ثورة البراق…!
رنا علوان
“ثورة البراق” هي أول انتفاضة فلسطينية ، على محاولة تهويد القدس في عهد الانتداب البريطاني ، وأطلق عليها أيضًا إسم [ أحداث 1929 ] أو [ أحداث تارباط ] ( מאורעות תרפ”ט ) نسبة إلى تاريخ اندلاع الاشتباكات حسب التقويم اليهودي
[ يَعتبر اليهود حائط المبكى ، الأثر الأخير الباقي من هيكل سليمان ، وفي رأي أغلبية الحاخامين اليهود يكون الدخول إلى الحرم القدسي محظورًا على اليهود منذ خراب الهيكل ، فلذلك الحائط هو أقرب نقطة من مكان الهيكل التي يمكن لليهود الصلاة فيها حسب الشريعة اليهودية ] ، وأمامه يبكون على ما أصابهم أو ما حلّ بهم
أما خيوط إندلاع هذه الثورة ، فبدأت بعد أن تم السماح لليهود بإقامة طقوسهم إبان فترة الانتداب البريطاني ، امام حائط المبكى [ حائط البراق ]
وكان قد جرى ، اتفاق غير مكتوب بين إدارة الوقف واليهود ، على أن [ لا يقيم اليهود أي بناء بالقرب من الحائط أو يضعوا أي شيء في باحته ] ، وقد إستمر هذا الأمر لعدة سنوات
إلا أن الصهاينة بعد ذلك ، قاموا بتنظيم مظاهرات كبيرة عند حائط البراق مدّعين أنه مكان خاص باليهود وحدهم ، ما أدى ذلك إلى تفجير أول ثورة للفلسطينيين على بريطانيا والحركة الصهيونية معًا
ومع بدايات القرن الـ20 عمد الانتداب البريطاني إلى تغيير معالم القدس بهدف إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عاصمته القدس استنادًا إلى إعلان وعد بلفور عام 1917
ومع حلول عيد ( الكيبور أو يوم الغفران ) من عام 1928 ، في شهر سبتمبر/أيلول ، قام بعض المصلين اليهود بوضع مقاعد وأدوات تتعلق بطقوسهم قرب حائط البراق ، بمحاولات ترمي إلى تغيير الوضع القائم للأماكن المقدسة حيث كان مسعاهم في ذلك ، هو تحقيق سيطرة يهودية ( لطالما حلموا بها ) على الحرم القدسي الشريف
وقد تبلورت هذه المحاولات الصهيونية المتعددة في توسيع حقوق اليهود ( جوار الحائط ) ، من خلال سعيهم الدؤوب لشراء أبنية لصيقة به من الأوقاف الإسلامية
حيث اندلعت أولى شرارات هذه الثورة ، عندما نظم اليهود مظاهرة ضخمة عند حائط البراق في 14 أغسطس/آب 1929 بمناسبة ما يسمونه ( ذكرى تدمير هيكل سليمان ) مدّعين أنه مكان خاص باليهود وحدهم
وفي اليوم التالي تحديدًا في 15 أغسطس/آب 1929 ، أَتّبعوها بمسيرة لم يسبق لها مثيل ، فعبروا شوارع القدس ، وحين وصلوا حائط المبكى/ البراق رفعوا العلم الصهيوني ، وهناك راحوا يصيحون “الحائط لنا”، من ثم بدءوا بترديد النشيد القومي الصهيوني (الهاتكفا) وشتموا المسلمين
وإزاء ذلك أرسلت الشرطة البريطانية ( التي كانت على علم مسبق بالمظاهرة ) ، قوات كبيرة لمرافقة المتظاهرين اليهود
وفي اليوم الذي تلى المظاهرات الصهيونية ، وافق ذكرى ( المولد النبوي الشريف ) ، توافد المسلمون للدفاع عن حائط البراق ، والتصدي للعصابات الصهيونية التي كانت تنوي الاستيلاء عليه ، فوقعت صدامات عنيفة بين الجانبين عمّت معظم فلسطين
من ثم تطورت الصِدامات بين الفلسطينيين من جهة واليهود وقوات الانتداب من جهة أخرى في الخليل وصفد والقدس ويافا ومدن فلسطينية أخرى ، واستمرت لأيام
، تفشت خلالها الاشتباكات إلى مدن أخرى حيث قتل عرب في مدينة الخليل ، 67 يهوديا من سكان المدينة
ولكنهم اضطروا إلى هجر الخليل خشية من استمرار الاشتباكات ، كذلك تعرض عرب صفد لعمليات العنف من قبل المستوطنين اليهود
بعدها اضطرت سلطات الانتداب البريطاني لطلب المساعدة من القوات البريطانية في مصر ، كي تتمكن من إيقاف العنف
كانت حصيلة الاشتباكات ، التي امتدت من الخليل وبئر السبع جنوبًا حتى صفد شمالًا كالتالي
116 شهيدًا فلسطينيًا و133 قتيلًا يهوديًا غاصبًا
232 جريحًا فلسطينيا و339 جريحا يهوديًا غاصبًا
كما اعتقلت سلطات الانتداب ، تسع مئة فلسطينيًا وأصدرت أحكامًا بالإعدام شنقّا على 27 فلسطينيًا خُفّفت الأحكام على 24 منهم ونفذ حكم الإعدام في 17 يونيو 1930، في سجن مدينة عكا المعروف باسم ( القلعة ) ، في ثلاثة محكومين هم [ فؤاد حسن حجازي ، محمد خليل جمجوم ، وعطا أحمد الزير ]
ثلاثة وتسعين عامًا على ارتقاء الشهداء الثلاثة
عطا أحمد الزير
إبن مدينة الخليل بفلسطين ، المولود عام 1895 ، مزارع شارك بفعالية في ثورة البراق ، قبض عليه وحوكم بالإعدام ونفذ الحكم فيه يوم 17 يونيو/حزيران 1930 في سجن القلعة بمدينة عكا
فؤاد حسن حجازي
فؤاد حسن حجازي ابن مدينة صفد بفلسطين والمولود عام 1904 ، تلقى تعليمه الابتدائي في المدينة ، والثانوية في الكلية الإسكتلندية ، وأتم دراسته الجامعية في الجامعة الأميركية ببيروت
شارك حجازي في ثورة البراق وحكم عليه بالإعدام، وهو أول من نفذ فيه الحكم يوم 17 يونيو/حزيران 1930 ، قبل زميليه محمد خليل جمجوم ، وعطا أحمد الزير
محمد خليل جمجوم
ولد محمد خليل جمجوم في حي القزازين ، في البلدة القديمة من مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية عام 1902 ، وفيه تعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب في أواخر العهد العثماني ( 1516 ) ، ثم أكمل دراسته الجامعية في الجامعة الأميركية في بيروت
اشتغل محمد مع والده منذ الصغر في التجارة بين فلسطين ومصر ، وحينئذ كان الاعتماد على الجمال في نقل البضائع
ويذكر بأن جمجوم كان عريسًا يستعد للزواج ، لكن الانتداب البريطاني اعتقله قبل موعد زفافه بأيام ، وظل رهن الاعتقال حتى إعدامه في 17 يونيو/حزيران 1930
من ناحية أخرى أوصت لجنة شو بإرسال لجنة أخرى لتحديد الحقوق في حائط البراق ووافقت جمعية عصبة الأمم في 14/1/1930 على إرسال اللجنة
ولجنة شو ، هي [ لجنة تحقيق بريطانية ترأسها السير ( والتر شو ) ]
وقد أصدرت تقريرها بشأن أحداث حائط البراق ، إذ رأى أنّ الهجرة الصهيونية والممارسات المتعلقة بشراء الأراضي هي السبب الرئيس للاضطرابات ، مشيرًا إلى [ خوف العرب المزدوج
أولاً ، من أنهم سيحرمون وسائل معيشتهم بفضل الإحتلال الذي يزداد تفشيًا يومًا بعد يوم
ثانيًا ، من إحتمال سيطرة اليهود عليهم ( سياسيًّا يومًا ما ) بسبب الهجرة اليهودية المتزايدة وشراء الأراضي ]
وفي الوقت ذاته، أعربت لجنة “شو” عن تأييدها صدور مرسوم قانون العقوبات (جرائم إثارة الفتنة) في أكتوبر/تشرين الأول 1929 ، أي بعد شهرين من ثورة البراق
وفي الثاني من مايو/أيار 1930 أوفد وزير المستعمرات البريطاني اللورد باسفيلد (الشهير بسدني وب) السير جون هوب سمبسون إلى فلسطين بغية التشاور مع المندوب السامي ، والنظر على أرض الواقع في مسائل الهجرة واستيطان الأراضي وتطويرها
وقد خلصت اللجنة إلى عدة استنتاجات أهمها
أن ملكية الحائط الغربي تعود للمسلمين وحدهم ولهم الحق وحدهم فيه لأنه يؤلف جزءًا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف ، وتعود لهم أيضًا ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لأن ذلك الرصيف ( وقف )
كما أقرت اللجنة انه لا يجوز لليهود جلب أية أدوات عبادة أو وضع مقاعد أو سجاد أو كراسي أو ستائر أو حواجز أو أية خيمة جوار الحائط لأنه ملكًا للمسلمين (تقرير اللجنة المقدم لعصبة الأمم عام 1930)
2023-06-18