تعود علاقتي بأستاذنا الرائد سامي عبد الحميد الى بواكير دخولي كلية الفنون الجميلة أواخر عام 1982 فقد كان السبب الرئيسي بتغيير مسار حياتي من كلية الهندسة العسكرية البحرية الى دراسة الفنون بعد ان انتهيت من تقديم أوراقي في مقر الكلية الهندسية المؤقت في الوزيرية ومررت على مبنى كلية الفنون القريب من مكان التقديم لأتجول في أرجائها ومشاهدة التماثيل واللوحات وتلك الحدائق التي تقع الكلية في وسطها.. تفاجأت بشيخنا سامي عبد الحميد يلعب كرة الطائرة في ساحتها الرياضية وهو يرتدي الملابس الرياضية وسط طلابه ويردد بصوته الجهور كلمات التشجيع لمواصلة اللعب وكأنه الأصغر عمرا من طلابه!! وسالت شخصا واقفا يتهيأ للدخول إلى الملعب عن كيفية التقديم لهذه الكلية فأرشدني إلى ذلك وأصبح صديقي فورا لاكتشف فيما بعد انه الفنان شفيق المهدي!! كأني دخلت بلاد العجائب .. وهكذا قبلت في الكلية ليدرسنا الشيخ الرائد فن الالقاء ويدعوني للتمثيل في (مسرحية فرمان الوالي) في مسرح الفن الحديث مشاركا في المجاميع ليتحول الدرس النظري في الكلية إلى دروس عملية مع يوسف العاني وقاسم محمد ومحسن العزاوي وعشرات الاسماء التي كنا نطالعها بالدهشة على شاشة التلفزيون العراقي آنذاك.
كنت فخورا أن أقدم أول بحوثي في مهرجان الإذاعة والتلفزيون الذي يقيمه قسم الفنون السمعية والبصرية سنويا بحضور مجموعة كبيرة من الفنانين المصرين المشهورين وأنا اجلس قرب أستاذنا الرائد الذي قدم هو الآخر بحثا عن الفنون البصرية في نفس الجلسة… يا الله انا اجلس في منصة واحدة مع كل تاريخ المسرح العراقي .. المدهش في الامر ان سامي عبد الحميد لم يقبل ان يبدأ هو وقال للجميع يبدأ حسن السوداني طالبنا اللامع!! وكأنه يريد ان يقول للمصريين شاهدوا بأنفسكم كيف نربي أبنائنا!! كنت احلق وأنا القي البحث وكان شيخنا يبتسم منتصرا ومنتشيا.
في بداية التسعينات انضممنا إلى مجموعة مقربة من شيخنا سامي عبد الحميد تضم عبد الكريم السوداني ومظفر الطيب وحقي الشوك وعامر تايه لنقدم ثلاثة اعمل مسرحية هي ( إلى إشعار آخر والكفالة وشكرا لساعي البريد) من تأليف عبد الكريم السوداني وتصميمي وتنفيذي السينوغرافية في مسرحيتي الكفالة والى إشعار آخر) و اشترك بهذه الاعمال الفنان مظفر الطيب و انعام الربيعي والفنانه عواطف ابراهيم والدكتور وليد شامل والفنان حقي الشوك وكنا نصنع النص بإعادة كتابته يوميا .. قدمنا مسرحية إلى إشعار آخر في مبنى منتدى المسرح ولاقت نجاحا مهما ومثل الشخصية الرئيسية الفنان وليد شامل بالتناوب مع الفنان مظفر الطيب وشجعنا ذلك النجاح إلى تقديم عملنا الثاني مسرحية (الكفالة) وأكملنا الترتيبات وتجهزنا للعرض في مسرح الفن الحديث وكثفنا التدريبات في الأسبوع الأخير وأجرينا (الجنرال بروفة) قبل أيام من العرض الذي يتحدث عن معتقل يبحث عن كفيل لإطلاق سراحه ويكلف احد السجانين بالذهاب إلى أهله وأصدقائه لإيجاد الكفيل غير أنهم رفضوا جميعا خوفا من بطش السلطة ليقرر ذلك السجين البقاء في السجن على الخروج منه في مجتمع لا يستحق العيش معه!! أتذكر بعد نهاية البروفة صاح سامي عبد الحميد (ألغو العرض) تجمعنا حوله لكنه كان مصرا وقال بالحرف الواحد : إذا ما أخاف على نفسي لابد أن أخاف عليكم.. شنو احنة مجانين .. انسوا العرض!! وذهب الى بيته وتركنا في حيرة ما بعدها حيرة!! ما الحل يا جماعة؟ قال مظفر الطيب نتركه اليوم يرتاح ونذهب اليه غدا وربك يسهل!!
في اليوم التالي ذهبت انا ومظفر الطيب الى بيت شيخنا سامي عبد الحميد في منطقة الحارثية.. استقبلنا الرجل بمحبة وقدمت لنا الكبيرة فوزية عارف الشاي في صالة الاستقبال وبدأت الحديث مع :
أستاذي ارجو ان تسمعني هذه المرة كأب ولا تقاطعني!
تفضل!
اعرف انك حريص علينا جدا كما نحن حريصون عليك جدا واعرف ان ما قمنا به يعد خطيرا في هذا الوقت المليء بالمتربصين غير ان ما قمنا به هو نتيجة ما درسته لنا من دور المسرح في مواجهة الخطأ وتغييره .. وواصلت الحديث وشيخنا يصغي دون ان تظهر أي تعبيرات على وجهه!! إلى أن وصلت إلى الجملة الأخيرة: أستاذي إذا تعرضت لشئ ستقوم الدنيا فقشرة الموز التي ستطيح بك غير قشرة الموز التي ستطيح بنا!! لم يجبني سوى بجملة واحدة: اشربوا الشاي ولنتوجه للمسرح.. وليكن ما يكون!!
تركت العراق في عام أواخر عام 97 ولم التق بشيخنا سامي عبد الحميد لغاية عام 2009 عندما أرسلت رسالة طويلة للصديق جمال الشاطئ حولها الى مسرحية غربة التي مثلها شيخنا سامي عبد الحميد وشاهدت العرض الذي أخرجه الفنان كريم خنجر وقبلته بين عينيه وهمس في أذني .. أريدك تكتب الجزء الثاني من غربة!! بعدها قدمت شهادة في نص غربة بحضور روادنا الكبار سامي عبد الحميد ومرسل الزيدي وفاضل خليل وعدد كبير من الفنانين وأدار الجلسة الفنان سعد عزيز عبد الصاحب.
سامي عبد الحميد كان وما يزال وسيبقى القمر الذي أنار لي الدرب في غابة الحياة الموحشة.
ملاحظة :الصور التقطها د. حيدر الفتلاوي في اخر زيارة جمعتنا بالراحل الكبير عندما تشرفنا بزيارته انا وزوجتي د. اسيل العامري ود. مظفر الطيب ود. حيدر الفتلاوي نهاية عام 2017