صورة ” الشخصية العربية ” في ذهن ترامب!
وليد عبد الحي
يُجمع علماء النفس السياسي على ضرورة دراسة “مخزون الصور الذهنية ” لدى صانع القرار تجاه الطرف الآخر في العلاقات الدولية، ومنذ دراسة اليونسكو التي نُشرت عام 1953(How Nations See Each other)، تزايدت العناية بتحليل الصور الذهنية للقادة عن المجتمعات الاخرى او القادة الآخرين، لان هذه الصور تساهم في تشكيل القرار من خلال رسوبها لدى الزعيم في عقله الظاهر وعقله الباطن على حد سواء.
ومنذ وصول ترامب مع بداية 2017 الى كرسي الرئاسة الامريكية ، شكل نقلة نوعية في وزن العامل النفسي في تحليل القرار السياسي ، وربما يكون ترامب هو الاكثر خضوعا للدراسات النفسية بين الرؤساء الامريكيين، وهو ما يعني ضرورة ايلاء هذا العامل الاهتمام لفهم هذه الشخصية ، مع ضرورة التنبيه الى ان ذلك لا يقع ضمن التحليل الغرائزي او التطاول الشخصي او اغتيال الشخصية(Character assassination ) ، بمقدار ما هو محاولة لفهم البعد السيكولوجي لرئيس دولة عظمى ولكن دون تهيب او تعظيم لا مبرر له وبخاصة مع شخصية كترامب.
ما هي صورة العرب في ذهن ترامب؟
خلال البحث الذي اقوم بإعداده حول هذا الموضوع، وسيتم نشره قريبا، تمكنت من جمع مادة علمية كافية تغطي تحليل ما ورد او تم الايحاء له في بيانات او تصريحات او تعليقات او كتابات ترامب عن العرب ،او ما نقله بعض اقاربه او العاملين معه او اصدقائه من افكار يرددها ترامب عن العرب، بل هناك تحليلات لطريقة جلوسه او حديثه او وقوفه مع الزعماء العرب، الى جانب تحليل سلوكه في اللقاءات مع الزعماء العرب في بلادهم او في الولايات المتحدة والتمييز بينها للاستدلال على ” الصورة في اللاوعي الترامبي”.
من اهم النتائج التي ساعمل على تطويرها وتعميق دلالاتها ، ان ترامب ينظر للعرب على النحو التالي:
1- لا يصنف ترامب العرب “كحضارة”، بل يراهم بقدر كبير من خلال “التشرذم” ،ولا يراهم الا ضمن تقسيمات خاصة به ،فالعرب ليسوا مجتمعات بل ثلاث ” مجموعات سكانية ” هي:
أ- حلفاء من البدو ” الغرائزيين ” ، يضمرون الكره لبعضهم البعض ،وغالبا يتصارعون على اتفه الاسباب، بل ان التنافس على المكانة الاقليمية للشخص(الحاكم) لا للدولة يتغلب عندهم في تحديد علاقاتهم ببعضهم البعض من خلال تنافس عقولهم الباطنية “، ولكن ترامب من ناحية مقابلة يرى العرب يجلسون على تلال من الثروة لكنهم غالبا لا يتقنون فن ادارتها المثمرة، ولعل الهدايا التي تلقاها من العرب تكفي لتكريس صورة “التنافس الغرائزي”،وفقدان اية قوانين او قيود دستورية تحدد كيفية انفاق اموال الدولة ،فخزينة الدولة وجيوب الرعايا هي ملك للحاكم ..وهنا يفقد مفهوم الحضارة معناه.
ب- خصوم اغلبهم دول فاشلة، وهو في الغالب يشير هنا الى الجمهوريات العربية، والتي يراها ارهابية او ساذجة، ويتحاربون دائما ضد بعضهم البعض..
ت- – هامشيون لا وزن لهم، وبخاصة دولهم الفقيرة او الصغيرة العدد والجغرافيا.
2- انفصال القول عن الفعل عند العرب، ويقدم ترامب مثالا صارخا على ذلك، فهو يقول انه عندما قرر الاعتراف بالقدس عاصمة ابدية لاسرائيل ،حذره الكثيرون من مستشاريه ومن دول عديدة من ان ذلك قد يفجر المنطقة بخاصة بعد “الثرثرة العربية حول الموضوع”، لكن ترامب يقول نصا: ” لن يحدث شيء لان شيئا لم يحدث”
(nothing will happen ,because nothing happened)،اي كأن ترامب يقرر ان العرب لن ينظروا للأمر بالخطورة التي تتصورونها ، وهو ما وقع فعلا..وعزز لدى ترامب صورة ان العربي ثرثار فلا تُعِر اقواله اي اهتمام.(يمكن العودة للتفاصيل حول هذا الموضوع في كتاب:
Anshel Pfeffer-Bibi:The Turbulent life and Times of Benjamin Netanyahu-Basic books.2018.pp.377-379.
3- يرى ترامب ان بناء العلاقات مع القادة في مجتمعات ذات ثقافة ديكتاتورية هو الأهم كثيرا من الاعتناء بالعلاقات مع القوى المجتمعية ، لذلك يركز كثيرا على التقارب مع الزعماء واحيانا بطريقة فيها قدر من الاستهانة رغم طابعها الخارجي( مثل رش العطر على عنق الرئيس السوري احمد الشرع (ابو محمد الجولاني) واهدائه بقية القارورة العطرية ليأخذها لزوجته. ويبدو ان هذه الواقعة تؤكد ان شخصية”رئيس الشركة لا رئيس الدولة” هي التي تسيطر على العقل الباطن لترامب، وهو ما لاحظناه في سلوكه مع زيلينسكي والرئيس الفرنسي ماكرون ورئيسة وزراء ايطاليا والرئيس الليبيري(بخاصة عندما استفسر منه عن سر اتقانه اللغة الانجليزية)…الخ.
4- تخلو خطابات ترامب السياسية تماما من تعبيرات الديمقراطية وحقوق الانسان ، وعليه فهو لا يسعى لاقامة علاقات مع القوى الاجتماعية العربية ولا مع النخب ،فتركيزه منصب على مدح او ذم القادة ، ولديه نزوع نحو استعلاء طبقي ،واجتراء على القادة الذين يتلمس فيهم مكانة اقل من غيرهم(كما جرى مع الرئيس الموريتاني ورئيس غينيا بيساو عندما طلب منهما الاسراع في الكلام وان لديه مواعيد اخرى ، بل تطاول وبشكل فيه تعالٍ واضح عندما قال للرئيس الموريتاني ” فقط قل لنا اسمك وبلدك”.
5- اعتبار العرب سوقا للسلاح او الاستثمار او السلع الامريكية (Instrumental Image)، فخلال لقاءاته مع زعماء مصر او الاردن او غيرهم تناول موضوع غزة لا من باب المعاناة الانسانية او البعد السياسي وحق تقرير المصير وموضوع الاحتلال …الخ بل من باب اعتبار غزة مكانا مناسبا لتحويله لمنتجع، ويعكس ذلك مسألة اراها في غاية الاهمية وهي ان ترامب لا يدرك الفرق بين “الوطن-Homeland” او الدولة(State) وبين العقار(real estate)، ومن هنا لا يستطيع ادراك معنى الوطن في الخطاب العربي، فالجانب المعنوي لا يعنيه نهائيا في هذا المضمون.
6- نظرة سلبية مطلقة للاتجاهات الدينية الاسلامية من زاوية الارهاب والهجرة والتطرف، وفي تقديري ان هذه الصورة استقاها من مصدرين هما وزير دفاعه الحالي صاحب كتاب الصليبية الامريكية(American Crusade) ومن رئيس مجلس امنه السابق جون بولتون، ناهيك عن تأثيرات صلته بالانجيليين والمسيحية الصليبية.
ذلك يعني ضرورة ان يدرك الزعماء العرب بأن ترامب لا يستبطن اية صورة وقورة لهم مما يتوهمونه او يستشعرونه في مجتمعاتهم او مع نخبهم
.2026-06-29