تفجيرات باريس..هل من يعتبر؟
نضال حمادة
لم تكن التفجيرات الارهابية التي تعرضت لها العاصمة الفرنسية باريس مفاجئة، للمراقبين والمتابعين للملف السلفي التكفيري، فالمدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة تعج بالاماكن التي تتخذها مجموعات سلفية تكفيرية مراكز للتجمع والصلاة وكل هذا تحت عناوين جمعيات اجتماعية وثقافية.
من مفارقة العلاقة بين فرنسا والتيارات التكفيرية، انها تأسست على تحالف يعود تاريخه الى ثمانينات القرن الماضي، إبان الاحتلال السوفياتي لافغانستان، ومرت هذه العلاقة بفترات توتر وعودة للتحالف، لأكثر من مرة، غير ان احداث الثالث عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، تعد مرحلة مفصلية في هذه العلاقة بسبب حجم الهجمات التي تعرضت لها فرنسا، 7 هجمات انتحارية في يوم واحد، فضلا عن عدد الضحايا والجرحى، ما يجعل من هذا الحدث بداية النهاية للعلاقة بين فرنسا والتيارات التكفيرية على الرغم من المصالح المشتركة بين بعض الساسة الفرنسيين وافراد العائلات الحاكمة في السعودية وقطر.
عملت فرنسا ساركوزي وهولاند بشكل منظم ورسمي مع قطر والسعودية في بداية الحرب على سوريا، على ارسال العناصر التكفيرية الى بلاد الشام، بعدما امتلات بهم شوارع المدن والبلدات الفرنسية، وكانت سياسة فرنسا الرسمية في سوريا تتلخص في جملة واحدة (على الرئيس السوري بشار الأسد الرحيل عن الحكم)، كما حفلت الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية باخبار الدعم اللوجيستي العالي التقنية الذي قدمته فرنسا للجماعات المسلحة، حيث كانت فرنسا اول من زود جبهة النصرة ومجموعات محسوبة سابقا على الجيش الحر بوسائل اتصال حديثة تحدد اماكن تواجد حواجز الجيش السوري وطرق ارتاله، كما زودت فرنسا جبهة النصرة باجهزة رؤية ليلية متقدمة على تلك التي كان يمتلكها الجيش السوري في بداية الحرب، وقد استخدمت النصرة هذه الأجهزة في الهجمات والكمائن التي كانت تقوم بها ضد مواقع الجيش ومراكز الشرطة في سوريا.
أتت تفجيرات باريس الانتحارية مع ما خلفته من خسائر، في وقت بدأت نتائج التدخل العسكري الروسي تظهر على الأرض السورية، انهيارات في صفوف المسلحين في ريفي حلب ودمشق، وتوقف زخم جيش الفتح في إدلب وفقدانه القدرة على الهجوم، أما في فرنسا فيمكن القول أن السياسة الانتحارية للاكثرية الحاكمة، ادت الى هذه الهجمات، في وقت عادت الأصوات الداعية للتعاون مع سوريا وايران وروسيا الى الظهور بقوة في أوساط الساسة والعسكر الفرنسي، ولا يبدو في الأفق أي خيار آخر أمام الرئيس الفرنسي فرانسوا هولند ووزير خارجيته لوران فابيوس، سوى الخضوع لرغبة الاجهزة الامنية الفرنسية، وإعادة فتح القنوات الدبلوماسية والامنية مع سوريا، التي تمتلك اكبر كم من المعلومات عن التنظيمات المتطرفة، خصوصا الجماعات الاوروبية التي اتت الى سوريا والعراق لخوض الجهاد باوامر خليجية غربية.
وفي السياق نفسه، تواجه الاجهزة الامنية الفرنسية معضلات ومصاعب كبيرة، لمعرفة الأهداف المقبلة للخلايا النائمة في فرنسا وبلجيكا وما اكثرها، وتعاني الأجهزة الفرنسية والاوروبية من فقدان أثر معظم الذين ارسلوا الى سوريا والعراق، فالمشايخ الذين افتوا لمئات الشبان بالذهاب الى سوريا للجهاد هناك، والذين اعتمدتهم السلطات الفرنسية وسيلة قيادة وتحكم، فقدوا الاتصال مع كل من وصل الى سوريا والعراق، وأصبح بعض الاوروبيين قيادات وشرعيين في النصرة وداعش، وشعروا انهم أكثر اهمية وفعالية من مشايخهم السابقين في “باريس و اولني سو بوا، ومرسيليا، وليون” وغيرها من المدن والبلدات الفرنسية، وبعض هؤلاء المهاجرين للجهاد في سوريا لم يتأقلم مع العرب والافغان والبلوشن وبقي على عاداته وعقليته الأوروبية، وفضل العودة الى موطنه الأصلي، مشبعا بعقيدة تكفيرية مجرمة، وحاملا خبرات قتاليه عالية، في التفخيخ ونصب الكمائن وخوض حرب العصابات، كما ان هذه الفئة من الناس وبفعل ارتباطها بمافيات السلاح والمخدرات وتهريب المهاجرين، تمتلك القدرة على تأمين السلاح من السوق السوداء، وبهذا تكون مهمة ضرب الامن والاستقرار جمعت كل عوامل نجاحها داخل اوروبا ولم يعد أمام صناع القرار والاجهزة الامنية في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية سوى التواصل مع الدول التي تحارب الإرهاب على ارضها للحصول على المعلومة وضرب التكفيريين الاوروبيين في ساحات الحرب في سوريا والعراق، بعيدا عن أوروبا.
فهل من يعتبر؟
2015-11-18
