اتفاقية مكة للدفاع المشترك!
اضحوي جفال محمد
وقعت كل من السعودية وتركيا والباكستان أمس اتفاقية للدفاع المشترك بعد صلاة الجمعة في مكة وسمّيت باسمها لإعطائها جانباً معنوياً يداعب عواطف الشعوب الإسلامية. فإلى أي حد يستحق هذا الحدث الاهتمام الإعلامي والشعبي الذي يكتنفه؟. سأحاول هنا شرح البعدين، القانوني والسياسي، اللذين يشكلان مضمونه، وأعتذر سلفاً عن الاطالة. ومن الطبيعي ان لا يسمح القانون الدولي لنا بكثير اجتهاد، وأمامنا شواهد مماثلة نستشهد بها لوضع الحدث في مكانه الصحيح. أما سياسياً فيستطيع كل محلل أن يستنبط من الظرف والتوقيت مسائل موجودة فعلاً او غير موجودة بين السطور. وأهم قيد يقيد استرسال المحللين ان نص الاتفاقية لم يُنشر كوثيقة، فالمتاح هو ما سمح الموقعون بتناقله مشافهةََ. لذا سنحاول بحث الموضوع على ضوء المتوفر من المعلومات، مفترضين وجود ملاحق سرية او تفاصيل لم تتم صياغتها حتى الان. وبغير هذه الافتراضات تفقد الاتفاقية قيمتها كقرار فاعل وتتحول إلى بيان صحفي.
المنظور القانوني..
قانونياً يعتبر الاعتداء المسلح على اي دولة في الاتفاقية اعتداءََ على الدولتين الأخرَيين، وهذا المبدأ يقابل البند الخامس في معاهدة الناتو. فهل كان الناتو يحارب كلما دخل أحد أعضائه حرباً؟ في الواقع دخلت الولايات المتحدة حروباً كثيرة دون ان يحارب إلى جانبها الحلف الذي تتربع فوق هرم قيادته. فالنص يشترط تعرضها لعدوان، والولايات المتحدة لم تتعرض لعدوان منذ تأسيس الحلف منتصف القرن الماضي إلى اليوم، بل كانت دائماً هي المعتدية، والحلفاء غير ملزمين بمجاراتها في عدوانها.
اذن وعلى افتراض جدية المتحالفين في مكة فإن التدخل الحربي يكون عندما تتعرض السعودية لعدوان خارجي، وتلك قضية تحتمل جدلاً معمقاََ.. فاذا هوجمت ايران من قاعدة أمريكية داخل السعودية وردت على السعودية أيهما المعتدي؟ وفقاً للقانون الدولي تعتبر السعودية معتدية ولإيران كامل الحق في الرد. والطريف ان السعودية ذاتها تقر هذا المبدأ سياسياً وعملياً، فهي ترى نفسها على حق عندما قصفت الحشد الشعبي بذريعة انطلاق مسيّرات غير مؤكدة من العراق.
لذلك قلنا ان الاتفاقية لا تتعدى حدود بيان صحفي ما لم تعزز بتفاصيل تحدد النقاط المهمة. فدول مثل الباكستان وتركيا غير مستعدة للانخراط في حروب دفاعاً عن دولة تنطلق من داخلها الغارات على الآخرين. لقد سبق للباكستان ان وقعت قبل عام مع السعودية اتفاقية مماثلة، وتم اختبارها فلم تفعل الباكستان شيئاً!. قصف الإيرانيون أهدافاً كثيرة داخل السعودية ووقفت الباكستان تتفرج، وأقصى ما استطاعت فعله ان قامت بواجب الوساطة.
وبما ان تجدد الصراع مع الحوثي هو المناسبة التي استجلبت هذا التحالف فإن الوضع أكثر تعقيداً من الناحيتين العسكرية والقانونية. ذاك ان السعودية وهي تطلق عاصفة الحزم سنة 15 لم تكن تدفع عدواناً يمنياً على ارضها وانما اتخذت قرار مهاجمة اليمن لنصرة فريق يمني على فريق يمني آخر. وتحالف معها عديدون في تلك المهمة قبل ان يقتنعوا بعبثيتها وينسحبوا. وتجدد الأزمة قبل اسابيع لم يحصل لأن اليمنيين هاجموا السعودية بل لأن السعودية هاجمت مطاراََ يمنياً لمنع طائرة مدنية من الهبوط فيه. ومن المحتمل ان تختبر طائرة مدنية جديدة مصداقية وقانونية تحالف مكة، فتتجه إلى صنعاء، وعندها ستتدخل السعودية لمنعها، وطبعاً لن يدخل معها حليفاها الجديدان، او تغض السعودية البصر عن استئناف النقل الجوي مع اليمن وبذلك يكسر الحظر الجوي السعودي.
هذه الاتفاقية تضع قيداََ على السعودية اكثر مما توفر لها داعمين. فالأمور تتجه نحو تصعيد يمني- يمني، وفي غياب الطيران السعودي وأتباع الإمارات في الجنوب يستفرد الحوثيون بأتباع (الشرعية) المشتتين بين مأرب وتعز وحضرموت. فهل تقوى السعودية على مشهد الحوثيين يتقدمون إلى بحر العرب دون ان تحرك ساكناً؟.
يوم استشعرت روسيا توجهاََ اطلسياََ لقبول عضوية جورجيا في الناتو عام 2008 قطعت عليهم الطريق باحتلال منطقة جورجية (اوسيتيا الجنوبية). وهكذا بات على الناتو ان يمتنع عن اضافة جورجيا إلى الحلف او ان يعتبر انضمامها ساعة الصفر لدخول حرب مع روسيا لاستعادة ما احتلت، فاختار الحل الأسلم وهو رفض منح جورجيا العضوية، كذلك الحال مع أوكرانيا. فلكي تدخل الدولة حلفاََ دفاعياً يتوجب عليها تصفير مشاكلها كي لا تقحم الحلفاء حرباً مؤكدة. ولا بد ان الأتراك والباكستانيين اشترطوا على السعودية ان لا تكون في وضع المعتدي كي يحق لهم الدفاع عنها، فهل تستطيع فعلاً ان تترك اليمن وشأنه وان تمنع امريكا من استخدام مجالها لاستهداف ايران؟ اشك في ذلك وهو ما اعود اليه ضمن المنظور السياسي للاتفاقية. وقبل ذلك اتوقف عند مسألة تخفى على كثيرين بسبب الشحن الاعلامي الذي يظهر السعودية وكأنها الطرف الوحيد القابل للاستفادة من التحالف، فهل الطرفان الآخران بلا مشاكل قد تجعل السعودية مطالَبة بتفعيل بند الدفاع المشترك؟. الباكستان في حالة عداء مستحكم مع الهند، تطور قبل أشهر إلى مواجهة عسكرية، فهل السعودية مستعدة للقتال ضد الهند دفاعاً عن الباكستان؟. وتركيا في حالة عداء مستحكم مع اليونان تفاقم خلال السنوات الاخيرة بسبب الصراع الدولي على الحدود البحرية، وكانت السعودية أقرب سياسياََ إلى اليونان منها إلى تركيا. ثم ان صراعاََ محتدماً الان بين تركيا وإسرائيل على الارض السورية، وتحول قبل أشهر إلى السلاح عندما قصفت إسرائيل ثلاث قواعد سوريّة يجري اعدادها لاستقبال قوات تركية، فهل يتصور عاقل ان تقف السعودية في الخندق المضاد لإسرائيل؟.
لكل ذلك نميل إلى اعتبار التحالف الجديد شكلياً لا يتجاوز ارسال وحدات صغيرة إلى السعودية من حليفيها إبراءََ للذمة.
المنظور السياسي
هذا ليس اول تحالف تعلن عنه السعودية، فقد شهدنا منذ صعود ابن سلمان احلافاََ عديدة، بعضها مضحك لاشتمالها على دول بعيدة لم يسمع بها احد. ابن سلمان مهووس بتجميع تحالفات خلبية تظهر وتزول من غير ان تترك أثراً على الارض. اما التحالف الجديد فقد حظي بالاهتمام الإعلامي ليس لأهمية الفكرة العقيمة وانما لأهمية الدولتين الشريكتين في التحالف، الباكستان وتركيا. وهما دولتان نفترض انهما حصلتا على امتيازات مالية ضخمة مقابل الموافقة على ذكر اسميهما، تماماً كما تسمح كبريات الشركات باستخدام ماركاتها مقابل ثمن.
ابن سلمان يدرك الان فداحة الغلطة التي ارتكبها عندما طعن الموجة الطائفية في الظهر وسكب على جمرتها المتوهجة ماءََ بارداً. انه مطالَب الآن بتصحيح غلطته رغم فوات الاوان. ويعتقد او يعتقد له محركوه ان مجرد زج اسماء الدول السنية المحيطة بايران داخل تحالف عسكري يعطي نقلة نوعية للتحشيد الطائفي الذي عفا عليه الزمن وأغرقه الطوفان. ولا أدل على وجود الفكرة داخل عقولهم من إسراعهم لنفيها بالقول ان التحالف لا يحمل بُعداً طائفياً او دينياً وليس موجهاً ضد دولة بعينها. إن غياب مصر والإمارات عن تحالف كهذا يشير بإصبع الاتهام إلى الركن الطائفي في التحالف، فالدولتان لديهما حساسية مفرطة من العناوين الدينية.
المسألة الأخرى بالغة الاهمية ان هذا التحرك قد يكون أحد المخارج المقدمة لترامب كسلّم يساعده في النزول عن الشجرة العالية. لا شك انه في مأزق خطير تنعدم فيه او تكاد المخارج غير الكارثية. ومن اكثر الأشياء التي قضّت مضجعه امتناع جميع الحلفاء عن مساندته في هذه الشدة. حتى الأكراد الذين لم يفوّتوا فرصة في كفاحهم المرير زهدوا بتحريض ترامب لهم على التمرد في ايران، وقرروا ان يغدروا بمن اعتاد ان يغدر بهم كلما تقطعت بهم السبل.
لقد مارست الولايات المتحدة ضغطاً شديداً على دول كثيرة كي لا تحضر مراسم تشييع خامنائي، وتركز الضغط على دول الخليج لأن حضورها في هذه الاجواء فضيحة لأمريكا وصداقاتها وتحالفاتها، فاستجابت دولتان للطلب الأمريكي وتجاهله الآخرون تتقدمهم السعودية.
ترامب وهو يفشل في اعادة فتح هرمز تردى في خطر مواجهة المستحيل، وهو ان ينسحب من الحرب ويترك الأمور على حالها وكأنه ينصّب ايران فوق عرش الخليج. ان الموت اهون على السياسة الأمريكية من ارتكاب كارثة حقيقية كهذي. ولقد بحث كثيراً عن شريك إقليمي يحمل عن كاهله هذا العبء بأي صيغة تحفظ ماء الوجه أو قليلاً منه. هنا لا نستبعد ان يجتمع الثلاثة المتحالفون من منطلقات مختلفة. فالباكستان التي يتركز دورها كوسيط تحاول إنجاح وساطتها بايجاد البديل الذي يسمح للأمريكان ان يخرجوا من المأزق. وتركيا الحريصة على بقاء التوترات دون مستوى انفراط الدول القائمة تحاول استغفال من ظن انه يستغفلها بجرها إلى حلف بلا لون ولا طعم ولا رائحة. اما ابن سلمان فيمارس هوايته في تشكيل الأحلاف المؤقتة التي تتلاشى بصمت.
والخلاصة ان هذا التحالف يمكن الحكم عليه خلال ايام ودون حاجة للانتظار، فأحفاد زرقاء اليمامة (اليمنيون) لن يذروا انتظاركم يطول، اذ سيقومون بما يجعل السعودية تتحرك او تدفن رأسها في الرمال، وعندها ستعرفون اي نوع من الأحلاف احتضنته مكة!.
( اضحوي _ 2425 )
2026-08-09