أى إيران بعد اليوم التالى؟
د. محمد السعيد إدريس
منذ إعلان اتفاق الهدنة المؤقتة بين إيران والولايات المتحدة، ولمدة أسبوعين فى الثامن من أبريل الحالى، والسؤال الذى يشغل الكثيرين، مع اقتراب موعد انتهاء هذه الهدنة، ومع تفاقم المواجهة بالتهديدات بين الولايات المتحدة وإيران فى مضيق هرمز وحوله، كثرت التساؤلات التى يتقدمها سؤال الحرب والسلام: هل سيحدث تمديد للهدنة مع توجه أمريكى – إيرانى لجولة مفاوضات ثانية، أم أن التفاوض بات خارج سياق تطور الأحداث، وأن استنتاجات مجلس الأمن القومى الروسى هى الأقرب إلى الواقع.
فقد حذر هذا المجلس (14/4/2026) من أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان المفاوضات السلمية مع إيران للتحضير لعملية برية ضد إيران، حيث يواصل البنتاجون تعزيز تجمعاته العسكرية فى المنطقة؟ سؤال التشكيك فى النوايا الأمريكية والإسرائيلية نحو إيران له ما يؤكده وما يبرره، فالدولتان شنتا عدوانًا عسكريًا مدبرًا ضد إيران. والدولتان أعلنتا أنهما تهدفان إلى إسقاط النظام والقضاء، ونهائيًا، على كل مقدرات القوة الإيرانية النووية والصاروخية والعسكرية والاقتصادية والنفطية، بل إن الرئيس الأمريكى هدد بإرجاع إيران إلى العصر الحجرى، ثم هدد بـ «محو الحضارة الإيرانية من على الوجود».
أما بنيامين نيتانياهو الذى دبر وخطط لهذا العدوان، وصاغ أهدافه، أخذ فى الأسابيع الأخيرة يسعى إلى الحيلولة دون انتهاء الحرب قبل أن تحقق الأهداف، وعمل وحكومته وحلفاؤه على إفشال جولة المفاوضات الأولى الأمريكية – الإيرانية فى إسلام آباد، ودبر اعتداءات وحشية ضد لبنان مع بدء تلك المفاوضات، ليدفع المفاوض الإيرانى إلى إنهائها مبكرًا. لكن نيتانياهو تجاوز ذلك وأخذ بالتساؤلات إلى منعطف آخر تمامًا غير سؤال الحرب والسلام هو سؤال: ماذا بعد الحرب؟ فقد بادر نيتانياهو بطرح ما سماه «أفكارا استراتيجية لترتيبات ما بعد الحرب» وكلها ترتكز على فرضية أن «إيران ستخرج من هذه الحرب منكسرة، وستضطر للانزواء الإقليمى لسنوات» أى أن إسرائيل ستنشط إقليميًا دون معاكسة إيرانية.
سؤال اليوم التالى بالنسبة لإيران لم يعد يقتصر على إسرائيل، بل هو متسع أمريكيًا وأوروبيًا بل وعالميًا، وعلى الأخص عربيًا. كيف ستكون إيران بعد الحرب؟ ما هى السيناريوهات المحتملة؟ وماذا عن آفاق التغيير فى إيران؟ سوزان مالونى نائبة رئيس مركز «بروكنجز» الأمريكى وأبرز الباحثين الأمريكيين فى الشئون الدولية حاولت الإجابة عن السؤال من منطلق طرح المقدمات كمدخل للإجابات. لكن أهم ملاحظاتها قولها: «يبدو أننا نعيش (لحظة السويس) فى بعض النواحى». فى إشارة مهمة وذات دلالة أننا أمام احتمال معايشة حدث جلل هو: سقوط إمبراطورية كبيرة هى «الإمبراطورية الأمريكية» فى مشابهة مع سقوط الإمبراطورية البريطانية عقب «حرب السويس» مع مصر، ومثلما كانت «حرب السويس» إعلانًا لصعود المشروع القومى العربى بزعامته المصرية، فإن «الحرب على إيران» يمكن أن تكون إيذانًا بتفجر المشروع الإيرانى، وسط مشاريع اقتسام النفوذ فى العالم بين القوى العظمى الكبرى، خاصة: الولايات المتحدة والصين وروسيا. هذا لا يعنى أن الطموحات «ستكون وردية» أمام المشروع الإيرانى، لكنه سيواجه حتمًا بعقبات وتحديات خطيرة من العدو اللدود التقليدى، أى العدو الإسرائيلى، الذى سيخوض مع إيران «صراعًا وجوديًا استئصاليًا» ليبقى هو وحده المسيطر الوحيد على الشرق الأوسط، وهنا جاءت بعض ملاحظات مالونى على النحو التالى:
– إذا انسحبت أمريكا من الصراع، فمن المحتمل أن يستمر الإسرائيليون فى محاولة ضرب إيران، وبالتالى لن ينتهى الصراع، وأمريكا لن تكون معزولة عن هذه الديناميكية.
– نيتانياهو أراد تحقيق حلمه بتدمير الجمهوية الإسلامية الإيرانية، وإذا فشل فى ذلك سيصاب بخيبة أمل كبيرة، وهو مستعد لخوض حرب طويلة وساخنة ضد إيران. سيواصل الإسرائيليون «جَزّ العُشب» (منع ظهور أى بوادر تهديد إيرانية) كلما سنحت لهم الفرصة.
– نيتانياهو ليس الوحيد فى هذه النظرة، معظم مؤسسة الأمن القومى الإسرائيلى هذا هو مشروعها الذى تعيش فى خدمته. فى مواجهة هذه المؤشرات الإسرائيلية تطرح مالونى مؤشرات أخرى إيرانية مضادة أبرزها:
– إيران لن تقبل بسهولة سيناريو «جَزّ العُشب»، كما أن هذه السياسة لن تحافظ على سلامة إسرائيل مستقبلًا.
– الإيرانيون لا يميلون إلى تقديم التنازلات، ويعتقدون أن لهم اليد العليا فى الحرب. طهران تُمسك فى هذه المرحلة بناصية الوقت، فكل يوم يمر، ومضيق هرمز مغلق، يتضخم التأثير الإيرانى على الاقتصاد العالمى، وأيضًا على الرئيس ترامب والداخل الأمريكى، ويلحق الضرر بكل حلفاء أمريكا فى منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم. يعتبر الإيرانيون أن هذه «أزمة وجودية»، ومن ثم تحول الصراع إلى صراع «عض الأصابع»، فمن سيصرخ أولًا؟ هذا هو جوهر الصراع الآن: من سيصرخ أولًا، وليس هل بعد انتهاء الهدنة ستتجدد الحرب أم ستعود المفاوضات؟ قد تدعم المؤشرات الحالية حدوث جولة ثانية من المفاوضات، لكن جولة أخرى من المفاوضات لا تعنى الوصول إلى اتفاق فى وقت يعجز فيه الطرفان الأمريكى والإيرانى عن تضييق «فجوة الخلافات» بينهما، وفى وقت يتربص فيه الإسرائيليون لإفشال أى اتفاق باختلاق أى ذريعة. فالصراع سيبقى ممتدًا مادام أنه فى جوهره «صراع إسرائيلى – إيرانى» وبكونه صراعًا وجوديًا بين الطرفين.. إنه التاريخ الذى لا نريد أن نتعلمه
2026-04-23