الاستهانة بالخصم عيبٌ اجتماعي وخطأٌ سياسي!
اضحوي جفال محمد *
مهما كنت قوياً فأن تستهين بخصمك نوع من الكبر نهانا عنه الله، إضافة إلى انه يخدع صاحبه عن التحسب والاحتياط، لذلك كان الغرور باستمرار يسقط المغرورين سقطات قاتلة. فقال المتنبي:
لا تحقرنّ صغيراََ في مخاصمةٍ
إن البعوضةَ تدمي مقلةَ الأسدِ
تلك مسألة اجتماعية كان البدو على بساطتهم يحذرونها بشدة، ويتجنبون الحط من قدر العدو، بل كثيراً ما كانوا يمدحونه ويثنون على خصاله.
ولأن العرب اليوم تنكروا للكثير من تراثهم بات الاستخفاف بالأعداء ركناً ثباتاً من اركان أدبهم السياسي، وبسبب ذلك تراهم يهزمون باستمرار.
واذا ندع الجانب الاجتماعي ونتحدث عن الدهاء السياسي ندرك ببساطة ان تحقير الخصم يحرمك من زهو الانتصار إذا انتصرت عليه، ويفضحك فضيحة تسير بها الركبان إذا انتصر هو عليك.
والموضوع الذي نمهد له بهذا الشكل هو الصراع السعودي الحوثي، إذ لم يترك الإعلام السعودي صفة انتقاص إلا ووصف بها الحوثيين. فهم في منطوقه شرذمة من المتخلفين الحفاة، يسكنون الكهوف ويتسلحون بالخناجر ويعانون من الجوع، ولا يمثلون اكثر من واحد او اثنين في المئة من الشعب اليمني، فأين هم من السعودية الممتلكة لأحدث ترسانة عسكرية في المنطقة!.
هذا الوصف وترديده باستمرار يجعل الانتصار عليهم لو تحقق لا يختلف عن القبض على عصابة خارجة عن القانون. اما لو انتصروا هم على السعودية العظمى_ لا سمح الله_ ففضيحة كبرى بالمقاييس السعودية قبل مقاييس أعدائها والمتربصين بها.
الحرب السعودية على اليمن تنقسم إلى مرحلتين مختلفتين: الاولى، ومدتها اسبوع واحد، الأسبوع الاول من عاصفة الحزم، وهي المرحلة التي كان فيها ابن سلمان مقتنعاً بقدرته على هزيمتهم عبر القصف الجوي. وجلس مسترخياً ينتظر إعلانهم الاستسلام لمشيئته. والثانية مدتها عشر سنوات، منذ الأسبوع الثاني للعاصفة إلى اليوم، فهي مكابرة امير غر يصعب على نفسه المتغطرسة أن يوقف حرباً عبثية، فاستمر بها لا ليحقق نتيجة وانما ليتجنب القول بأنه لم يحقق نتيجة.
وبينما كان اولئك اليمنيون الحفاة الجياع يصلون الليل بالنهار لتطوير قدراتهم كان هو ينسى الموضوع برمته إلى أن يذكره به مستجد يطرأ فوق تلك الجبال. وكانت الهدنة الطويلة وما اعقبها من انشغال الحوثيين بنصرة فلسطين وحربهم الضارية مع إسرائيل وأمريكا، كل ذلك كان فرصة مثالية لخروجه من اليمن بهدوء، إلا أنه لم يخرج ولم يتجهز لمقتضيات البقاء هناك. وحين وقع الذي لا بد ان يقع وجد نفسه أضيع من قمر الشتاء.
ولكي يسبغ على الفضيحة مسحة درامية أوعز لأتباعه قبيل المعركة المرتقبة بشن حملة انترنيتية واسعة تقول ان دخوله صنعاء بات وشيكاََ وفي غضون ساعات. فرددت ببغاوات كثيرة المعزوفة، واسفرت المواجهة عن فقدانه الساحل الغربي بأكمله، ودرته باب المندب. ففقد عقله الساذج وراح يطلب النجدة من الآخرين دون تمييز. لكنهم جميعاً خيّبوا رجاءه وتركوه يتخبط في ورطته دون معين. ترامب الذي أخذ منه تريليون دولار فور دخوله البيت الأبيض العام الماضي رفض الاستجابة له مرتين في يوم واحد. والحليفان الاسلاميان (تركيا والباكستان) اللذان لم يجف حبر توقيعهما على (حلف مكة) قالا ليست حربنا. واتصل بنتنياهو، عبر الأمريكان كما قالت الصحف الاسرائيلية، طالباً النجدة.. والرد الاسرائيلي معروف مسبقاََ، وهو: طبّع اولاََ ثم هات طلباتك.
يوم كان ابن سلمان يقصف كل شيء فوق ارض اليمن كان يرتكب حماقة سياسية قبل الجرم الاخلاقي. فأخطر ما يكون العدو عندما تريحه من الأشياء التي يحرص عليها، لأنك بذلك تقضي على تردده وتحرر ارادة الفتك في روحه. كما عبّرت عن ذلك عجوز لها ابن وحيد كانت تخاف عليه من غوائل الدهر. وشاء الله ان يموت فلم تعد خائفة على شيء بعده، وقالت:
وكنتُ أخافُ الدهرَ ما كان باقياً
فلما تولى مات خوفي من الدهرِ
ليس لدى الحوثيين الان ما يخافون عليه، فالطيران السعودي دمر كل شيء في بلادهم واصبحوا يقاتلون بلا قيود. اما على الجانب الاخر، داخل السعودية، فكل قذيفة تصيب هدفاً ثميناً. ان الخيارات امام ابن سلمان تضيق، لكنه مرغم على اتخاذ القرار. فحتى عدم فعل شيء هو بحد ذاته قرار خطير له تبعات كثيرة. وسوف نرى ماذا يقرر!!. القرار المفضل لديه ان يقود تحالفاََ من عدة دول ضد الحوثيين، تتحمل السعودية جميع نفقاته مع اموال إضافية للمشاركين. وبهذه الخطة توجه إلى مصر، وقد يزور دولاً اخرى بعدها.. فهل يطاوعه الآخرون فيما يريد؟ هذا ما سنعرفه خلال أيام قلائل.
( اضحوي _ 2440 )
2026-09-16