوة”، ورفض ما وصفه باللعب الأميركي على التناقضات الداخلية الفلسطينية بشأن إعادة إعمار القطاع. وخاصة أن نتنياهو أبلغ وزير خارجية أمريكا بضرورة تشكيل لجنة دولية تضم مصر، للإشراف على إعادة الإعمار.. وهذا ما تعمل عليه مصر بالتنسيق مع السلطة.. ولكن حماس كما يبدو فإن لها مصادرها السرية في تلقي الدعم المالي ولن تتأثر بالخطة الأمريكية الرامية إلى تحجيم وتقليص قدرات حماس العسكرية..
وشدد قائد حماس في غزة يحيى السنوار على أن الحركة ستفسح المجال أمام الدول الراغبة بالمشاركة في إعادة الإعمار، من المصريين للأتراك للكويتيين لبقية العرب مؤكدا أن حماس لن تستفيد مادياً من عملية إعادة الإعمار.
ووجه قائد حماس في القطاع الشكر لإيران التي قال إنها كانت “كريمة دائما” مع الفصائل الفلسطينية ماديا ولوجستيا ومعنويا.. في إشارة إلى دورها الموعود في الاستمرار بتقديم الدعم لحماس وبقية الفصائل في غزة.
وعليه فقد أضاف السنوار قائلا إن حركة حماس “لا تحتاج لمساعدات مادية”، ووجه شكره للمتبرعين للفصائل الفلسطينية في القطاع، وتابع قائلا: “لدينا طرقنا في الحصول على الأموال”، حسب قوله.
ربما يتميز هذا الكلام بأنه صادر عن قائد غابت طلته إبان الحرب في غياهب الأنفاق وهو يدير أصعب معركة شهدتها الميادين في هذا العالم ليخرج منتصراً.. من هنا فإن لكلماته رنة خاصة.. لا تتعب الأذن من الاستماع إليها، ولا العقل من التقاط العبر من نقاطها الرئيسة.. وكأن السنوار يعد الفلسطينيين في غزة بالإعمار.. لكنه لا يعد بأنها ستكون آخر المطاف ما دام الأمر يتعلق بحصار غزة المضروب عليها منذ 15 عاماً.. وانتهاكات جيش الاحتلال في غزة والضفة الغربية وداخل فلسطين.. وإيمان الشعب الفلسطيني بالتحرير والعودة.
28 مايو 2021