السادات… الإرث الذي لم ينتهِ بعد!
بقلم: محمد النادي
حكم أنور السادات مصر إحدى عشرة سنة، لكنها كانت كفيلة بتغيير اتجاه الدولة، ونسف كثير من الأسس التي أرساها الزعيم جمال عبد الناصر. ورغم رحيله، فإن أثر سياساته ما زال حيًا، يضغط على حاضر الأمة ومستقبلها. ولعل استعادة هذه التركة تكشف كيف انتقلت مصر من مشروع قومي صلب، إلى مسار نقيض خدم واشنطن وتل أبيب قبل أن يخدم شعبها.
منذ لقائه بكيسنجر في 7 نوفمبر 1973، فتح السادات أبواب مصر أمام النفوذ الأمريكي، وتعهد بتصفية الإرث السياسي والاقتصادي لعبد الناصر. ومن هنا بدأت رحلة الانفتاح المنفلت، وخصخصة القطاع العام وبيع مقدرات الشعب بثمن بخس، وانحياز واضح للأغنياء على حساب الفقراء. وفي عهده تدهورت أحوال الطبقة المتوسطة، وارتفع الغلاء، واتسعت العشوائيات، وتم إهمال البحث العلمي وإضعاف القاعدة الإنتاجية للدولة.
انسحب السادات من العالم العربي وأفريقيا والعالم الثالث، فخسرت مصر رصيدها التاريخي ودورها القومي. تسلّم البلد بديون 1.8 مليار دولار فقط عام 1970،والذي كانت مصر تدفعها عن طريق انتاجها الزراعي والصناعي، بينما سلّمها لمبارك مثقلة بـ 22.5 مليار دولار عام 1981—قفزة كارثية عبر عقد واحد.
وعلى خطى واشنطن وتل أبيب، بدأ مسار المصالحة مع العدو الصهيوني؛ اعترف بإسرائيل، زارها، وخطب في الكنيست تحت عبارة “من الفرات إلى النيل أرضك يا إسرائيل”. ثم وقّع معاهدة سلام كرّست القيود على الجيش المصري في سيناء، وحدّت من الدور العربي لمصر، وفرضت على الدولة تصدير النفط لإسرائيل—ثم الغاز في عهد مبارك.
وفي الداخل، رفع علم إسرائيل في القاهرة بافتتاح سفارتها، وغيّر اسم وزارة الحربية إلى وزارة الدفاع.
واستبدل النشيد الوطني “والله زمان يا سلاحي” بـ “بلادي بلادي” استجابة لمطالب إسرائيل بحجة أن النشيد القديم “عدائي”!.
أما انتفاضة يناير 1977 فكانت صرخة شعبية عظيمة كادت تطيح بحكمه، لولا تراجعه تحت ضغط الجماهير وتحذيرات المشير الجمسي.
ورغم مكانة الجمسي العسكرية، عزله السادات فجأة عام 1978، ومنحه آخر لقب لوزير حربية في تاريخ مصر، قبل تحويل الوزارة إلى “الدفاع”.
بدأ السادات التفكير في إلغاء جامعة الدول العربية، كما طرح فكرة منح جزء من مياه النيل لإسرائيل، ودخل في خصومات مع دول المنابع، إضافة إلى مغامرات “نادي السفاري” وحروب القرن الأفريقي.
وأهمل القاعدة الصناعية، ودمّر الزراعة باستعانته بخبراء إسرائيليين يعيدون تعليم أقدم شعب زرع الأرض. ثم فتح باب شراء الأراضي للأجانب دون قيود.
أسّس الحزب الوطني ليحتكر السلطة، وزوّر الانتخابات، ورفع شعار “الديمقراطية لها أنياب”. وكانت مقولاته الشهيرة: “99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا”، و“السلام خيار إستراتيجي”، و“المشكلة مع إسرائيل نفسية”.
وأحاط نفسه بطبقة من السماسرة ورجال الأعمال، ومنحهم مفاتيح ثروات البلد، وعمّق الفجوة بين الشعب وحكامه. ومع نظرية “آخر الحروب”، وإلغاء أعياد الجلاء والنصر، وتشويه نصر 1956، ضُرب الانتماء الوطني في الصميم.
اضطهد الفريق سعد الشاذلي، ومنعه من التكريم، واتهمه بالجبن، وأبعده سفيرًا. وأذلّ المشير الجمسي حتى بكى يوم فرض عليه اتفاق فضّ الاشتباك عام 1974.
حلّ جهاز الرقابة الإدارية الذي كان درعًا ضد الفساد، ولم يعد إلا في عهد مبارك. واستقال في عهده وزيرا خارجية—إسماعيل فهمي ومحمد إبراهيم كامل—احتجاجًا على سياساته المنفردة مع إسرائيل.
وصل السادات حدّ التعامل مع مصر كـ “عزبة” خاصة: “شعبي، جيشي، وزير خارجيتي…”، حتى كرّمته إسرائيل بنصب تذكاري في تل أبيب وميدان باسمه في حيفا.
وكان السادات هو من فتح أبواب الجامعات أمام الجماعات الإسلامية في صفقته مع الإخوان لمحاربة الناصريين واليساريين، فانتشر التطرف، وتحوّلت الساحة المصرية إلى بؤرة للعنف. وهو من سهّل إرسال الشباب إلى أفغانستان لخدمة المخابرات الأمريكية، فعادوا في التسعينيات يحملون النار للداخل، ودفع الشعب ثمن تلك المغامرة بالأرواح والدماء.
وفي عهده تصاعدت الفتنة الطائفية حتى أحداث الزاوية الحمراء. وللمفارقة، كان من أطلق الجماعات هو نفسه أول ضحاياها يوم 6 أكتوبر 1981.
كما أمدّ حزب الكتائب اللبناني بالسلاح في الحرب الأهلية، منحازًا للمعسكر الغربي ضد الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية، ما عمّق الانقسام وضرب الدور القومي لمصر.
وهكذا تبدو تركة السادات: مسار تفكيك للمشروع القومي، وإضعاف للدولة، وتمكين للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي، وتحويل مصر من دولة قيادية إلى دولة تابعة. وما زالت الأمة تدفع الثمن حتى اليوم
2026-06-29