كييف تنهار..!

بقلم تييري ميسان…
أنهى القتال الجدال، حاملاً موعد الحقيقة، الّتي نطقت بوضوح: لقد فشل الهجوم الأوكراني المُضاد بشكلٍ ذريع. لم يغيّر التسليح الغربي أي شيء على أرض المعركة التي تناثرت فيها الجُثث… من أجل لا شيء. ستبقى المناطق التي انضمّت بموجب الإستفتاء إلى روسيا الإتحادية متّحدة معها.
لا تنهي هذه الهزيمة الساحقة اوكرانيا كما نعرفها فحسب، بل ومعها الهيمنة الغربية التي راهنت على أكاذيبها.
سيكون من الممكن للعالم المتعدد الأقطاب أن يُخلق في هذا الصيف، بواسطة العديد من القمم الدولية. ستولد طريقة تفكير جديدة، لا يكون فيها من شأن القوة أن تكتب القوانين.
لم تستعن روسيا بأيٍّ من أسلحتها الجديدة، باستثناء الصواريخ الفرط صوتية و منظومة التشويش على عناصر تحكّم الأسلحة
تتقاذف هيئات الأركان الأمريكية، الأطلسية، والأوكرانية، مسؤولية هذه الكارثة التاريخية. قُتِل مئات الآلاف من البشر وهُدِر ٥٠٠ مليار دولار من أجل لا شيء. أمّا الجيوش الغربية، التي كانت تُرعب العالم في تسعينيّات القرن الماضي، فلم تعد لها قيمة أمام ترسانة روسيا اليوم.
لقد تغيّرت موازين القوى.
من الآن، تفرض خلاصتان نفسَيهما:
لا يجب الخلط بين الجيش الأوكراني و”القوميّين الشموليّين”
إذا كان لم يعد هنالك جيش أوكراني قادر على خوض الحروب ذات الوتيرة العالية، فإنّ قوات “القوميين الشموليّين” (الملقّبين أحياناً “بنديريّين” أو “أوكرو-نازيّين”) لا تزال هنا. لكنّ هذه القوّات ليست مدرّبة إلّا على خوض الحروب ذات الوتيرة المُنخفضة. قاتل قادتها خلال أواخر التسعينيات في الشيشان، لصالح وكالة الإستخبارات المركزية وأجهزة الناتو السّرّية، وأحياناً في سوريا في الأعوام الثلاثة الأخيرة. إختصاص هذه القوات هو الإغتيالات، التخريب، والمجازر بحقّ المدنيّين، ولا شيء أكثر من ذلك.
تماماً مثلما كانت الحال عليه خلال الحربين العالميّتين والحرب الباردة، أظهرت قوات القوميّين الشموليّين قدراتها الإرهابية، لكنّها لم تلعب أيّ دورٍ حاسمٍ على أرض المعركة.
أكثر من أي وقتٍ مضى، يجب التمييز بين الأوكرانيين، العسكريين، الّذين ظنّوا أنهم يحمون شعبهم، و”القوميين الشموليين” [1] ، الّذين لا يكترثون لأبناء وطنهم على الإطلاق، ويبحثون منذ قرنٍ من الزمان عن إبادة الروس وثقافتهم.
أوكرانيا كما نعرفها ماتت
حتّى اليوم، كانت أوكرانيا قبل كلّ شيء قوّةً في دعاية. تمكّنت كييف من حمل الكثيرين على الإعتقاد بأن انقلاب ٢٠١٤ الذي أطاح برئيسٍ منتخب ديموقراطياً لصالح قوميّين شموليّين كان ثورة حقيقية. كذلك، تمكّنت كييف من حمل الكثيرين على نسيان كيف قامت بقمع مواطنيها في الدونباس، مانعةً عنهم الخدمات العامة، المعاشات عن الموظّفين، والتعويضات عن المُسنّين، وصولاً إلى قصف مدنهم. أخيراً، تمكّنت كييف من قلب الوقائع رأساً على عقب، مُقنعةً الغربيين بأن أوكرانيا هي دولة ذات طيفٍ واحد وأنّ فيها شعب واحد فقط يتشارك تاريخاً واحداً.
مثل معظم الحروب، يوجد في أوكرانيا عنصر “حرب أهلية” [2]. اليوم، يمكن لكلّ فردٍ أن يرى بأنّه وخلافاً لِما زُعِم، كان التحليل الذي نشره فلاديمير بوتين حقيقةً واقعية، وليس إعادة كتابة للتاريخ. شعب الدونباس روسيٌ بشكلٍ عميق، شعب نوفوروسيا (بما يشمل القرم) يحمل ثقافةً روسيةً، لكنه ينحدر من تاريخٍ مختلف (لأنه لم يعرف الإسترقاق يوماً). لم تكن اوكرانية دولة مستقلّة في أيّة فترة تاريخية، باستثناء ما مجموعه حوالي عقد من الزمن خلال فترتَي ١٩١٧-١٩٢٢ و ١٩٤١-١٩٤٥، بالإضافة إلى ثلاثة عقود أخرى، منذ ١٩٩١.
خلال هذه التجارب الثلاث، لم تتوقّف كييف عن محاولة تطهير شعبها وارتكاب المجازر بحقّ مواطنيها في كلّ مرّةٍ وصل فيها القوميون الشموليون إلى السلطة (١٩١٧-١٩٢٢ مع سيمون بيتليورا، ١٩٤١-١٩٤٥ مع ستيبان بنديرا، و٢٠١٤-٢٠٢٢ مع بيترو بوروشينكو وفولوديمير زلنسكي). خلال قرنٍ من الزمان، إرتفعت حصيلة “القوميّين الشموليّين” – هكذا يسمّون أنفسهم- إلى أكثر من ٣ مليون شخص من مواطنيهم.
خلال الحرب العالمية الأولى، كان سكّان نوفوروسيا قد انتفضوا خلف الأناركي نيستور ماخنو؛ خلال الحرب العالمية الثانية، إنتفض سكّان الدونباس ونوفوروسيا بصفتهم سوفيات؛ هذه المرّة، يحارب سكّان نوفوروسيا والدونباس ضد “قوميّي” كييف “الشّموليّين” إلى جانب القوات الروسية. هذا ما قامت به العمليات العسكرية الراهنة: إختارت المناطق المُحرّرة من قِبل الروس بواسطة الإستفتاء أن تنضمّ إلى روسيا الإتحادية. يبقى أنّ التقدم الروسي في العام السابق عُلّق من قِبل الرئيس فلاديمير بوتين ضمن إطار المفاوضات مع كييف في بيلاروس، ثمّ في تركيا. ما زالت أوديسا أوكرانية قانوناً، وروسيّة ثقافيّاً. كذلك، ما زات ترانسنيستريا مولدوفيّة قانوناً، لكنّها روسيّة ثقافيّاً.
2023-08-29