نهاية الهيمنة الأمريكية!
نشرت مجلة ذا إيكونومست مقالا للكاتب فرانسيس فوكوياما ضمن سلسلة مقالات حول مستقبل القوة الأمريكية، وفى هذا المقال يتحدث فوكوياما عن الاستقطاب فى المجتمع الأمريكى كمفسر لتراجع السياسة والمكانة العالمية للولايات المتحدة… نعرض منه ما يلى:

المشاهد الأليمة للأفغان اليائسين وهم يحاولون الفرار من كابول هذا الأسبوع بعد انهيار حكومة أفغانستان المدعومة من الولايات المتحدة مثلت منعطفا تاريخيا ابتعدت فيه الولايات المتحدة عن العالم. الحقيقة أن انتهاء عصر الولايات المتحدة جاء مبكرا، وأسباب هذا الانحدار داخلية أكثر من كونها خارجية. ستبقى أمريكا قوة عظمى لسنوات عديدة قادمة، ولكن قدرتها على أن تكون دولة مؤثرة يعتمد على نجاحها فى إصلاح مشاكلها الداخلية.

ذروة الهيمنة الأمريكية استمرت لمدة أقل من عشرين عاما، منذ سقوط حائط برلين إلى الأزمة المالية فى 2007 ــ 2009؛ وقتها هيمنت أمريكا على العديد من المجالات؛ عسكرية واقتصادية وسياسية وثقافية. وصلت الغطرسة الأمريكية إلى ذروتها عندما اجتاحت العراق على أمل أن تغير، ليس فقط العراق وأفغانستان، بل الشرق الأوسط بأكمله.

بالغت أمريكا فى تقديرها لكفاءة قوتها العسكرية لإحداث تغيرات سياسية جوهرية، ولم تقدر أهمية نموذجها الاقتصادى الحر فى التأثير على الاقتصاد العالمى. انتهى العقد بتورط القوات الأمريكية فى حربين وأزمة اقتصادية عالمية زادت من حدة عدم المساواة التى أحدثتها العولمة تحت القيادة الأمريكية. فى تلك الفترة كانت الأحادية القطبية قد بدأت فى التراجع، وبدأ العالم فى التحول إلى حالة طبيعية من تعدد الأقطاب مع اكتساب الصين وروسيا والهند وأوروبا ومراكز أخرى فى العالم مزيد من القوى. ولكن، تظل أمريكا تتمتع بالعديد من المزايا الاقتصادية والثقافية التى لا تمتلكها العديد من الدول.

التحدى الأعظم لمكانة الولايات المتحدة العالمية ينبع من الداخل؛ فالاستقطاب فى المجتمع الأمريكى عميق، وأصبح تقريبا من المستحيل الوصول إلى إجماع على أى شىء. هذا الاستقطاب بدأ حول قضايا تقليدية مثل الضرائب والإجهاض، ومنذ ذلك تفاقم إلى صراع حول الهوية الثقافية. مطالبة الجماعات التى تشعر بأنها مهمشة من قبل النخبة بالاعتراف بها هو أمر حددته قبل 30 عاما بأنه كعب أخيل للديمقراطية الحديثة. كان من الطبيعى أن يدفع وجود تهديد خارجى المواطنين للتعاضد من أجل الوصول إلى استجابة مشتركة؛ ولكن أزمة كوفيدــ 19 على العكس أدت إلى تعميق الانقسامات فى المجتمع الأمريكى، مع قواعد التباعد الاجتماعى وارتداء الأقنعة والآن التطعيمات التى ينظر إليها كأداة تخدم أجندات سياسية بدلا من كونها وسيلة للحفاظ على الصحة العامة.

وصلت هذه الصراعات إلى جميع مناحى الحياة، من الرياضة إلى أنواع السلع الاستهلاكية التى يشتريها الأمريكيون الزرق والحمر. حل الجدل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة أنشأت على العبودية أم على الكفاح من أجل الحرية محل الهوية المدنية التى افتخرت بها أمريكا باعتبارها ديمقراطية متعددة الأعراق. هذا الصراع يمتد أيضا إلى جوانب أخرى، مثل الجدل حول انتخابات 2020 إما كونها الأكثر عدلا فى التاريخ الأمريكى أم الأكثر تزويرا وما نتج عنها من رئاسة غير شرعية.

طوال الحرب الباردة وحتى أوائل القرن الحادى والعشرين، كان هناك إجماع قوى من النخبة فى أمريكا حول الحفاظ على موقع قيادى فى السياسة العالمية. أدت الحروب الطاحنة التى لا نهاية لها فى أفغانستان والعراق إلى عدم قدرة الأمريكيين على تحديد أهمية التدخلات الأمريكية من عدمها، ليس فقط فى الأماكن الصعبة مثل الشرق الأوسط، ولكن حول التدخل الدولى بشكل عام.

لقد أثر الاستقطاب فى المجتمع الأمريكى على السياسة الخارجية بشكل مباشر. خلال سنوات حكم أوباما، اتخذ الجمهوريون موقفا متشددا وهاجموا الديمقراطيين بسبب سياسة «إعادة ضبط» روسيا وسذاجتهم فيما يتعلق بالرئيس بوتين. قلب الرئيس السابق دونالد ترامب الطاولة باحتضانه بوتين علنا، واليوم يعتقد معظم الجمهوريين تقريبا أن الديمقراطيين يشكلون تهديدا أكبر من روسيا على أسلوب الحياة الأمريكية. سافر مذيع الأخبار المحافظ، تاكر كارلسون، إلى بودابست للاحتفال برئيس الوزراء المجرى الاستبدادى، فيكتور أوربان فى مشهد أوضح أن ازعاج الليبراليين كان أهم من الدفاع عن القيم الديمقراطية.

هناك إجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين حول الصين، على أنها تشكل تهديدا للقيم الديمقراطية. ولكن الاختبار الأصعب من أفغانستان للسياسة الخارجية الأمريكية سيحدث إذا تعرضت تايوان لهجوم مباشر من الصين. هل ستكون الولايات المتحدة مستعدة للتضحية بأبنائها وبناتها من أجل استقلال تلك الجزيرة؟ أو هل ستخاطر الولايات المتحدة بنزاع عسكرى مع روسيا إذا غزت الأخيرة أوكرانيا؟ هذه أسئلة يصعب الإجابة عليها.

دمر هذا الاستقطاب بالفعل التأثير الأمريكى العالمى، التأثير الذى أسماه العالم الأمريكى جوزيف ناى «القوة الناعمة»، والذى يعنى مدى جاذبية المؤسسات والمجتمع الأمريكى للشعوب حول العالم. تضاءلت الجاذبية الأمريكية، ومن الصعب قول أن المؤسسات الديمقراطية الأمريكية كانت تعمل بشكل جيد فى السنوات الأخيرة، ومن الصعب دعوة أى دولة لتقليد النظام القبلى الأمريكى المختل. السمة المميزة للديمقراطية الناضجة هى القدرة على إجراء عمليات نقل سلمية للسلطة بعد الانتخابات، وهو اختبار فشلت فيه البلاد بشكل هائل فى 6 يناير.

كانت أكبر هزيمة سياسية لإدارة الرئيس جو بايدن خلال الأشهر السبعة التى قضاها فى الحكم هو الفشل فى التخطيط السليم لمنع سقوط أفغانستان السريع، على الرغم من أن قرار الانسحاب كان سليما. آمن الرئيس بايدن أن الانسحاب كان لابد منه حتى تركز أمريكا على مواجهة التحدى الأكبر القادم من روسيا والصين. نتمنى أن ينجح بايدن فى ذلك وألا يفشل مثل أوباما فى التحول نحو آسيا الذى استمر تركيزه على حروب الشرق الأوسط.
على الأغلب لن تسترجع أمريكا هيمنتها، ولا ينبغى لها أن تطمح لذلك. ما يمكن أن تطمح إليه هو الحفاظ على نظام عالمى يحترم القيم الديمقراطية من خلال معرفة غايتها واستعادة شعورها بالهوية الوطنية
دوريات أجنبية
الشروق
‎2021-‎08-‎22