مغربيات يكسرن احتكار الرجال ويقتحمن عالم الإخراج!
رضا الأعرجي ـ *
ــــــــــــــــــــــــــــ
يشهد المغرب حركة سينمائية نشطة تعبر عنها مهرجانات السينما التي يتزايد عددها حتى أصبح للكثير من المدن المغربية مهرجاناتها الخاصة، إلى جانب استقطاب كبار المنتجين والسينمائيين العالميين بفضل ستديوهات “ورزازات” التي جعلت من هذه المدينة الصحراوية القابعة في أقصى الجنوب “هوليود أفريقيا”.
وقد تضاعف عدد الأفلام الروائية الطويلة منذ 1998 كل عام، عدا عشرات الأفلام الروائية القصيرة والوثائقية والأفلام التلفزيونية، نتيجة الدعم المادي الذي تقدمه الدولة للسينما ورفعها للكثير من القيود والحواجز وما يعيق عجلة الإنتاج السينمائي من الدوران.
وسط هذه الحركة، ظهر جيل جديد من المنتجين والسينمائيين المغاربة ممن أغرتهم المغامرة، بعد أن تشبعوا بدراسة السينما والغوص في أسرارها، وكان حضور المرأة لافتاً وهي تقتحم عالم الإخراج الذي ظل حكراً على الرجال، وتحقق ما لم يتمكن من تحقيقه مخرجون متمرسون على مدى عمر السينما المغربية.
كانت فريدة بورقية أول امرأة مغربية تقف وراء الكاميرا وتخوض تجربة الإخراج عام 1982 بفيلم “الجمرة” بعدما أنهت دراسة السينما في الاتحاد السوفيتي السابق، تلتها فريدة بليزيد التي بدأت مشوارها السينمائي ككاتبة سيناريو فأخرجت في 1987 فيلم “باب السماء مفتوح”، غير أن لائحة المخرجات المغربيات اليوم اتسعت بشكل مثير، فهناك ياسمين قصاري، نرجس النجار، فاطمة الجبلي الوزاني، إيمان المصباحي، ليلى المراكشي، بشرى إيجورك، ليلى التريكي، إيزة جنيني، إيمان اضوايو، سلمى بركاش، فاطمة بوبكدي، رشيدة سعدي، طالا حديد، جيهان النجار، نزهة القرقوري ومخرجات أخريات.
وإذا كان بعض المخرجين والنقاد المغاربة يشككون في القيمة الفنية لسينما المرأة المخرجة، فان هناك من يرى أنها الأقدر على معالجة موضوعات لا يستطيع أن يعالجها مخرجون بنفس الصدق والحس الجمالي والحساسية والرؤية الأنثوية.
ولكن ماذا تقول المخرجات المغربيات عن حضورهن اللافت في المشهد السينمائي المغربي؟ وهل استطعن وضع بصمتهن الخاصة على السينما المغربية؟ وقبل ذلك، ما هو الجديد في أساليب وطرق اشتغال المرأة المخرجة؟
ثيمة المرأة
ـــــــــــ
تقول فريدة بليزيد التي تعد حتى الآن الأغزر إنتاجا بين المخرجات المغربيات في مجال الفيلم الروائي الطويل:”لا شك أن حضور المراة المخرجة أصبح ظاهرة عرفت بعض التنامي في الآونة الأخيرة رغم أن السينما صناعة ضخمة وكثيرة المشاكل، إضافة إلى ما تتطلبه من تدريب وبحث وصبر ومغامرة، الأمر الذي لا يشجع الكثيرات على دخول الميدان والصبر على مشاكله، ومع ذلك لا اشك في أن هناك كفاءات نسائية تنتظر الفرصة المواتية لاقتحام الميدان.
وفي رأيي إن الإبداع هو الأساس في العمل السينمائي سواء أكان المبدع رجلا أو امرأة، كما يجب أن يتحلى من يقف وراء الكاميرا بروح المغامرة. هذا هو جوهر السينما قد ننجح أو نفشل، ولكن يجب أن نكتسب الإيمان بضرورة التحدي. وعلى كل حال، لدي يقين كبير إن دخول المخرجات ميدان السينما سوف يساعد على انتشار الفن السينمائي والوصول بالأفلام إلى الجمهور العريض.
وبالنسبة لي ككاتبة سيناريو أولا ليس لدي طريقة معينة للاشتغال، يظل موضوع المرأة محور ثيمات كل السيناريوهات، فهي دائما الشخصية المركزية. أنا امرأة لذا يجب أن أتكلم عن المرأة فلماذا أتطفل على موضوع آخر لا اشعر به؟ أريد أن أعطي وجهة نظري فيما أعيشة واعرفه. إنها ثقافتي في الحقيقة. صحيح إنني تلقيت تعليمي داخل مؤسسة فرنسية، لكن تربيت بعمق حسب طبيعة البيت المغربي. أي إن عالمي أصلا هو عالم نسائي، وهو عالم أكثر النساء العربيات.
لقد عشت قضية المرأة منذ طفولتي المبكرة، إذ كنت دائما أرى عالمها عالما مغلقا، ولم يكن من السهل أن أفك خيوط اللعبة المنسوجة بمهارة منذ عصور ضاربة في القدم، غير أن ما أردت أن الفت إليه الانتباه في أفلامي هو ضرورة الانتباه إلى قوتها ومركزها في العالم، ومن هنا كان تركيزي دائما على الجوانب الفكرية والروحية عند المرأة، والابتعاد ما أمكن عن توظيف الجسد في اللعبة الفنية للبرهنة على المهارات الإنسانية والسمو بها إلى أسمى المراتب”.
منظور اجتماعي
ــــــــــــــ
وتشارك المخرجة ليلى التريكي زميلتها بليزيد الاهتمام بالمرأة ولكن من زاوية اجتماعية بعد عبورها مرحلة تميزت بالنزوع إلى التجريب، وتقول:”حاولت في التجربة الجديدة الاقتراب من الهامش الاجتماعي الغني بالظواهر، وإثارة الانتباه لشخصيات مهمشة هي حاضرة كجزء من المشهد اليومي العام، لكن رغم حضورها هذا هناك لامبالاة تجاهها. وكان وراء هذا الاختيار أني أردت للمشاهد أن يعايش هؤلاء المهمشين ويتقمص شخصيتهم للحظة من الزمن تعكس حقيقة ما يعيشون ومما يعانون، لذلك كان لابد أن يتم ذلك بهدوء ودون ضجيج.
كل تجربة جديدة هي تجربة إبداعية تغنيني تقنيا ومن ناحية التعامل مع أنواع من الممثلين. وكل خطوة أخطوها بمثابة البداية من نقطة الصفر. والتنويع عموما يكسب المخرج أسرار العمل الفني ويجعله يمتلك مختلف مفاتيحه. طريقة مقاربة فيلم ملحمي والتعامل مع عدد كبير من الممثلين والكومبارس ونوعية الديكور المختار والملابس كل هذا يختلف كليا عن أسلوب معالجة فيلم بوليسي يضم عددا محدودا من الممثلين ويتميز بإيقاع خاص في المونتاج وكل هدفه اجتذاب وتشويق المشاهد.
أكره التصنيفات والقوالب الجاهزة، لأني أحب الاشتغال بحرية دون خلفيات مسبقة معينة، ودون أو يتم تصنيفي مخرجة نسائية، فالإبداع بالنسبة لي لا يتخندق أو ينحصر ضمن تيار أو توجه كيفما كان نوعه. ومع ذلك، لا أمتنع في التطرق إلى وضعية المرأة ومشاكلها في إطار موضوعات اجتماعية عامة تهم مكونات المجتمع جميعها. ثم، إنني لا أعتقد بوجود رؤية خاصة بالنساء وأخرى بالرجال في السينما”.
تكامل لا صراع
ــــــــــــــــ
أما المخرجة إيمان المصباحي التي درست الإخراج في مصر فتقول: ” عندما بدأت الإخراج كان هذا المجال حكرا على الرجل، وكانت صورة المرأة ونظرة الرجل للمرأة في بعض الأفلام المغربية تستفزني. من هنا جاءتني الرغبة لتناول موضوعة المرأة في أفلامي، فميولي إذن لهذا الموضوع كانت طبيعية وليست بهدف الرد، فالقضايا التي تناولتها أفلامي تهم الرجل والمرأة معا ولكن من خلال رؤية المرأة لها.
كانت لدي طموحات كبيرة، وكنت أحلم، كما حلم بعض زملائي، بسينما جديدة ومختلفة تلقيناها على يد مجموعة من المخرجين الكبار كصلاح أبو سيف ويوسف شاهين وتوفيق صالح. نفس الفترة التي كنت أدرس فيها كانت هناك موجة جديدة في السينما المصرية ينادى بها مجموعة من المخرجين الشباب آنذاك، مثل عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة وغيرهم.
كنت أول طالبة مغربية تدرس السينما في مصر، وخلقت هذه الدراسة عندي توجها نحو الثقافة العربية، والانفتاح على فكر جديد ونظرة جديدة للمجتمع المصري والعربي، وبعدما درست علم النفس أصبحت لدي رؤية خاصة للسينما وللدور الذي ينبغي أن تلعبه كأداة لتثقيف الشعوب والارتقاء بذوق المتفرج. من هنا كان توجهي هو خلق سينما تخدم المتفرج، وليس سينما تسليه فقط.
شاءت الظروف أن يكون أول أعمالي “امرأة في دوامة الحياة”، لكنني لست متعصبة للمرأة، ففي النهاية، الرجل والمرأة في معترك الحياة يعيشان نفس المشاكل، ويتواصلان بنفس الطريقة مع بعضهما، فالعلاقة بينهما ليس بالضرورة أن يكون فيها صراع، فهي علاقة تكامل”.
الحرية أولا
ـــــــــــ
وتكشف المخرجة المثيرة للجدل نرجس النجار ان هاجسها الأول هو الحرية وتقول: “إنني أدافع بالأساس عن حرية الوجود، كما أحلم بعالم أفضل، رغم إنني أعي أن عالما كهذا غير موجود، لكن السينما تمنحني فرصة تصوره.
إن المغرب ليس أحسن بلد في العالم لكنه بلدي وأريده بلدا حرا، وقد وضعت على لسان إحدى بطلات فيلمي “انهض يا مغرب” مفهومي الخاص للحرية، ودعوت كل المغاربة للمقاومة من أجل مساحة الحرية، فإذا كان المغرب يتقدم، فعليه أولا أن يؤمن بضرورة التقدم.
إنني أنتمي لمدرسة سينمائية تحكي بالصورة، وتعتبر صمت الممثلين أحيانا خير معبر عن رسائل قد تعجز الكلمات عن إيصالها، ومثالي دائما السينما الإيرانية التي تعمد إلى الصورة لتراوغ الرقابة حتى تتمكن من تمرير خطابها وتقديم أفكارها بطرق غير مباشرة
https://www.facebook.com/share/p/nTPv4wGyjKvBhrMr
الرباط
2024-06-15