حرية التعبير في أوروبا .. الدنمارك مثالا (1)!
د. عمر ظاهر
هل هناك حقا ما اصطلحنا على تسميتها بـ “حرية التعبير” في أوروبا عامة، وفي الدنمارك على وجه الخصوص؟
الجواب هو، بلا مواربة، نعم. هنا حرية التعبير حق يضمنه الدستور، ويمكن لأي مواطن ممارسة حقه الدستوري في التعبير عن رأيه، وموقفه، من أية قضية، ومن أية جهة، ومن أي سياسي، دون أن يتعرض للمعاقبة، والمساءلة. وعندما يضع المختصون قواعد ممارسة هذه الحرية وأطرها – وهنا أشير إلى خبير عبّر عن ذلك على شاشة التلفزيون الدنماركي الرسمي من فترة طويلة، فإنهم يصوغون الواقع كما يلي: بإمكانك أن تقول أي شيء مهما كان جنونيا شريطة ألا يتجاوز ما تقوله الحدود بين القول أو الموقف (holdning) من جهة وبين الفعل (handling) من جهة أخرى. وبالتأكيد، فإن من القول أيضا ما يُخشى من تحوله بسهولة إلى فعل، مثلا التهديد بالقتل.
لكن مثل هذه الصياغة تقصر عن تحديد هذه القواعد والأطر الواقعية، وتبقيها في نطاق القانون. جوهر حرية التعبير ليس فقط ما ينص عليه القانون، فهناك على أرض الواقع جملة من العوامل الاجتماعية، والسياسية، والنفسية والفردية التي تتحكم في تجسيدها، وقد تنطوي على وضع تقييدات على ممارسة هذه الحرية لا يتطرق إليها القانون، وإن كان يشمل بعضها ضمنا. الحقيقة هي أن التعبير عن الرأي والموقف فعل شجاع لا بد أن يتهيأ صاحبه لدفع ثمن لما يقوله حتى في الدنمارك، ليس للقانون والقضاء، إنما لمن يرون أن حرية التعبير مقصورة عليهم هم دون غيرهم، وأنهم بإمكانهم لي رقبة القانون وجعله يطاوع رغباتهم.
لننظر في بعض هذه العوامل:
أولا: حريتك أنت وحرية الآخرين في التعبير
عند مناقشة حرية التعبير فإننا لا نتطرق إلى تعبير المرء عن رأيه في الموضة، أو في الكائنات الفضائية، وإنما نحن معنيون بالتعبير عن الآراء في قضايا سياسية واجتماعية جادة وحساسة. وهنا فإن ما يمكن أن نقوله لا يسرّ بالضرورة الجميع، بل هناك مواطنون يستاؤون مما نقول. وهؤلاء المواطنون لهم أيضا الحق في التعبير عن آرائهم. وهل في هذا مشكلة؟ أليس القصد من التعبير عن الرأي إثارة نقاش عن القضية المعنية؟ بلى، ولكن.
التجربة الواقعية في الدنمارك ترينا أننا عندما نقول شيئا، فإننا غالبا لا نسمع من الذين يتفقون معنا في أقوالنا (تغير هذا بفضل مواقع التواصل الاجتماعي)، لكننا نسمع من الذين لا يسرهم ما نقول. وهؤلاء قد يكونون قساة، أو حاقدين، أو حتى مجانين. كمثال على ذلك، في خضم الحرب العدوانية التي شنتها أمريكا وإسرائيل ودول الخليج على العراق عام 2003 والتي شاركت فيها الدنمارك، عبر كاتب هذه السطور عن رأيه الرافض للحرب، وقلت رأيي حتى برئيس الوزراء يومها. أنا لم أسجل شخصيا أن رئيس الوزراء أرسل الشرطة إلى بيتي ليقتادوني إلى السجن، ولم تقم المخابرات الدنماركية باستدعائي والتحقيق معي – لأني على ما يبدو لم أتجاوز الحدود بين القول والفعل، لكني تلقيت مكالمات غاضبة من دنماركيين يسألونني ماذا أفعل في الدنمارك، ولماذا لا أعود إلى العراق؟ مثل ردود الأفعال هذه تشكل ضغطا نفسيا كبيرا على من يشعر أنه، في الواقع، ضعيف فهو يعارض فعلا تتبناه الحكومة ومن ورائها أناس لا يتورعون عن ممارسة الإرهاب باقتحام الحياة الخاصة للإنسان وتخويفه. أنا لم أعرف في حينه من الذين اتصلوا بي، وأية رسالة أرادوا إيصالها إلي، وهل هم مجانين، وما خطوتهم التالية.
ثانيا: أنت كمواطن ذي أصول أجنبية مقابل الدنماركيين الإثنيين
هل هناك فارق بين مواطن دنماركي ذي أصول شرق أوسطية، مثلا، والدنماركيين “الإثنيين أو الأصليين” في الحق، أو الحرية في التعبير؟ نعم، بالتأكيد.
الفارق ليس في نظر القانون، وإنما من نواح أخرى، منها:
-
1)التشكيك في الولاء
