كلمات هادئة لقضية ساخنة ( القضية الكوردية )
من الدولة القومية إلى الدولة الوطنية
محمـد علـي العامـري
ظلت القضية الكوردية لأكثر من قرن من الزمان محكومة بفرضية سياسية وثقافية تفترض أن الإنتماء العرقي والذاكرة التاريخية المشتركة كفيلان بحد ذاتهما ، بإنتاج مشروع سياسي موحد ، يعبر عن تطلعات الأكراد في الشرق الأوسط . غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة وصدمات الواقع الإقليمي ، أثبتت حقيقة منهجية غائبة وهي ، أن وحدة القومية لا تعني بالضرورة وحدة المشروع السياسي .
لقد أدى التعاطي مع المجتمع الكوردي بإعتباره كتلة صماء إلى التغطية على تعقيدات تتجاوز الشعارات القومية ، فالتشتت الأيديولوجي والإنقسام الداخلي ، وإرتهان القوى السياسية لمعادلات المحاور الإقليمية ، أوجد شروخاً هيكلية جعلت من فكرة ” الدولة القومية الموحدة ” خياراً مأزوماً وعقيماً .. ومن هنا تتأكد الحاجة الفكرية بتفكيك أسباب الشقاق الداخلي ، والإنتقال من منطق الهويات المغلقة إلى طرح أكثر واقعية وعدالة ، يمثله نموذج ” الدولة الوطنية ” القائمة على المواطنة والعدالة الإجتماعية .
أولاً – التمييز بين الهوية والمشروع
• – الهوية القومية : ” مركب ثقافي وتاريخي ولغوي ينشأ نتيجة تراكمات مجتمعية ، ويشكل حالة شعورية تعبر عن خصوصية المكوّن وجذوره “
• المشروع السياسي : ” البناء الأيديولوجي والمؤسسي الذي تطرحه النخب والأحزاب لإدارة السلطة والثروة ، وتحديد العلاقات الجيوسياسية “
إن الإشكال الأساسي في الخطاب القومي الكلاسيكي يكمن في إختزال ” المشروع السياسي ” داخل الهوية القومية ، وإفتراض أن أبناء قومية واحدة يحملون ذات الرؤية للمجتمع والسلطة والإقتصاد .. لكن الواقع يثبت عكس ذلك ، فالفاعل الكوردي في أربيل أو القامشلي أو ديار بكر لا يتحرك ضمن بيئة طبقية أو ظرف تاريخي واحد ، مما يجعل الصراع الكوردي – الكوردي إنعكاساً لتمايز المصالح والأيديولوجيات لا مجرد خلاف تنظيمي عابر .
ثانياً – الدولة الوطنية : ( طرح الكاتب والباحث الكوردي رزگار عقراوي )
أمام إنسداد أفق المشروع القومي التقليدي وتفكيك مقوماته ، يبرز الطرح الماركسي الإنساني الذي يقدمه مفكرون من أبرزهم الباحث الماركسي رزکار عقراوي ، داعياً إلى إعادة تعريف النضال الكوردي عبر الإنتقال من فكرة ” الدولة القومية ” إلى ” الدولة الوطنية ” . ويرتكز هذا الطرح على المبادئ التالية :
1 – تجاوز النموذج الإثني المغلق : حيث أثبتت الدولة القومية في الشرق الأوسط نزوعها التاريخي نحو الشمولية وتهميش الأقليات . والبديل هو دولة مواطنة تتسع لجميع مكوناتها ( عرب ، كورد ، تركمان ، كلدوآشوريين ، وسريان ، وأيزيديين وآخرين ) دون إقصاء أو تهميش .
2 – العدالة الإجتماعية كأساس للمواطنة : تحويل الصراع من شكله العرقي العمودي ، إلى شكل أفقي يركز على حقوق الجميع ، والتوزيع العادل للثروة ، والحريات السياسية ، مما يسمح للكورد ببناء تحالفات عابرة للقوميات مع القوى المدنية والتقدمية في دولهم .
3 – الواقعية الجيوسياسية : يُجنب خيارة الدولة الوطنية الكورد مواجهات مسلحة مع دول الجوار ، إذ يطالب بالحقوق الثقافية والسياسية والإدارية الكاملة ضمن حدود الدول الحالية ، وبضمانات دستورية وحقوقية دولية .
كلمة ليست أخيرة : إن قراءة المسار السياسي الكوردي تؤكد على أن الإنتماء العرقي ليس صيغة سحرية لإلغاء التناقضات الطبقية والأيديولوجية داخل المجتمع الواحد . وإن تفكيك أسباب الشقاق الكوردي لا يهدف إلى التقليل من عدالة المطالب الثقافية والسياسية للأكراد ، بل يسعى إلى إنقاذ هذه المطالب من أوهام الخطاب القومي المغلق .
يمثل البديل الذي يقدمه نموذج ” الدولة الوطنية ” المؤمنة بالعدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان المخرج الأكثر أماناً وواقعية ، فهو يحرر القضية الكوردية من صراعات المحاور الإقليمية ، ويضعها في مسارها الصحيح : مسار النضال الديمقراطي والمجتمعي المشترك ، من أجل دولة المواطنة والكرامة الإنسانية للجميع .
15 آب 2026