هل استسلمت اليابان بسبب قصفها بالسلاح النووي ؟
د. وسام جواد
مع اقتراب الذكرى الـ81 على الجريمة، التي ارتكبتها الولايات المتحدة بالقاء القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما في 6 آب، وناكازاكي في 9 آب 1945، ومقتل 140 ألف شخص في الإولى و 80 ألف في الثانية، يُحيي اليابانيون ومعهم اًصحاب الضمائر الانسانية الحية، ذكرى الفاجعة، يحذوهم الأمل بعدم تكرارها في أي مكان من هذا العالم غير المستقر بسبب رعونة وحماقة القيادات الأمريكية المتعاقبة وسياساتها العدوانية.
يعتقد الكثيرون، بأن إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي كان السبب في استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، بينما يشير الواقع الى وجود أكثر من سبب، لم يكن أي منها أقل وقعا على اليابان من السلاح النووي :
- ما قبل هيروشيما وناكازاكي
أدى القصف الأمريكي العنيف الى تدمير 67 مدينة يابانية كليا، أو جزئيا في آذار ونيسان 1945. وفي صيف ذلك العام ( 1945)، اقتربت الغارات بالقنابل التقليدية، بل تجاوزت أحيانًا، القوة التدميرية للقنابل الذرية. فعلى سبيل المثال، كان الهجوم على العاصمة طوكيو في 10 مارس/ آذار 1945، الأكثر تدميرًا في تاريخ البشرية، حيث أودى بحياة 120 ألف ياباني بعد أن إلقت 334 قاذفة استراتيجية، أكثر من 1600 قنبلة حارقة، أدت الى تدمير المدينة الى حد بدت فيه بحسب شهود عيان، أشبه بسطح القمر.
أما عواقب الضربة الذرية لهيروشيما وناغازاكي، فبدت أقل وطأة بكثير. إذ إحتلت هيروشيما المرتبة الرابعة من حيث الخسائر البشرية وتدمير الأراضي، والمرتبة السابعة عشرة من حيث الدمار الإجمالي في اليابان. أي أن القصف الأمريكي المتواصل بالقنابل الحارقة ( قنابل عنقودية محشوة بالنابالم ) قد خلف أعدادا من الضحايا والدمار أكثر مما خلفته القنبلتان الذريتان في هيروشيما وناكازاكي.
2- اللجوء الى استخدام السلاح النووي .
مَن سنقصف بالسلاح النووي ؟
في شهر مايو/ أيار1945، تسلّم الرئيس الأمريكي هاري ترومان قائمةً تضمّ عدة مُدن يابانية مُستهدفة بهجوم نووي. فوقع الاختيار على أربع مدن منها، كأهداف رئيسية :
– كيوتو، لكونها مركز صناعي ضخم .
– هيروشيما، باعتبارها ميناء عسكري رئيسي يضمّ مستودعات ذخيرة.
– يوكوهاما، لوجود عدد من المصانع الدفاعية.
– كوكورا لامتلاكها أكبر ترسانة عسكرية في البلاد.
أما مدينة كيوتو الصناعية المستهدفة بشكل رئيسي، فقد نجت من القصف بأعجوبة، لا لأنها مركز صناعي ضخم فقط، بل لكونها موطناً للنخبة الطليعية من اليابانيين في مجالات العلم والتكنولوجية والثقافة. ولو وقع هجوم نووي على هذه المدينة، لحدثت كارثة رهيبة، تؤدي الى تراجع كبير لليابان.
ويعود سبب نجاة المدينة الى تدخل وزير الحرب الأمريكي هنري ستيمسون، الذي عاش وقضى شهر العسل في مدينة كيوتو، التي أعجبته، ولم يرغب بإفساد ذكريات شبابه العزيزة عليه فيها.
وقد ذكر الجنرال ليزلي غروفز، قائد برنامج الأسلحة النووية الأمريكي، أنه أصرّ على قصف كيوتو، لكنه اقتنع بالأهمية التاريخية والثقافية للمدينة، فوافق على استبدال كيوتو بناغازاكي، التي لم تكن أصلا ضمن قائمة المُدن المستهدفة في البداية.
3- دخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان
تعهد الاتحاد السوفيتي بدخول الحرب ضد اليابان في موعد أقصاه ثلاثة أشهر بعد انتهاء الحرب في أوروبا، واضعا للحلفاء شرط استعادة جنوب سخالين، التي تنازل عنها النظام القيصري لليابان عام 1905، وجزر الكوريل، والاعتراف باستقلال جمهورية منغوليا الشعبية، واستئجار ميناء بورت آرثر وخط سكة حديد شرق الصين.
وفي 9 أغسطس 1945 أعلن الاتحاد السوفيتي حربه على اليابان للقضاء على آخر معاقل الحرب العالمية الثانية. واستمرت الحرب 24 يومًا فقط ( 9 آب إلى 2 ايلول 1945) استسلمت بعدها اليابان في 2 سبتمبر لتنتهي بذلك الحرب العالمية الثانية.
يتضح مما سبق، أن اليابان لم تستسلم رغم القصف الأمريكي العنيف لـ 67 مدينة يابانية في ربيع 1945. ولم تستسلم حتى بعد قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية، لكنها اضطرت الى الموافقة على الاستسلام بعد دخول الاتحاد السوفيتي الحرب ضدها في 8 آب 1945، تنفيذا لإتفاق مؤتمر يالطة، الذي نصَّ على فتح السوفيت الجبهة ضد اليابان بعد هزيمة النازية في اوروبا.
وقد أرسل السوفيت أكثر من مليون جندي في اليوم التالي من اعلان الحرب، إلى منشوريا لمواجهة الجيش الياباني الذي لم يصمد أمام الهجوم الناجح والكاسح للجيش السوفيتي، مما اضطر اليابانيون في نهاية شهر أب الى قبول شروط الاستسلام وتوقيعه في 2 أيلول، ليُعلن بعدها رسميا عن نهاية الحرب العالمية الثانية .
موسكو/ 29.07.2026