ما كتبه لينين عن سلوك الإنتهازيين!
وسام جواد
كان لتأكيد فلاديمير إيليتش لينين، على ضرورة كشف وعزل الإنتهازيين ما يُبرره، نظرا لاستعدادهم للتضحية بالمبادئ والتخلي عن الصراع الطبقي ودخولهم في تحالفات مشبوهة مع الطبقات الحاكمة وسعيهم لتغطية أهدافهم عبر شطحات فكرية وعبارات ثورية رنانة، وهو ما حصل لبعض قيادات الاحزاب الشيوعية الغربية والعربية، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث تلون البعض، وانشغل البعض الآخر بمدح “الرفاق” الجدد في واشنطن، بعد أن قطعَ الأمل بالإسترزاق من رفاق الأمس في موسكو.
في ندوة نظمت في موسكو، تحدث نائب سكرتير الحزب الشيوعي الروسي، إيفان إيفانوفيتش عن الخسارة، التي مُني بها الحزب أمام حفنة من الانتهازيين، الذين نافقوا وتملقوا لقياداتهم من أجل الحفاظ على مواقعهم ومناصبهم، ثم إنقلبوا عند هبوب رياح التغيير، كاشفين بذلك عن صدأ معادنهم . وقد وصفهم إيفان إيفانوفيتش بـ”القراصنة” الذين صعدوا الى ظهر السفينة وسيطروا عليها.. وبعد أن انتهى من كلامه توجه اليه أحد الحاضرين بالسؤال: ألا تعتقدون بأن سوء اختيار الربّان (القيادة) وعدم إعتراض البحارة ( القاعدة) كان السبب في سهولة صعود هؤلاء الدخلاء (القراصنة) الى السفينة والسيطرة عليها وتغيير اتجاهها ؟ فأجابه إيفان ايفانوفيتش بعد هنيهة من التفكير” نعم أتفق معك “.
الإنتهازية في الفترة الستالينية :
لم تمنع أجواء القمع والتنكيل وحملات الاعتقالات والتصفيات الجسدية لآلاف العسكريين والمدنيين بتهم معاداة الثورة، والتجسس لصالح المانيا تارة، وبولندا واليابان تارة اخرى، من لجوء البعض الى التملق والطاعة العمياء لأوامر مسؤوليهم، ووقوفهم ضد رفاقهم، رغم قناعتهم بكذب وبطلان الإتهامات، خاصة في فترة رئاسة هنريك ياغودا، ونيكولاي يجوف، ولافرينتي بيريا، وزارة الأمن الداخلي NKVD.
وكان من أكثر القادة الشيوعيين انتهازية، نيكيتا خروتشوف، الذي عرف بتملقه وطاعته لأوامر ستالين وتنفيذها دون تردد. واصبح من أوائل المنقلبين عليه بعد وفاته في 5 آذار 1953. وكان الهدف من مهاجمة الستالينية في خطاب خروتشوف السري في 25 شباط 1956، التخلص من منافسيه وتثبيت سلطته الفردية. وكثيرا ما كان يوجه الإتهامات لرفاقه السابقين، بحجة مشاركتهم في جرائم النظام، متجاهلاً دوره الشخصي، وهو الذي وقّع بيده على 40 ألف حكم بالإعدام، مطالبا بالسماح بزيادة الإعدامات في اوكرانيا ( يقال أن ستالين أشر على رسالته بعبارة “أهدأ يا غبي”).
وعلى إثر انتقادات خروتشوف العنيفة لانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم البشعة في عهد ستالين، أرسل إليه أحد المندوبين في إجتماع ممثلي الحزب عن مختلف المناطق، ورقة يسأله فيها عن سكوته عن كل ما حصل أيام ستالين ؟ فقرأ خروتشوف السؤال علنا على الحاضرين في القاعة، وطلب من صاحب السؤال أن يكشف عن شخصيته. فلم يجرؤ الرجل على ذلك، فعلق خروتشف قائلا: ونحن كنا كذلك نخاف أن نعلن عن مواقفنا أيام ستالين !
أما على الصعيد الداخلي والخارجي، فقد فشل خروتشوف في :
– حملة زراعة الذرة، التي روج لها إعلاميا وماديا واراد بها التفوق على الولايات المتحدة بانتاجها.
– حل مشكلة احتجاجات العمال في مدينة نوفوتشركاسك، بسبب رفع أسعار اللحوم والزبدة وتخفيض أجور العمال في مصنع القاطرات. وقد أدى قرار استخدام الرصاص الحي ضد المتضاهرين الى ارتكاب مجزرة أسفرت عن مقتل 26 متظاهر وجرح 87 أخرين على أيدي أفراد الجيش السوفيتي.
– وضع حد لتدهور العلاقة مع الصين والولايات المتحدة .
– حل النزاع بين الهند والصين بوقوفه الى جانب الهند عام 1962، مما أغضب ماوتسي تونغ .
– أُعلان إنذاره شفهياً في 10 نوفمبر 1958، ثم رسميا في 27 نوفمبر 1958 مطالبا بخروج قوات الحلفاء من المانيا خلال 6 أشهر ستة أشهر لإنهاء الاحتلال الرباعي لبرلين والاعتراف بألمانيا الشرقية. وقد رفضت الإنذار دول التحالف وتمسكت بحقها في البقاء بالمدينة. فتوترت العلاقات بين حلفاء الأمس وانتهت ببناء جدار برلين عام 1961.
تجدر الاشارة الى أن الذين صفقوا وتملقوا لخروشيف، انتقلوا بعد إقالته الى التصفيق والزعيق لخلفه ليونيد بريجينف، مُعربين عن استعداهم للسير قدما في بناء “الاشتراكية” تحت راية الحزب وقيادة بريجينيف. وكان في مقدمة هؤلاء الانتهازيين هذه المرة ، بوريس يلتسن وبعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، الذين تلونوا كالحرباء، وانقلبوا بعد فترتي حكم يوري أندروبوف وقسطنطين تشيرنينكو القصيرتين وصعود نجم ميخائيل غورباتشوف (المدعوم من قبل اندروبوف)، وانتخابة عام 1984، ليقود بعدها عملية هدم النظام مع بوريس يلتسين في انقلاب 1991، الذي أعِدَّ له جيدا في دهاليز المخابرات الغربية والأمريكية، بالتعاون مع الانتهازيين وخونة الداخل تحت ستار ” إعادة البناء “.
كتب لينين عن الانتهازيين في “ما العمل، المسائل الملحة لحركتنا” ؟( 1902):
نحن نسير في طريق وعر وشديد الانحدار، متماسكين بايدينا بإحكام. ونحن محاصرون من قبل الأعداء من كل الجهات، ونُجبَر دائما على السير تحت نيرانهم . لقد توحدنا، بقرار ذاتي، تحديدًا لمحاربة العدو وعدم الانزلاق إلى المستنقع المجاور، الذي انتقدنا قاطنيه منذ البداية، لتشكيلنا مجموعة منفصلة، اختارت درب الكفاح بدلًا من درب المصالحة. ولذا بدأ بعضنا بالصراخ : “هيا بنا إلى ذلك المستنقع “وعندما شعروا بالخزي، ردوا: “يا لكم من متخلفين ! كم أنتم مخجلون لأنكم تمنعوننا من حرية دعوتكم إلى درب أفضل “
أجل، أيها السادة، أنتم أحرار ليس فقط في الدعوة، بل أيضًا في الذهاب إلى أي مكان تشاؤون، حتى إلى المستنقع. بل إننا نجد أن مكانكم الحقيقي هو المستنقع تحديدا، ونحن على استعداد لتقديم كل مساعدة ممكنة لكم في إعادة توطينكم هناك. لكن اتركوا أيدينا ولا تمسكوا بنا، ولا تشوهوا كلمة الحرية العظيمة، لأننا نحن أيضاً “أحرار” في الذهاب إلى حيث نريد، أحرار ليس في حربنا مع المستنقع فقط، وإنما مع أولئك الذين يتجهون اليه أيضا! .
ملاحظة / أطلق لينين اسم “المستنقع” على الانتهازية والفوضى الأيديولوجية ورَفض النضال الثوري. وأكد ان من حق المعارضين الذهاب حيثما يشاؤون، ودعوة الآخرين لاتباعهم، لكن ما لا يحق لهم هو إخفاء دعواتهم للاستسلام تحت ستار كلمة “الحرية”، وأن الماركسيين الثوريين يمتلكون الحرية نفسها تمامًا – ليس فقط لمحاربة “المستنقع” الأيديولوجي، بل أيضًا لمقاومة أولئك الذين يحاولون الدفع بالحركة نحو ذلك الاتجاه.
موسكو
11.08.2026