تعريفات ….9……. قناة الميادين
أحمد حسين
كثير ممن انبروا للمنافحة عن قناة الميادين هم ، للأسف الشديد ، ممن لا تطال التزامهم ونزاهة مواقفهم شبهة قولا أو عملا .
واعتراضهم على ما أقدمت عليه عربسات مبرر ومستدعى بكون عربسات محطة فضائية سيئة السمعة بامتياز ، وبكون الخطوة التي أقدمت عليها خطوة مرفوضة مبدئيا . ولكن كرمهم البالغ في تمجيد قناة الميادين على مواقفها القومية والوطنية يثير الأسى ، لكونه اندفاعا يقوم على التعاطف المتسرع مع ما تقوله الميادين عن نفسها .
لن أجادلهم في ما يرغبون قوله ، سأجادلهم فقط في ما يعتقدون أنه الصحيح برهانا ببرهان .
ليس لدي معلومات موثقة عن الميادين سوى ما ما قالته عن نفسها على الشاشة بلسان مديرها من أنها قناة ليبرالية ، وما يقوله مذيعوها عن وسطيتها واعتدالها ، وما تقدمه من خطاب إعلامي شكلا ومضمونا .
وفيما عدا اعترافها العلني بليبراليتها ووسطيتها واعتدالها ، وكأن هذا ليس تهمة بل فضيلة ، فإن ما ما تبقى مما قلته عنها هو تحليل موضوعي لخطابها الإعلامي ، على خلفية الشكل والمضمون واصطياد الأهداف المبطنة.
وهذا النهج في التناول من جانبي هو نهج نظرية الإعلام المعاصر كما تقدمه أكاديميا المرحلة .
فليقدم الإخوة تحفظهم التحليلي على ما أدعي بنفس النهج المشروع ، ويحاولوا إثبات أن ما قلته دائما عن الميادين غير مشروع تحليليا .
لقد صاح أحدهم بأريحية درامية على شاشة الميادين،وهوإعلامي معروف ومقتدر: “والله العظيم أنه لا يوجد قناة كالميادين في أدبها وأخلاقها واحترامها لمن تستضيفهم “. قالها عن قناة إعلامية محترفة وكأنه لا يتوقع ذلك منها .
أقول لهذا السيد الذي أحبه وأحترمه في معظم ما يقول ، أن من يريد تسويق بضاعة مغشوشة باللغة العربية ، هو أحوج الناس للتأدب والنفاق وادعاء الدماثة ، خاصة على خلفية موضوعة أننا نحن العرب نقيّم الناس بملابسهم بمظاهرهم ، ونقيم المذيعات والمذيعين بدماثتهم وأشكالهم ، ونشكر على النفاق ونعتبره تبجيلا .
وبرامجيو الميادين يعرفون هذا جيدا كعرب تدربوا في قناة الجزيرة ، ويعرفون كيف يسقون الفلسطينيين والعرب عموما السم بملعقة بلون الذهب إذا أرادوا.
واريد أن أسأل داعمي الميادين الذين لا أشك في نزاهتهم سؤالا واحدا ولكن مطولا : قناة الميادين قناة ليبرالية بامتياز كما اعترف مديرها بنفسه على الشاشة ، وكما يؤكد توجهها الإعلامي الذي يستضيف نواب الكنيست ” العرب ” وصبيانهم ليستعلم منهم عن وطنية فلسطيني الداخل ، بدل أن يستضيف الفلسطينيين منطقيا ليستعلم منهم عن التحلل القومي والوطني لأولئك المتعاقدين .
وقد بلغ التأنق الخطابي الموجه للميادين حد الخروج عن التأدب العقلي أمام مستميعيها ومشاهديها العرب ، الذين تفحم اطفالهم في حفلات الشواء بالنابالم التي نظمها المحافظون الليبراليون الجدد في لبنان .
لقد أغمي على حواسي وأنا استمع إلى مدير الميادين الليبرالي المعتدل ، وهو يتحدث عن المدمنة كوندليسا رايس ،وهي التي بكت على الطفل الإسرائيلي المفزوع من صوت الصواريخ ، بينما كان اللبنانيون ما زالوا يبحثون تحت الأنقاض في بيروت عن مئات أطفالهم المتفحمين بالنابالم ، ويسميها بخشوع عفوي ، وكأنه يتحدث عن أمه ، “الآنسة رايس” ؟
فكيف يمكن للعقل أن يصدق أن قناة مديرها قاصر إنسانيا ، يمكن أن تكون لبنانية أو عربية أو فلسطينية ؟
الليبرالية كما يعرفها دمنا وتعرفها كونداليسا رايس ، هي إدمان الدم العربي بمبرر مقارنته قيميا بدم آخر ؟
أليس معنى هذا أن الديانة الإستراتيجية لليبرالية هي إيديولجية نفي غيبية مترسخة وجدانيا للوجود العربي ؟ أم أن هذا لم يثبت بعد بكل ألوان الطيف التنكيلي ؟
وهل يوجد أعداء موضوعيين للقومية العربية في هذا الكون ، سوى الليبرالية والهجرية .
فلماذا ستكون قناة الميادين الليبرالية مختلفة في هذا المجال ؟ هل هي مجرد صرعة إعلامية لا هدف لها ؟
إن الليبرالية هي سيدة المذابح العربية المروعة ، من مذبحة العراق التي يفزع منها الفزع ، وحتى ما نراه الآن في معظم الكيانات العربية ، وما يجري في سوريا على وجه الخصوص ؟
فلماذا تختار الميادين وهي القناة ” القومية والوطنية بامتياز ” ، الليبرالية هوية صريحة لها ؟
إذا كانت الميادين مؤيدة للشعب الفلسطيني فمن هو صاحب الفضل في إقامة إسرائيل على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني سوى الغرب الليبرالي ؟
ومن هو الحارس الظلّي والحليف التابع للصهيونية والراعي لتكونات مشروعها الإحلالي المراحلية ، والذي يحرص كل يوم على تأكيد تعهده بضمان أمن إسرائيل التي ليس لها أعداء سوى الشعب الفلسطيني الذي تعتبر أن وجوده يشكل تهديدا وجوديا لها ؟
وهل الصهيومريكية التي تلاحق وتقتل البشر والحجارة في سوريا واليمن ، كما لاحقتهم وقتلتهم في العراق ، هي حركة اشتراكية أم ليبرالية ؟
ومتى أجمع ليبراليو الصهيوروبية والصهيومريكية على إبادة قومية سوى العروبة ، في هذا العالم ؟
كيف إذن على العرب أن يصنفوا الليبرالية والليبراليين وكل ما هو ليبرالي ؟
وكيف تُصنَّف فضائية عربية شعارها التوسط والإعتدال ، في فضاء بشري يُسحق ويُحرق وتُنتهك إنسانيته بحذافيرها ، بدون مبرر ممكن عدا الكراهية الجهنمية للعرب التي وقودها الناس والحجارة ؟
لا جدال في أن القتل في العالم العربي هو قتل ليبرالي خالص ، لا دخل فيه لأي خلاف سياسي أو مذهبي أو مصلحي مع أحد .
فسياسيا نحن غير موجودين ولا ننوي أن نكون موجودين . ولن نستطيع حتى لو أردنا ذلك ، لأن الصهيومريكية الليبرالية حذفت التعامل السياسي مع العرب من أجندتها لإزالة أي فاصل بينها وبين دمهم . ومذهبيا نحن ليس لدينا مذهب محدد أو إيديولوجيا أو دين خاص بنا .
كل شيئ لدينا من الإنسان والبقرة والحقل والشجرة وحتي الوعي مؤمرَك أو مهوّد .
أما المصلحة فهي كائن حي فعليا وليس مجازيا . هي نسخة الوجود الحي ، لها وعيها ومنطقها وبيئتها وحركتها المتغيرة وتطورها الموضوعي .
هي انعكاس غريزة الكائن الحي أو عقل الإنسان على حاجات وجوده . وحتى الآن ليس للعرب مصالح عند أحد خارج حاجات البقاء البيولوجي .
هذه الحاجات يحصل عليها فقراؤهم باستبدالات الطاقة . الخبز بالعرَق أو السرقة أو الكُدية وباقي أنواع الخدمات . أما أغنياؤهم فلهم قصة أخرى . إقطاعيو فلسطين باعو الأرض واشتروا بثمنها خضروات وفواكه مستوردة .
أما مشايخ النفط فتصدقوا ب 79% من عوائده على فقراء أمريكا والغرب ، وبالباقي يدللون أجسادهم بالمتع .
فأي سبب منطقي إذن يمكن أن يدعو الليبرالية لتقتلنا مجانا ، سوى جيناتها السياسية والثقافية والوجدانية الموروثة ، التي تكونت بواقع النفي المتبادل مع هيمنتها ومشروعها الوجودي ؟
وباختصار هل يستطيع عربي أو فلسطيني حقيقي أن يكون ليبراليا أيضا وفي آن واحد ، بدون أن يعادي ذاته ؟ كيف ؟ نحن منصتون لكم فأفهمونا .
في اعتقادي أن العقل العربي المثقف استثنائيا قد يجيد تحليل الظواهر ولكنه لا يعرف شيئا عن وحدتها ، وأنه لا وجود للظاهرة المفردة إلا في التصور فقط .
لذلك يستطيع تناول الليبرالية وورطته مع الذبح كلا على حدة ، ويتعايش مع الليبرالية بمساعدة من الوسطية والإعتدال ، من قدرته الدنيئة والمنحطة على تجاهل حميمية العلاقة بين الليبرالية وموت شعبه ذبحا ، والذي كان يستوجب منه الإرتقاء بشرفه الشكلي كعربي ليبرالي إلى مستوى عاهرة ليبرالية معتدلة على الأقل .
ومع ذلك فكل هذا الكلام ليس له قيمة كبيرة في حالتنا . سيكون له قيمة كبرى إذا انتصرت سوريا بدون تفاوض . وإذا كان لا بد من التفاوض الشكلي ، فبدون اعتدال أو وسطية او استبدال الرئيس الأسد برئيس ليبرالي كما تريد قناة الميادين وعريفها صديق الآنسة رايس ، وعمرو موسى أكبر ليبراليي مصر بعد عادل إمام .
الرئيس ألأسد
هو معلَم قومي أخير . لا يختلف عمن سبقوه باستشهاديته أو التزامه الوجودي . يختلف عنهم بشرط وجوده المصيري في مرحلة الحسم واكتمال الوعي الميداني واشتراطات الفرصة الأخيرة على موقف الإلتزام .
يختلف أيضا عنهم ببيئته الشعبية القومية التي استطاعت على مدى عشرات السنين أن تحتفظ بسقف من الصمود والوعي القومي النسبي المترسخ ،أمام التحالف الهجري الصهيومريكي ضد هويته واستقلال قراره الوطني والقومي النسبي .
وقد تكفل هذا التحالف الأخير بانكشافه وارتفاع سقفه الإقتحامي الهمجي ، وأهدافه الإستراتيجيته المريضة في تغيير واقع الوعي البشري ، في رفع نسبية الصمود السوري إلى مستوى مكافأة التحدي بالمواجهة تحت سقفها القومي والوطني والإنساني في موضوعيته العليا .
وميدانيا قدم الإنسان السوري معجزة التصدي المكافئ لمعجزة التحليق الهمجي التي انتجها تحالف دوليي القوة والشر العالمي ، مع كل انماط السفالة والسقوط والغريزية والخيانة على مستوى مباءات السقوط الفردي والجماعي . لقد شكل هؤلاء جميعا أكبر لوجستية للشر في تاريخ العالم ، ولكن الإنسان السوري العربي استطاع أن يثبت مع جيشه وقيادته النادرة المستوى والإلتزام ، ومع حلفائه الفعليين القليلين ، الذين عرفوا فداحة الخطر الصهيومريكي والصهيوروبي على حقيقته ، وأن المواجهة الدائرة في سوريا هي معركة المصير العالمي ، بأكثر مما هي معركة المصير السوري وحده .
عجز معسكر تحالف الشر الصهيومريكي ، واتباعه من حثالات العالم عن تحقيق أهدافهم ، ولكنهم لم ينهزموا ولم يفقدوا القدرة على المحاولة .
أدركوا فقط ان المعركة لم تعد مع سوريا وحدها ، وأن فرصهم لتحقيق أهدافهم أصبحت أقل وأخطر مما سبق .
وحتى بعد أن قام بوتين بخطوته العظيمة ، فأنهم ازدادوا انكماشا، ولكن بدون أن يسقط في أيديهم .
فما زال لديهم لعبة المفاوضات . والمفاوضات هي الضغط على الجرح السوري النازف ، لإكراه السوريين على إبقاء ثقب صغير في مطلقهم السيادي ليمر منه الحضور الأمريكي الديموقراطي التعددي إلى الساحة السورية ، في جيوب ” المعارضين بقيادة التحرري الليبرالي (الوطني فقط )، الرفيق قدري .. .
ولكن يبدو أن وجود الرئيس السوري في مركز القرار ، سيحول دون هذا التسلل المميت بأي ثمن ، وبأن رفاقه القوميين وجيش الفداء السوري سيقفون معه كالبنيان المرصوص . لذلك فإن أمريكا تستخدم تحفظها من قيادة الرئيس الأسد لتليين موقف القيادة القومية السورية للحصول على الثقب الليبرالي فقط .
إذا حدث هذا فإن ثقب الفأر سيكون معناه تحوله إلى حق أمريكي تفاوضي معترف به دوليا في سوريا . وبذلك سنتمنى لو أن المشهد السوري العظيم كان كله أضغاث أحلام .
والمفاوضات مع المعارضة السورية التي لم تحمل السلاح وحملت الخيانة فقط ، ومع السيدة الصهيومريكية زعيمة المعارضة المعتدلة في سوريا ، ومع داعشيي أوروبا امثال فرنسا وبريطانيا ….
إذا كانت أبعد من مناورات التكتيك المبادلة ، فهي إنذار بالكارثة العربية الأخيرة والمستدامة . وهي لن تحصل ما دام الرئيس الأسد ممسكا بزمام الأمور .
وسوف تكمل لعبة المفاوضات مشهدها التهريجي لتفسح المجال لمشهد آخر أقرب من الحسم .
إن الضرر المعنوي الذي تسببت وتتسبب به نكتة المفاوضات مع أمريكا وطواشييها الدوليين والإقليميين قد حصل . ولكنه ضرر يمكن تلافيه .
على ماذا تقوم طرفية أمريكا فيما يجري في سوريا سوى على العدوان من جانب واحد ؟
هذا يكفي لنفيها من أية علاقة طرفية من جانب المعتدى عليه ، لأن الحوار أو التفاوض معناه التسليم المبدئي بشرعية طرفية مفترضة للعدوان .
سوريا لم تعتدِ على أمريكا ، وليست مسؤولة عن أي ضرر عرضى يحصل للمصالح الأمريكية التي ليست سوريا طرفا متعاقدا فيها .
إذا كان استقلال سوريا أو نهضويتها القومية تضر بمصالح أمريكا من بعيد ، فذلك لأن تلك المصالح السمجة تقوم على مبدأ التناقض مع حقوق الآخرين المشروعة ، بحكم كونها تناقضات ارتدادية محتمة لمشاريع عدوانية يتحمل المسؤولية الكاملة عن إشكالاتها البنيوية .
وأي اعتراف من الطرف الآخر بشرعية هذه الإشكالات ، في التأثيرعلى حقوقه البديهية هو تنازل عن مبدأ الإستقلال وحرية القرار الوطني واعتراف بمبدأ التبعية .
وأمريكا كدولة إمبريالية لا ترضى بأي استقلال غير تابع لا تكون الأولوية فيه لمصالحها .
فعلى ماذا إذن ستفاوض سوريا أمريكا أو حثالة اللبراليين المعارضين بالخيانة ، بعد أن اختارت شرف الرفض بكلفته الدموية والتدميرية العالية التي ألحقتها بها أمريكا ؟
أنا لا أتصور أن من حق أي سوري أن يقبل بوجود سائح أمريكي على أرض سوريا ، فهل يقبل بوجود سفارة أمريكية في دمشق ؟
أم يقبل بثقب فأر في جسد السد السوري سيؤدي إلى تدميره حتما . لا أعتقد ذلك مع وجود القيادة السورية الحالية بقيادة الرئيس الأسد .
أي تنازل سوري ، وفي أية ظروف ، بمقدار قيمة وهمية ، ولكن مسماة ، لأمريكا لا يعني أقل من المخاطرة بالتضحيات الهائلة التي قدمتها سوريا .
فتح أبواب سوريا أمام المعارضة الليبرالية لا يعني سوي التفريط بالحذر .
17/11/2015