فنزويلا تحت “الحماية” الأمريكية:
تحولات اقتصادية جذرية وإعادة هيكلة سياسية
تنفذ الرئيسة المؤقتة هيكلة شاملة تنهي الإرث التشافيزي، وتشرعن خصخصة قطاع النفط للشركات الغربية، مؤسسةً نظاماً براغماتياً يخضع بالكامل للوصاية الأمريكية
سعيد محمد*
تعيش فنزويلا ما بعد مادورو مرحلة سياسية واقتصادية مستحدثة تعتمد بشكل كامل على التوجيهات المباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية. وتنفذ الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز ما تبدو كخطة هيكلية شاملة تعيد صياغة هوية البلاد، وتنتقل بها نحو تحرير الأسواق وفتح قطاع الطاقة أمام الشركات الغربية الكبرى. وتستجيب كاراكاس بسرعة فائقة للإملاءات الأمريكية عبر سن قوانين نفطية جديدة، وتمرير تشريعات سياسية موجهة، وإجراء تعديلات واسعة في المناصب الحكومية الحساسة.
آخر المبعوثين الأمريكيين إلى كاراكاس كان وزير الطاقة كريس رايت الذي قام بزيارة رسمية للدفع باتجاه تسريع مسار الانفتاح الاقتصادي وتعزيز النفوذ الأمريكي. والتقى الوزير بالرئيسة المؤقتة، وأمر بتطبيق إصلاحات أوسع نطاقاً في قطاع الطاقة مؤكداً على ضرورة تقليص الروابط الفنزويلية مع دول مثل الصين وروسيا وإيران، وتوجيه التحالفات الاستراتيجية بالكامل نحو واشنطن. وتنقل الموكب الأمني الضخم للوزير الأمريكي بحرية تامة في شوارع العاصمة كاراكاس، وسط حماية مشددة وفرتها الأجهزة الأمنية الفنزويلية.
تشريعياً، أقرت الجمعية الوطنية الفنزويلية (البرلمان) التي يرأسها خورخي رودريغيز – شقيق الرئيسة المؤقتة – تعديلات جذرية على قانون المحروقات لتسهيل استحواذ الشركات الأجنبية على عقود التشغيل والإنتاج. ويخفض التشريع الجديد حصة الدولة الفنزويلية من العائدات السيادية، وينتقل بها من نسبة 30% إلى نسب تتراوح بين 15% و20% لضمان تحقيق هوامش ربحية مرتفعة للمستثمرين الدوليين. ويمنح القانون الشركات الخاصة صلاحيات حصرية لتشغيل حقول النفط وتحمل تكاليفها وتسويق إنتاجها، وينقل صلاحيات البت في النزاعات التجارية والمطالبات المالية إلى هيئات التحكيم الدولية، مجرداً النظام القضائي الفنزويلي من أي سلطة للبت في قضايا الطاقة.
واستفادت شركات النفط العالمية فوراً من هذه التشريعات المستحدثة والتراخيص الممنوحة من الإدارة الأمريكية. فأعلنت شركة “ريپسول” الإسبانية عن خطة لزيادة إنتاجها النفطي بنسبة 50% خلال اثني عشر شهراً، ومضاعفة حجم الإنتاج ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات. وكان سقف إنتاج الشركة الإسبانية في فنزويلا 71,300 برميل يومياً في العام الماضي. وتطالب شركتا “إيني” الإيطالية و”ريپسول” الآن باسترداد ديون متراكمة على كاراكاس تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار مقابل إمدادات سابقة من الغاز ومادة النافثا.
وأكد مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة “شيفرون” الأمريكية، وجود إمكانات هائلة في الحقول الفنزويلية، رابطاً توسيع الاستثمارات بوضوح النظام المالي واستقرار الأوضاع. تنتج “شيفرون” حالياً حوالي 250 ألف برميل يومياً بفضل تراخيص استثنائية سابقة، وتمثل عملياتها ربع الإنتاج الفنزويلي الإجمالي. كما أعربت شركة “إكسون موبيل”، عبر رئيسها التنفيذي دارين وودز، عن التزامها بإرسال فرق متخصصة لتقييم الفرص الاستثمارية المتاحة، معتمدة على خبرتها الطويلة في معالجة وتكرير النفط الخام الثقيل المميز للحقول الفنزويلية.
ويمثل الغاز الطبيعي البحري قطاعاً استراتيجياً جاذباً للاستثمارات الغربية العاجلة. وتمتلك فنزويلا احتياطيات هائلة من الغاز قبالة سواحلها الشرقية المتاخمة للحدود البحرية مع دولة ترينيداد وتوباغو. تتصدر حقول “دراغون” و”كوكوينا” خطط تطوير القطاع بمشاركة شركتي “شِل” و”بريتش بيتروليوم”. ونقلت صحف لندن عن وائل صوان، الرئيس التنفيذي لشركة “شل”، تأكيده إمكانية تفعيل هذه المشاريع خلال أشهر قليلة بضخ استثمارات بمليارات الدولارات.
وتتولى الإدارة الأمريكية حالياً إدارة عائدات مبيعات النفط الفنزويلي بالكامل عبر آليات مالية خارجية تخضع للرقابة الصارمة من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية. واحتفظت واشنطن بمبلغ يناهز 500 مليون دولار من مبيعات ناقلات صادراتها البحرية الأمريكية في حساب مصرفي مخصص لدى مصرف قطري، قبل أن تفرج منه عن دفعة أولى بقيمة 300 مليون دولار ضختها في النظام المصرفي الفنزويلي لدعم العملة المحلية وكبح التضخم.
على أن هذه الترتيبات المالية أثارت تحركات مكثفة داخل الكونغرس الأمريكي نتيجة المخاوف من غياب الشفافية المؤسسية. وقدم أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ، منهم تشاك شومر وآدم شيف، مشروع قانون يطالب بإخضاع هذه الحسابات الخارجية لتدقيق محاسبي مستقل تنفذه هيئات رقابية متخصصة مثل مكتب المساءلة الحكومية. وعبر المشرعون عن رغبتهم في إيداع هذه الأموال داخل مؤسسات مالية أمريكية خاضعة للقوانين الفيدرالية لضمان تتبع مسارات الإنفاق ومنع تسرب العائدات إلى جهات محظورة.
على الصعيد السياسي الداخلي، واستجابة للضغوط الأمريكية المطالبة بتخفيف القيود الأمنية، أصدرت الجمعية الوطنية قانون عفو جديد يشمل فترات زمنية محددة تبدأ من عام 1999، وهو تاريخ صعود الرئيس الأسبق هوغو تشافيز للسلطة. وأدى هذا الإجراء إلى الإفراج عن أكثر من 400 سجين سياسي. ويقصر القانون الجديد قرارات العفو على المشاركين في تظاهرات سلمية محددة، ويبقي الأشخاص المتهمين بالتورط في أعمال عنيفة مسلحة قيد الاحتجاز. تؤكد تقارير حقوقية استمرار احتجاز ما يتراوح بين 600 إلى 900 سجين سياسي في السجون الفنزويلية.
لكن الرئيسة المؤقتة رودريغيز وجهت طلباً علنياً لوزير الداخلية ديوسدادو كابييو بمراجعة ملفات السجناء المستثنين من العفو. ويعكس هذا التوجيه تبايناً ما زال موجوداً بين الجناح البراغماتي الحاكم والتيار التشافيزي داخل الهياكل الأمنية للسلطة. وتطبق الرئيسة المؤقتة استراتيجية دقيقة لتوزيع المناصب الحساسة بغرض تأسيس توازنات جديدة داخل النظام الحاكم، وشنت لذلك حملة تطهير شاملة داخل مؤسسات الدولة استهدفت الشخصيات المرتبطة بالرئيس السابق نيكولاس مادورو شملت رجل الأعمال أليكس صعب، ومسؤولين آخرين في مواقع قيادية. على أنه كان ملفتاً قرارها تعيين ابنة وزير الداخلية، دانييلا كابييو، في منصب وزيرة السياحة، فيما يقول خبراء أنها محاولة لاسترضاء الرجل القوي الذي يمسك بالأجنحة العسكرية والأمنية القوية، وضمان استمرارية تماسك النخبة الحاكمة المكلف بتنفيذ المرحلة الانتقالية تحت المراقبة الأمريكية.
تترافق هذه التحولات في الاقتصاد والسياسة تحت الحماية الأمريكية مع إحكام القبضة الأمنية في شوارع المدن الكبرى. وتنشر السلطات الفنزويلية نقاط تفتيش تابعة لفرق الاستخبارات العسكرية في أحياء العاصمة كاراكاس لمراقبة التحركات الجماهيرية ومنع التجمعات المناهضة للتوجهات الجديدة. كما وتُفرض رقابة صارمة على المحتوى الإعلامي المتداول في القنوات المحلية.
وفيما تبدو فنزويلا وقد أزاحت عن كاهلها الثورية التشافيزية خلال أسابيع قليلة من اختطاف قوات أمريكية للرئيس مادورو وزوجته، يصف مراقبون يدعمون الإجراءات التي تقودها الرئيسة المؤقتة رودريغيز ب “ديلسي-بينغ”، تشبيهاً لها بالتجربة الصينية بعد وفاة الرئيس ماو في عهد دينغ شياوبينغ والتي جمعت بين الانفتاح على الأسواق ورؤوس الأموال الأجنبية، والمحافظة التامة على سلطة مركزية مطلقة تدير شؤون البلاد الداخلية، مع إبقاء الخطوط مفتوحة على الأمريكي. ويستشهد أنصار الرئيسة بضخامة الاستثمارات المتوقعة وارتفاع أسعار العقارات والسندات كدلالة على صوابية قراراتها متجاهلين أن أصابع واشنطن تتحكم علناً بمفاتيح الاقتصاد والسياسة في كاراكاس، وأن مسألة استمرار رودريغيز ودائرتها في السلطة من عدمه مسألة يقررها ساكن البيت الأبيض حصرياً.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-02-25