مقال تحليلي
كيف أسهم الصراع السياسي في العراق في عدم بلورة سياسة اقتصادية واضحة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي*
مقدمة:
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ظل الاقتصاد العراقي رهين التحولات السياسية الحادة، غير أن ما بعد عام 2003 مثّل منعطفًا مفصليًا في تعميق إشكالية غياب السياسة الاقتصادية الواضحة. فقد أفضى الصراع السياسي، القائم على المحاصصة الطائفية والإثنية وتضارب المصالح الحزبية، إلى إضعاف قدرة الدولة على صياغة رؤية اقتصادية استراتيجية متماسكة. وأصبح الاقتصاد ساحةً للتجاذبات بدلاً من أن يكون إطارًا جامعًا لإعادة بناء الدولة.
بوصفي باحثًا في المحاسبة والتحليل المالي، أجد أن أزمة الاقتصاد العراقي ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة وسياسة ورؤية.
أولاً: مفهوم السياسة الاقتصادية وأهميتها
السياسة الاقتصادية هي مجموعة القرارات والإجراءات التي تتخذها الدولة لتحقيق أهداف محددة مثل النمو الاقتصادي، والاستقرار السعري، والتشغيل الكامل، والتوزيع العادل للدخل. وتتطلب هذه السياسة:
1. رؤية استراتيجية طويلة الأمد.
2. مؤسسات مستقلة وكفوءة.
3. استقرارًا سياسيًا يسمح بالاستمرارية.
4. توافقًا وطنيًا حول الأولويات الاقتصادية.
وفي غياب هذه المرتكزات، تتحول السياسات إلى إجراءات آنية غير مترابطة، تخضع لاعتبارات سياسية أكثر من خضوعها لمعايير اقتصادية.
ثانياً: الصراع السياسي بعد 2003 وتكريس اقتصاد المحاصصة
1. نظام المحاصصة وتأثيره المؤسسي
بعد سقوط النظام السابق عام 2003، تأسس النظام السياسي الجديد على مبدأ “التوافق” الذي تطور إلى محاصصة حزبية في توزيع المناصب والوزارات. وبدلاً من اختيار وزراء تكنوقراط وفق الكفاءة، أصبح المعيار هو الانتماء السياسي.
هذا النمط أدى إلى:
• غياب التنسيق بين الوزارات الاقتصادية.
• تضارب الأولويات بين الكتل السياسية.
• تحويل الوزارات إلى أدوات تمويل حزبي.
وقد انعكس ذلك بوضوح في أداء الحكومات المتعاقبة، سواء في عهد نوري المالكي أو حيدر العبادي أو مصطفى الكاظمي، حيث بقيت الإصلاحات الاقتصادية رهينة التوازنات السياسية.
2. غياب الاستمرارية في التخطيط
تعاقبت الحكومات العراقية بسرعة نسبية، وكل حكومة جاءت ببرنامج اقتصادي مختلف شكليًا، دون أن تستكمل ما بدأته الحكومة السابقة. فلا توجد خطة تنموية وطنية ملزمة عابرة للحكومات، بل برامج قصيرة الأجل مرتبطة بعمر الحكومة نفسها.
والنتيجة:
• مشاريع متوقفة.
• هدر في الإنفاق الاستثماري.
• تضخم في الموازنة التشغيلية على حساب الاستثمار.
ثالثاً: الاقتصاد الريعي وتعميق الانقسام السياسي
يعتمد العراق على النفط بنسبة تتجاوز 90% من إيراداته العامة. وهذا النمط الريعي:
1. يقلل من الحاجة إلى نظام ضريبي فعّال، وبالتالي يضعف المساءلة الشعبية.
2. يجعل الصراع السياسي صراعًا على توزيع الريع لا على خلق الثروة.
3. يكرس عقلية “تقاسم الموارد” بدلاً من “تنمية الموارد”.
وقد أدى تقلب أسعار النفط العالمية إلى تعرّض الموازنات العراقية لهزات عنيفة، كما حصل بعد انهيار أسعار النفط في 2014 ثم في 2020، مما كشف هشاشة البنية الاقتصادية.
رابعاً: تضارب الرؤى بين المركز والإقليم
الخلافات المستمرة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل بشأن إدارة النفط والغاز والموازنة العامة شكلت أحد أبرز مظاهر الصراع السياسي ذي البعد الاقتصادي.
فبدلاً من صياغة قانون وطني للنفط والغاز ينظم العلاقة المالية بشكل مستقر، بقي الملف أداة ضغط سياسي متبادل، مما أثّر على:
• ثقة المستثمرين.
• استقرار الصادرات النفطية.
• انتظام توزيع الرواتب.
خامساً: الفساد كنتاج للصراع السياسي
الصراع السياسي أفرز بيئة مواتية للفساد المنظم، إذ أصبحت المناصب الاقتصادية خاضعة للمساومات. وعندما تغيب الرؤية الاستراتيجية، تتحول السياسة المالية إلى أداة لإرضاء الكتل السياسية عبر:
• التوسع في التوظيف الحكومي.
• تضخم الرواتب والمخصصات.
• ضعف الرقابة على العقود العامة.
وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الإنفاق التشغيلي إلى مستويات تفوق 70% من إجمالي الموازنة في بعض السنوات، مقابل تراجع الإنفاق الاستثماري المنتج.
سادساً: غياب الإصلاح الهيكلي الحقيقي
رغم الحديث المتكرر عن “الإصلاح الاقتصادي”، فإن غياب التوافق السياسي حال دون تنفيذ إصلاحات جوهرية مثل:
• تنويع مصادر الدخل.
• إصلاح النظام الضريبي.
• إعادة هيكلة القطاع العام.
• دعم القطاع الخاص المنتج.
فالقرارات الإصلاحية غالبًا ما تصطدم بمصالح حزبية أو انتخابية، فيتم تأجيلها أو إفراغها من مضمونها.
سابعاً: النتائج المترتبة على غياب السياسة الاقتصادية الواضحة
1. بطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب.
2. ضعف الخدمات العامة رغم الوفرة النفطية.
3. هشاشة مالية أمام تقلبات أسعار النفط.
4. انخفاض جاذبية البيئة الاستثمارية.
5. اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
خاتمة واستنتاجات
إن الصراع السياسي في العراق لم يكن مجرد تنافس ديمقراطي طبيعي، بل تحول إلى صراع على موارد الدولة. وبدلاً من أن يكون الاقتصاد قاعدة للتوافق الوطني، أصبح أداة للصراع.
إن بلورة سياسة اقتصادية واضحة تتطلب:
• إصلاح النظام السياسي باتجاه دولة المواطنة والمؤسسات.
• تحييد المؤسسات الاقتصادية عن الصراع الحزبي.
• إقرار قانون النفط والغاز.
• اعتماد استراتيجية تنموية وطنية ملزمة لعقدٍ كامل على الأقل.
• تفعيل مبدأ المساءلة والشفافية المالية.
إن العراق لا يعاني من فقر الموارد، بل من فقر الإدارة الرشيدة. ولن تقوم سياسة اقتصادية متماسكة إلا إذا تحرر القرار الاقتصادي من أسر الصراع السياسي.
خبير في المحاسبة والتحليل المالي
باحث في قضايا التنمية الاقتصادية العراقية
2026-02-25