ماذا بعد انتهاء مذكرة التفاهم؟
سعادة مصطفى أرشيد*
في 17 حزيران الماضي، وإثر وساطة باكستانية وجهود قطرية وتركية، توصّلت كلّ من طهران وواشنطن إلى توقيع مذكرة تفاهم لوقف الأعمال العسكرية والشروع في مفاوضات لوضع حلول للملفات العالقة التي يفترض أن الحرب قد اشتعلت بسببها. وتضمّنت المذكرة 14 بنداً، وفي مقدّمتها رفع العقوبات المفروضة على إيران، والإفراج عن الأصول المالية الإيرانية المجمدة، وإنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب في إيران، وبحث الملف الشائك الأساسي؛ أيّ الملف النووي الإيراني. مدة سريان هذا الاتفاق شهران انتهت يوم أمس الاثنين دون أن يُنفذ شيء مما اتفق عليه، باستثناء الوقف المتقطع للأعمال العسكرية وتصعيد الحصار البحري على الجمهورية الإسلامية، الأمر الذي ردت عليه طهران بالسيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه أمام الملاحة.
حتى وقت كتابة هذا المقال، لم يصدر أيّ بيان رسمي سواء من طهران أو من واشنطن يتحدث عن تجديد مذكرة التفاهم، فيما صدرت تصريحات إيرانية، منها ما قاله وزير الخارجية عباس عراقجي إن المذكرة نصّت على إنهاء الحرب لا على هدنة 60 يوماً، ولكن واشنطن هي من خرق الاتفاق، وأكد أنّ بلاده لم تتخذ قراراً حتى الآن بشأن استئناف المفاوضات مع واشنطن، فالمطلوب هو أن تنفذ الولايات المتحدة التزاماتها الموقعة وفق جدول زمني دقيق. أما قائد الجيش الإيراني فقال إنّ بلاده تملك ورقة جيو ـ سياسية بالغة القوة وهي ورقة مضيق هرمز، وأنها لن تتخلى عن هذه الورقة.
في لبنان، الذي يعاني من لهيب النار “الإسرائيلية” والذي هو جزء أصيل من مذكرة التفاهم، بقي على حاله جبهة مشتعلة، ولم ترَ الإدارة الأميركية أنّ عليها ممارسة الضغط لإلزام تل أبيب بوقف حربها على لبنان وهي قادرة على ذلك لو أرادت، فيما “الإسرائيلي” حكومة ومعارضة على قلب رجل واحد تجاه رفض الانسحاب من الجنوب اللبناني، ويمارس ضغطاً مزدوجاً مع الإدارة الأميركية لدفع دمشق لفتح جبهة جديدة ضد المقاومة اللبنانية.
وفي حين صعّدت واشنطن حصارها البحري وتحدثت عن إمكانية محاصرة إيران برياً، إلا أنّ إيران بفرض سيطرتها على المضيق أصبحت هي مَن يحاصر العالم بأسره من خلال التحكم بسلاسل توريد النفط. وهنا نلاحظ أنّ كلاً من طهران وواشنطن كانتا تعرفان مآلات مذكرة التفاهم هذه، فلا تزال الفجوة واسعة بين ما يريده الأميركي وما يقبل به الإيراني، ولكن المذكرة كانت فاصلاً زمنياً ضرورياً للبلدين لإعادة الحسابات وإعادة التموضع بانتظار جولة جديدة من المواجهة قد تختلف بالشكل، ولكنها تتفق بالمضمون، ويراها العقل الإيراني على النحو الآتي:
أولاً: إنّ الهدف الأميركي الأكثر إلحاحاً قد أصبح الآن فتح مضيق هرمز أمام الملاحة كما كان سابقاً، وأنّ إيران التي تدرك أهمية هذه الورقة لن تفتح المضيق المغلق إلا بالثمن الذي يناسبها، أما فتح المضيق عنوة وبالقوة فلا يمكن أن يتمّ إلا في حال تمّ إسقاط النظام أو الحرب البرية بالغة الكلفة وغير مضمونة النتائج.
ثانياً: إنّ واشنطن أمام تجربتها في الأشهر الماضية قد تبقي على حدود الاشتباك كما هي الآن، دون التورّط في هجمات واسعة، وستعمد للعمل على استراتيجية مزدوجة تقوم على مسألتين: الأولى تخريب الجبهة الداخلية، والثانية تشديد الحصار، وهو ما دفع إيران للاستفادة من الـ60 يوماً برفع مخزوناتها من السلع الأساسية استعداداً لذلك.
ثالثاً: ضربات عسكرية أميركية مكثفة على أهداف حيوية في إيران تقابلها ضربات إيرانية تستهدف القواعد الأميركية في الجوار الإيراني وقد تطال دولة الاحتلال، ولكن دون الوصول إلى مرحلة الحرب المفتوحة.
رابعاً: استمرار الوضع الراهن مع عودة الجهود الباكستانية المدعومة من قطر والسعودية وتركيا، وذلك لفترة من الزمن قد تصل إلى نهاية العام، ولكن ستشكل فرصة جديدة لكلا البلدين لإعادة التموضع بانتظار جولات قتال لاحقة.
خلاصة القول إنّ هذه الحرب التي طال انتظارها هي حرب عالمية بامتياز وقد جاءت على طريقة «لا بدّ مما ليس منه بدّ»، وهي لن تنتهي إلا بنتائج حاسمة تحدّد شكل الإقليم الذي أخذ شكله الحالي قبل قرن ونيّف منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والاتفاقيات التي تقاسم بموجبها المنتصرون الجثة العثمانية. فالحرب طويلة ونحن بانتظار جولات مقبلة وضارية، ولا يملك أثناء ذلك اللبناني أو الفلسطيني إلا احتمال قسوة العدوان عليه بالصبر والانتظار…
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-08-19