التحولات الإقليمية والفرصة المتاحة للشعب الأردني!
جمال الطاهات
بوابة الفرص: تحرك خطوط الاشتباك
كل حروب التاريخ بدأت بخطوط اشتباك، وانتهت بخطوط اشتباك جديدة، بل إن المعارك والاشتباكات كانت تعبير موضوعي عن استحالة تثبيت حدود الاشتباك، في أي حرب. وانتقال خطوط الاشتباك يمثل بوابة الفرص الناتجة عن أي حرب. وحتى قبل الثورة التقنية المعاصرة، فشلت الصين في رسم خط اشتباك نهائي بسورها العظيم، وما هي إلا سنوات، حتى تمكنت المعارك من تجاوز خط الاشتباك المرسوم بالحجر والحديد، وإلغاءه.
فالعمليات العسكرية، بكل مستوياتها، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تعيد رسم خطوط الاشتباك على المستوى الجيو-استراتيجي في كل المنطقة. إذ بالرغم من محدودية النطاق الجغرافي لخطوط النار، إلا أن المجهود العسكري يستنفد كل الممكنات المتاحة (التأثيرات العالمية لمضيق هرمز، الاستخدام المكثف للــ (Cyber Warfare) والحرب الاستخبارية، تزايد فاعلية حروب الوكلاء) مما أدى إلى انهيار كل خطوط الاشتباك التي سبقت الحرب وبدء تشكل خطوط جديدة.
لم تعد القواعد العسكرية الأمريكية علامات لخط اشتباك قابل للإدامة. فهناك استحالة تاريخية لرسم حدود اشتباك دائمة بالحجر والحديد مهما بلغت قوتها وعظمتها. فكما تفكك سور الصين أمام غزوات قبائل وسط آسيا، فإن خط الاشتباك المرسوم بالقواعد الأمريكية يتفكك أمام الطائرات من دون طيار والصواريخ، والتحولات الاجتماعية والسياسية على مستوى الإقليم.
صحيح أن انسحاب القوات الامريكية لا يعني انتهاء تأثير الولايات المتحدة في الإقليم، ولكن التحول في شكل الحضور الأمريكي هو بحد ذاته تحول في البيئة الاستراتيجية، وانتقال لخطوط الاشتباك، وهو مفتاح للكثير من الفرص. ففي كل منظومات علاقات القوى، فإن التحول في الأدوات يصاحبه تحول في شكل الفاعلية والاولويات، وما يمكن مواجهته أو عدم مواجهته. التقنيات المعاصرة والتحركات الشعبية والسياسية أنهت فاعلية القواعد والاولويات السياسية التي كانت تخدمها القواعد العسكرية. والشكل الجديد للحضور الأمريكي لن يكون بمقدوره إعاقة التحولات السياسية لشعوب ومجتمعات المنطقة، او السعي للسيطرة عليها وتشكيلها كما كان في السابق.
انكشاف دفاعات المستبد الفاسد
حين طلب عبد الله الثاني-المستبد الفاسد- حماية القوات الأمريكية، اعتقد أنه يحصل على غطاء أمريكي إسرائيلي يمنحه الفرصة للاستبداد والفساد كيفما شاء ولأجل غير مسمى. ولكن مع تفكك القواعد الأمريكية في الخليج، وانكشاف عدم جدوى إعادة تمركزها في الأردن، بعد تعرض أصولها من معدات وكوادر إلى ضربات موجعة، بالإضافة إلى الحراك الشعبي الذي يطالب بانسحابها، انكشفت قاعدة استقرار حكم المستبد الفاسد وعائلته. فالانسحاب الأمريكي من الأردن مسالة وقت، وهذا يفتح أمام الشعب الأردني فرصة استثنائية عنوانها “ضعف القوة التي اعتمد عليها المستبد الفاسد لتكريس حكمه”. وهذه فرصة تتطلب شرطاً ضرورياً لتوظيفها لمصلحة الشعب الأردني.
استثمار الفرصة بالمشروع الثوري
إن الدرس التاريخي المتواتر هو أن التحولات السياسية والاستراتيجية في علاقات القوى تبقى فرصاً ملقاة على قارعة مسار التاريخ حتى يتم استثمارها. إن قدرة الحركات السياسية الشعبية والأطراف الفاعلة على توظيف الفرص التي تتيحها تحولات علاقات القوى، تعيد تشكيل مشهد التحولات نفسها، وتمنحها المعنى، كما تمنح هذه التحولات زخماً استثنائيا.
وجود جيش التحرير الصيني بقيادة ماو تسي تونغ في نهاية الحرب العالمية الثانية، هو الذي مكنه من استثمار هزيمة اليابان وتحقيق مكتسبات هائلة بزمن قياسي، وتعديل موازين القوى بشكل حاسم مع حكومة الكومنتانغ في بكين. الفرصة المتعلقة بانسحاب القوات الأمريكية من الأردن، لن تتحول إلى مكسب للشعب الأردني بشكل تلقائي. فهذا الانسحاب يجب أن يتم توظيفه بشكل فعال، بمشروع ثوري مناسب يمكّن الشعب الأردني من التخلص من الاستبداد والفساد، واستعادة السلطة والموارد لبناء دولته الحقيقية التي تعبر عن وجدانه وتخدم مصالحه.
والمشروع الثوري يتألف من ركنين متلازمين: حركة ثورية تستند إلى برنامج ثوري واضح. فالحركة الثورية دون برنامج ثوري تمرد فوضوي، كما أن البرنامج الثوري دون حركة ثورية هو عبارة عن نصوص ميتة. فالمشروع الثوري يتشكل وينتصر حين تتكامل الفكرة والساعد.
فالمشروع الثوري أكبر بكثير من خطة اسقاط النظام، كما أنه ليس مجرد خطة تسريع انسحاب القوات الأمريكية من الأردن، أو محاولة ادعاء فضل سحبها من الأردن، المشروع الثوري هو الإطار الذي يقدم الإجابة على أسئلة اليوم التالي لسقوط المستبد الفاسد وعائلته، ويمكّن النخب الحية للشعب الأردني من تطوير استجابات عملية للتعاطي مع الفرصة واستثمارها لبناء الدولة الحقيقية التي تضمن استقلال الضمير المهني لمؤسسات الدولة.
والحركة الثورية التي لم تنشأ خلال العقود الماضية لا يمكنها أن تنشأ وتنجح وتحقق الانتصارات التاريخية خلال أسابيع. توحيد الفكرة والساعد، واندماجهما بمشروع ثوري عملية تاريخية عضوية تحتاج إلى وقت، مؤثث بالتجارب المشتركة والمستخلصات الواضحة. والتأخير في تشكيل الحركة الثورية لحين تبلور الفرصة هو أقصر طريق لإضاعتها. الحركة الثورية يجب أن تكون الآن موجودة وقادرة على تبين الفرصة وتوضيحها لشعبنا، والعمل على استثمارها ببرنامج ثوري واضح. فالحركات الثورية توجد قبل الفرص وتستثمرها ولا تنشأ على هوامشها.
أخيراً،،
إن حركة الجمهورية الأردنية، والشبكة الاجتماعية—السياسية داخل الأردن وخارجه التي أنتجتها، يتحملان عبئ بلورة المشروع الثوري الأردني، ليس فقط من خلال تبني المطالبة بإخراج القوات الأجنبية من الأردن واسقاط حكم المستبد الفاسد وإنشاء الجمهورية الأردنية، بل وبتقديم الإجابات الواضحة لأسئلة اليوم التالي، والبدء بتشكيل البرامج العملية لمؤسسات الدولة المختلفة لبدء تشييد الدولة الحقيقية بعد استرداد السلطة والموارد.
2026-07-31