تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (12)!
د. عمر ظاهر.
إننا نلاحظ أن داروين يجهد في كتابه بشكل متواصل في مقارنة ما يحدث في الطبيعة على يدي الانتقاء الطبيعي بما يحدث في حالة تحسين الإنسان لصفات ما في عهدته من حيوانات ونباتات، مثبتا مرة ما يراها أوجه تشابه كبيرة، ومرة أخرى فروقات بسيطة بين الحالتين، حتى يصل أخيرا إلى استنتاج مفاده أن المبادئ التي يتبعها الانتقاء الطبيعي، وهو القوة القاهرة التي تتحكم في التطور في الطبيعة، هي نفسها التي يتبعها الإنسان في تحسين صفات حيواناته ونباتاته في حالة التدجين. ما أهمية هذه المقارنة لنظريته في الانتقاء الطبيعي؟ منهج داروين هو سرد القصص من الشرق والغرب والقيام بمقارنات، وعقد تشبيهات اعتباطية. والغرض من هذا واضح، ألا وهو البحث عن تأكيدات لوجود تلك القوة القاهرة وتحكمها في أقدار الطبيعة والكائنات الحية. لكنْ، على أية عوامل يعتمد في إثبات وجود تماثل بين نموذج التدجين ونموذج الانتقاء الطبيعي في الطبيعة؟ إنه يلعب على عبارة واحدة هي “انتقاء” التي يفترض كونها كلمة السر في كلا النموذجين، التدجين والطبيعة، وهي ليست كذلك. في حالة التدجين لا وجود للانتقاء، ناهيك عن أن يكون مشابها للانتقاء الطبيعي.
إيحاءات وتوطئة للموضوع
يبدأ داروين التوطئة للموضوع في الباب الأول حيث يلاحظ في تفصيل داروين لموضوع التعضية أنه يتنقل مرارا بين الطبيعة وبين التدجين، وكأنهما خطان متوازيان ومتشابكان أيضا في المجال نفسه، أي التطور، فكلاهما يقيمان نشاطهما على فكرة الانتقاء، في الأول الإنسان، وفي الثاني الانتقاء الطبيعي نفسه، وليس الطبيعة. والقارئ ينتبه في البداية إلى أن داروين يطلق أحكاما عامة، بناء على رأيه الشخصي، لكن الغرض من هذا لا يتضح إلا بعد حين. يقول، مثلا:
أنا لا أستطيع أن أشك في أن حيوانات ونباتات أخرى مساوية في العدد لكل نتاجنا المدجن، وتابعة لطوائف وبلدان مساوية في الاختلاف، إذا تم انتزاعها من بيئتها الطبيعية، وكان من الممكن دفعها إلى التكاثر لعدد مساو من الأجيال تحت ظل التدجين، فإنها قد تتمايز في المتوسط بنفس النسبة العالية التي تمايزت بها الأصول الأبوية لحيواناتنا المدجنة الموجودة حاليا. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 75)
ما يهمنا هنا الآن هو، طبعا، ورود الإشارات المتتالية إلى التدجين والربط المتواصل بينه وبين الانتقاء الطبيعي، وإلا فإن يمكن التوقف طويلا مع التاناقضات في هذا الكلام المقتبس، خاصة مع عبارة (بنفس النسبة العالية التي تمايزت بها الأصول الأبوية لحيواناتنا المدجنة الموجودة حاليا) وتوجيه سؤال إلى داروين عن مصدر معرفته بتلك النسبة، خاصة أنه سيقول بعد بضعة سطور:
من المحتمل أن تظل نشأة حيواناتنا الداجنة شيئا مبهما إلى الأبد. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 76)
ثم إنه، بعد الإشارة إلى الغموض والإبهام الذي قد يستمر إلى الأبد، يعود فيتحدث بشكل غامض عما قال إنه غامض أصلا، ويحشر التدجين في الحديث. يقول:
مبدأ نشوء أعراقنا الداجنة من أصول أرومية عديدة هو مبدأ تبناه بعض العلماء إلى مدى غير معقول، فهم يؤمنون بأن كل عرق يتوالد بشكل أصلي – فيما عدا فروق بسيطة في بعض الصفات المميزة – قد كان له نموذج أصلي في حياة الوحشية، وعلى هذا الأساس فلا بد وأنه قد كان هناك على الأقل عدد كبير يربو على العشرين من أنواع الأبقار الوحشية، ونفس العدد من الخراف الوحشية، والعديد من أنواع الماعز الوحشية، في قارة أوروبا وحدها، والعديد من هذه الأصول الوحشية من المفروض أنها كانت موجودة في بريطانيا العظمى وحدها. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 77/78) – (عبارة أرومية تشير في المعجم إلى البدائي أو الأصلي)
ثم نلمس بوادر تبلور فكرة داروين عن اعتبار ميدان التدجين بكليته كعينة من الطبيعة، أو كميدان مصغر عنها يقول:
دعنا نتأمل الآن قليلا في الخطوات التي قد تم من خلالها إنتاج أعراقنا الداجنة، سواء من نوع واحد أو من أنواع متقاربة. وبعض التأثير قد يُعزى إلى المفعول المباشر والمحدد لظروف الحياة الخارجية، وبعضه إلى السلوك، ولكن الإنسان الأحمق فقط هو الذي يعتد بمثل هذه العوامل لإحداث مثل هذه الفروقات ما بين جواد جر العربات وجواد السباق، وبين الكلب السلوقي والكلب الدموم، وبين الحمام الزاجل والحمام البهلواني. فإنه من أكثر الصفات بروزا في أعراقنا المدجنة، هي أننا نستطيع أن نشاهد فيها تكيفا، ليس بالضرورة للمنفعة الخاصة بالحيوان أو النبات، ولكن لاستخدام الإنسان أو لميوله الخاصة. فقد يكون من المحتمل أن بعض التمايزات المفيدة له قد ظهرت فجأة، أو بدأت بخطوة واحدة، فالعديد من علماء النبات مثلا، يعتقدون أن نبات الدبساسية الذي يستخدم في تقصير الأنسجة الصوفية، والكلابات الخاصة به، والتي لا يمكن مضارعتها بأي أداة ميكانيكية مخترعة، ما هو إلا ضرب من مجموعة الدبساق البري، وأن هذا القدر من التغيير قد انبثق فجأة في إحدى النباتات. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 90/91)
داروين يرينا الخطوات التي قد تم من خلالها إنتاج أعراقنا الداجنة التي قال قبل قليل أن نشأتها شيء سيبقى مبهما إلى الأبد. وهو يرى أن المفعول المباشر والمحدد لظروف الحياة الخارجية، والسلوك لا يمكن أن ينتجا الفروقات التي نراها بين صنفين (أو ضربين) من نفس الحيوان (سينقض هذا الكلام لاحقا عند تناول تأثير الاستخدام من عدمه). يقول إن هناك عوامل أخرى. ما هي؟ لا يذكرها، وإنما يشير إلى أن أكثر الصفات بروزا في أعراقنا المدجنة، هي أنها تتكيف، ليس بالضرورة للمنفعة الخاصة بالحيوان أو النبات، ولكن لاستخدام الإنسان أو لميوله الخاصة. تُرى هل كان داروين يعرف الفرق بين عبارات من قبيل: تكيف، وتعديل، وتمايز؟
يريد داروين من كل بد إنشاء رابط بين ما يحدث في التدجين، أي رعاية الإنسان لنباتاته وحيواناته، وبين ما يحدث من انتقاء للكائنات الحية في الطبيعة. إنه يسير باتجاه اتخاذ مجال التدجين كميدان مصغر عن الطبيعة بكليتها ليسقط ما يجدها هنا على الطبيعة، وبالتالي تقديم دليل على أن ما يقوله عن الانتقاء الطبيعي صحيح. يقول:
والمفتاح لكل ما حدث هو في قدرة الإنسان على الانتقاء التراكمي، فالطبيعة تعطي تمايزات متعاقبة، والإنسان يجمعها في اتجاهات معينة مفيدة له. ويمكن أن يقال من هذا المنطلق إنه قد حقق لنفسه سلالات مفيدة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 91/92)
نتساءل مرة أخرى: من أين تأتي هذه التمايزات والحيوان في عهدة الإنسان، يوفر له الطعام فلا يحتاج إلى التصارع عليه؟ أليس الانتقاء الطبيعي هو البقاء للأصلح، والأصلح هو من ينتصر في الصراع على الغذاء؟ هذا ما قاله داروين حتى الآن. ونتساءل عن قدرة الإنسان على جمع هذه التمايزات في اتجاهات معينة، تكون عند تراكمها مفيدة للإنسان. حسب ما أخبرنا داروين حتى الآن فإن الانتقاء الطبيعي يحافظ على التمايزات المفيدة للكائن الحي نفسه، ويكدسها حتى تنتقل عبر الوراثة إلى الأجيال التالية! فكيف يقلب الإنسان تلك التمايزات لمنفعته هو؟ وكيف يستطيع الانتقاء الطبيعي الاستمرار في تكديس تلك التمايزات والإنسان يقطعها، ويحولها لصالحه؟ ولماذا عساه يستمر في ذلك؟ إن أي باحث جاد يقول مثل هذا الكلام يكون مطالبا بأن يبين الكيفية التي تحدث فيها هذه الأمور، وعدم الاكتفاء بإلقاء الكلام على عواهنه.
ويُفهم من هذا أن الإنسان يقوم بدور المراقب للكائنات الحية لديه، فكلما أعطت الطبيعة تمايزا جديدا لكائن حي، يأخذه الإنسان فيضيفه إلى التمايزات السابقة حتى تأتي لحظة تؤدي فيها هذه التمايزات المتراكمة إلى ما فيه فائدة للإنسان! أي إن الإنسان هو الذي يكدس الآن التمايزات، وليس الانتقاء الطبيعي. القارئ سيسأل هنا: من يقوم بماذا؟ ثم إن هذا الكلام غير صحيح، فالإنسان يتدخل وقتما يشاء لتحسين صفات معينة في الكائنات الحية التي يستفيد منها، دون انتظار حصول تمايزات تعطيها الطبيعة، وتراكمها. الإنسان وجد في الطبيعة حيوانات كاملة ومفيدة، والإنسان يريد أن يعظّم فائدته منها، لا غير.
إن محاولة الإنسان القيام بتحسين صفات معينة في بعض من حيواناته ليست، بطبيعة الحال، منفصلة عن فهمه للطبيعة، وفي الحقيقة لبعض القوانين والآليات البيولوجية التي تعمل الطبيعة وفقا لها. إن تدخل الإنسان يعتمد على الاستفادة من هذا الفهم وإحداث تحسينات يرغب في حصولها. التحسينات تحدث عبر التحكم إلى حد ما بالآليات الموجودة في الطبيعة، فيما يتعلق بنمو الكائنات الحية – ليس بالضرورة تلك التي يراها داروين متعلقة بالانتقاء. والتحكم لا يعني حرف فعل القوانين عن مسارها، بل ربما تسريعها، مثلا. إن الإنسان يمكنه تسريع نمو بعض الكائنات الحية، أو نمو أجزاء من جسمها إلى حد ما عن طريق إعطائها هورمونات معينة، فالدجاج يصل إلى حجم معين خلال ثلاثة أشهر من النمو الطبيعي؛ الإنسان يمكن أن يتدخل، فيوصل الدجاج، بفضل الهرمومات، إلى نفس الحجم خلال ثلاثة أسابيع. هل الانتقاء الطبيعي يستخدم هرمونات في عملية تكديس التمايزات؟ مع هذا، لن يستطيع الإنسان إيصال حجم الدجاج إلى حجم النعام، ناهيك عن تحويله إلى نعام. ويمتد تدخل الإنسان إلى التحكم بالتهجين، واستيلاد سلالات جديدة من تزاوج ضربين من الكائنات الحية. وهذه السلالات تبقى ضمن النوع نفسه. وهنا أيضا يستفيد الإنسان من فهمه لقوانين الطبيعة، عبر ملاحظاته ومراقباته طويلة الأمد للظواهر في الطبيعة. بينما الانتقاء الطبيعي يتحكم بالتمايزات التي تحدث نتيجة الصراع على الغذاء. وتحكمه هذا يؤدي في آخر المطاف إلى تغيير النوع إلى نوع آخر.
ويستمر داروين في إجهاد نفسه لإيجاد رابط متين بين التدجين والانتقاء الطبيعي – أولا وأخيرا باللعب على عبارة “انتقاء”. ويأتي أخيرا إلى مثال عملي (والمثال لا يأتي بطبيعة الحال من بحث قام به بنفسه). إنه يشير إلى خبراء عديدين يتحدثون عما يمكن أن يفعله المزارعون بخصوص (انتقاء؟) صفات حيواناتهم ، مثلا:
وقد صرح اللورد سمرفيل (somerville) بما صنعه المستولدون للخراف، وجاء في أقواله “يبدو وكأنهم رسموا بالطباشير على الحائط شكلا مثاليا بالنسبة إليهم، وقاموا بعد ذلك بإعطائه الوجود، وفي مقاطعة ساكسوني (Saxony) فإن أهمية مبدأ الانتقاء فيما يتعلق بالخراف الإسبانية من نوع الميرينوس شيء معترف به تماما، والرجال هناك يتبعونه كمهنة: فالخراف توضع على منضدة وتدرس مثلما تدرس لوحة بواسطة خبير مطلع، ويجري عمل ذلك ثلاث مرات على فترات تمتد كل منها إلى شهور، وفي كل مرة يتم إعطاء الخروف علامات ودرجات، وذلك حتى يتم انتقاء أكثرها صلاحية للتكاثر. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 92)
إن هذا الوصف المفصل لكيفية (انتقاء) مزارعي ساكسوني لخرافهم مثير حقا، لكنه يحتاج إلى تبيان بعض الأمور الأساسية، فأولا لا وجود هنا للانتقاء؛ ليس أمام المزارعين شيئان أو أكثر، مثلا مفيد وضار، حتى يُنتقى أحدهما، أي المفيد، كما هي الحال في عمل الانتقاء الطبيعي؛ هناك صفة جيدة يراد تحسينها. وثانيا، هنا الفاعل معروف ويتميز بالوعي والإرادة، وله هدف واحد، وهو التحسين – الفاعل يحاول أن يحسّن فقط؛ بينما وجدنا الانتقاء الطبيعي لا يترك صغيرة ولا كبيرة في الكائن الحي لا يتدخل فيه حتى يغيره إلى نوع آخر. وثالثا، إن الوسائل التي يتبعها المزارعون واضحة، في حين لم يشرح لنا داروين حتى الآن حيثيات عمل الانتقاء الطبيعي. ورابعا، يحتاج داروين إلى مقارنة الخطوات العملية فيما يفعله المزارعون مع الخطوات العملية فيما يفعله الانتقاء الطبيعي. هل هناك في عمل المزارعين، مثلا، صراع على الغذاء بتجويع الحيوانات وجعلها تتصارع على الطعام؟ هل هناك تهجين في عمل الانتقاء الطبيعي؟ هل هناك آليات ميكانيكية مشتركة بين النموذجين، مثلا الاستخدام وعدم الاستخدام؟ بأية طريقة أو وسيلة، فالمزارعون يمكنهم منع الخراف من الحركة كي تنمو بسرعة، فماذا يفعل الانتقاء الطبيعي؟ هل هناك تدخل في الجينات في عمل الانتقاء الطبيعي؟ (مزارعو ساكسوني لم يكونوا يعرفونها وقتها، أما الآن فهذه وسيلة متبعة). إن توضيح كل ذلك ضروري كي يتسنى لنا إجراء مقارنة معقولة بين التكييف، أو التعديل، أو التحسين على أيدي المزارعين والتمايز في الطبيعة. داروين لا يروي لنا ذلك الجانب من القصة.
داروين يستخدم عبارة “انتقاء” في عمل المزارعين في منطقة ساكسوني بنفس المفهوم كما يستخدمها في مجال الطبيعة. المزارعون (وهم، كما قلنا، فاعلون يتميزون بالوعي والإرادة، ويعرفون مسبقا ما يريدون حتى أنهم يرسمون ما يريدونه على الحائط بالطباشير) معجبون بالخراف الإسبانية. وهذه الخراف، عند إنتاجها، ستبقى خرافا، فقد تصبح أكبر حجما، وأوفر شحما، وأطيب لحما، لكنها لن تصبح غزلانا أو فيلة، مهما عدل المزارعون في صفاتها. بينما نحن عرفنا من داروين حتى الآن، وسنسمع منه المزيد، أن عمل الانتقاء الطبيعي يتلخص في أن الكائن الحي يتعرض، نتيجة الصراع على الغذاء من أجل البقاء، إلى تعديلات بسيطة، وعديدة، وبطيئة تؤدي إلى تغيير نوعه، دون تضريب أو تهجين، حتى أنه قد ينشأ، بفعل الانتقاء الطبيعي، طائر من ديناصور (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 558).
ثم إن ما يقوم به الإنسان، الانجليزي وغير الانجليزي، هو تحسين صفات معينة في بعض الخراف، أي في أفراد من نوع ما. أما النوع بكليته، فلن ينقرض، بل وإن الناس في أماكن بعيدة عن ساكسوني، سيحافظون على الأفراد التي لديهم من نفس النوع؛ بينما الانتقاء الطبيعي ينتقي، وفقا لداروين، من بين الأنواع من تبقيه على قيد الحياة عبر تزويده بتمايزات تجعله قادرا على الانتصار في الصراع على الغذاء، ثم يغير النوع إلى نوع آخر، أو يتعاون مع قانون الإبادة للتخلص منه. لذلك فإن استخدام نفس العبارة هنا، أي (الانتقاء)، ينطوي على عدم دقة، ولا بد أن يكون لغياب الدقة أثر على صياغة النظرية بشكل عام.
إن الإنسان يمكن أن يبدع في تحسين بعض الصفات وفي بعض الكائنات الحية التي يدجنها، لكنه لا ينتظر تراكم التمايزات التي تعطيها الطبيعة أو الانتقاء الطبيعي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يخمن خطط الطبيعة للكائن الحي، للحصان مثلا. يقول داروين أن الانتقاء الطبيعي، أنتج الحصان وحيوانات أخرى كثيرة من حيوان بحري شبيه بالسمك. يقول داروين:
ولكننا من الممكن أيضا أن نجازف بالاعتقاد في أن العظام الكثيرة المختلفة الموجودة في الأطراف الخاصة بالقرد، والحصان، والخفاش، قد تكونت في الأصل، اتباعا لمبدأ المنفعة، غالبا من خلال الإقلال من عظام أكثر في العدد كانت موجودة في الزعنفة الخاصة بالأصل الأبوي القديم المشابه للسمك الخاص بكل طائفة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 322)
فما أدرى المزارعين بما يخبئه الانتقاء الطبيعي للحصان مثلا، فقد يخطط لإعادته إلى نفس الحيوان البحري الشبيه بالسمك، بينما الإنسان يريد أن يبقى الحصان حصانا له صفات أحسن كحصان. ويبدو أن الحديث كله لا يقنع داروينَ نفسه، فيبحث عن دليل آخر على تماثل الانتقاء الطبيعي مع ما يسميه الانتقاء الإنساني.
الانتقاء غير المقصود
يخصص داروين مساحة كبيرة في كتابه للحديث عن (الانتقاء) عن طريق التدجين، أي بتدخل الإنسان وإرادته. ويتعمق في تفصيل التعديلات في الحيوانات المدجنة. ويطلق على هذه العملية عبارة “الانتقاء المنهجي” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 96)، لكنه يتحدث في المكان نفسه عن نوع من الانتقاء يقول عنه أنه أكثر أهمية من الانتقاء المنهجي، ألا وهو الانتقاء غير المقصود – ويسميه أحيانا الانتقاء اللاواعي. لكنه لا يوضح لنا نهائيا لماذا هذا النوع أكثر أهمية.
لو بحثنا في كل مناقشات داروين وتخريجاته للانتقاء الطبيعي وقدراته البهلوانية فإننا لن نجد مكانا واحدا في كتابه يخبرنا فيه أن هذا الانتقاء الطبيعي هو انتقاء منهجي، مع أن كل ما يقوله يشير إلى أن عمل الانتقاء الطبيعي منهجي تماما، ويتكرر مع كل كائن حي، ومع كل نوع من الكائنات الحية، ومنذ مئات الملايين من السنين. داروين يغض النظر عن هذه الحقيقة التي يقاتل في كل كتابه من أجل إثباتها، ويجعل الانتقاء المنهجي حكرا على الإنسان في حالة التدجين – أو على مزارعي ساكسوني إلى إشعار آخر. أما الانتقاء الطبيعي فغير مقصود، إنه تحصيل حاصل لجملة من التمايزات التي تحصل على مدى ملايين السنين. ويبدو أن هذا هو مربط الفرس في حديث داروين عن الانتقاء الإنساني غير المقصود والتأكيد على أنه أهم من الانتقاء المنهجي. إنه، أي الانتقاء غير المقصود، القاسم المشترك الأعظم بين التدجين وبين الانتقاء في الطبيعة.
إنه يباشر الحديث عن الانتقاء غير المقصود بقوله:
المستولدون البارزون للحيوانات يقومون في وقتنا الحالي بمحاولات عن طريق الانتقاء المنهجي، واضعين نصب أعينهم غرضا محددا لإنتاج عترات أو سلالات فرعية، متميزة عن أي شيء موجود في البلد، ولكن ما يخصنا في هذا الموضوع، أنه يوجد نوع آخر من الانتقاء، هو أكثر أهمية وهو الذي يسمى الانتقاء غير المقصود، والذي ينتج من محاولة كل فرد أن يمتلك ويستولد من أفضل الحيوانات الفردية. وهكذا، فإن الإنسان الذي ينوي تربية كلاب الصيد المؤشرة، فمن الطبيعي أن يحاول الحصول بقدر استطاعته على أفضل الكلاب، ثم بعد ذلك يستولد من بين أفضل الكلاب التي لديه، مع أنه لا توجد لديه أي رغبة أو توقع لتغيير السلالة بشكل دائم. ومع ذلك فقد نستنتج أن هذه العملية، لو استمرت لعدة قرون، فإنها ستؤدي إلى تحسين وإلى تغيير أي سلالة … (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 96)
يقول إنه لو استمرت عملية الانتقاء غير المقصود في حالة التدجين لعدة قرون، فإنها ستؤدي إلى تحسين وإلى تغيير أي سلالة! كيف يمكن أن يستمر عمل (انتقاء) غير مقصود يقع على حيوان ما لعدة قرون؟ إن أي مراقب سيسأل داروين أولا: متى راقب انتقاءً غير مقصود تواصل لعدة قرون، واستنتج ذلك؟
ويدعم داروين فكرة الانتقاء غير المقصود بمثال آخر بالارتباط مع الناس البدائيين غير المتمدينين الذين يأكلون في أوقات المجاعة نساءهم العجائز ويتركون كلابهم. يقول:
وإذا كان يوجد أناس بدائيون بلغوا من الهمجية شأنا يبلغ عدم التفكير في الصفات الوراثية لذراري حيواناتهم الداجنة، ومع ذلك فإن حيوانا معينا أثبت أنه مفيد لهم لأي غرض ما، وعنوا بالاحتفاظ به أثناء فترات المجاعة والحوادث الأخرى التي قد يتعرض له هؤلاء البدائيون، وبالتالي فإن هذه الحيوانات قد تركت خلفها ذرية أكثر من الحيوانات الأخرى الأقل شأنا، وبهذا فإن هذه الحالة تصلح لأن تكون مجالا ومثالا لنوع من أنواع الانتقاء غير المقصود. ونحن نرى أن القيمة التي تقدر على الحيوانات، حتى بواسطة السكان البدائيين لجزيرة أرض النار (Tierra del Fuego) ممثلة في أنهم يقتلون ويلتهمون نساءهم كبار السن، في أوقات المجاعة، على أساس أن قيمتهن أقل من قيمة كلابهم. (ص 98)
ولكن مهلا، فهناك ملاحظة جانبية! في هذا المثال يقول داروين إن البدائيين وُضعوا أمام الأمر الواقع: أن ينتقوا من يبقى على قيد الحياة، النساء العجائز أم الكلاب، فانتقوا الكلاب. كيف كان ذلك، إذن، غير مقصود؟ ثم إننا نجد أن النتيجة هي أن الكلاب تبقى على قيد الحياة، وتخلف ذراري، دون أن يعني ذلك أنها صارت سلالة أفضل.
داروين يطور فكرة الانتقاء غير المقصود لجعله حلقة الوصل بين التدجين والطبيعة. ننظر في المقاربة الآتية التي يفهم منها أن (الانتقاء) في التدجين هو أيضا في الأصل غير مقصود وأقرب إلى أن يكون مشابها للانتقاء في الطبيعة، فهو بدأ أيضا مع البدائيين غير المتمدينين، وما تزال الحيوانات المدجنة في مناطق البدائيين غير المتمدينين تعيش نفس ظروف الطبيعة في الصراع على الغذاء:
أما فيما يتعلق بالحيوانات الداجنة التي قام بتربيتها أناس غير متمدينين، فيجب ألا يفوتنا أنها قد كانت مضطرة إلى أن تكون في حالة صراع دائم تقريبا للحصول على الطعام، أو على الأقل في أثناء مواسم معينة. وما الذي يحدث في بلدين مختلفين تماما في الظروف، فإن الأفراد التابعين لنفس النوع، التي بينها اختلافات بسيطة في البنيات والتركيب، قد تكون في معظم الأحيان لديها فرصة أفضل للنجاح في البقاء في بلد منهما أكثر مما في البلد الآخر، وهكذا فعن طريق “الانتقاء الطبيعي”، وكما سيتم توضيحه بالكامل فيما بعد، فمن المحتمل أنه قد حدث تكوين لنوعين فرعيين، وربما يكون في ذلك رد على التساؤل الذي أبداه بعض الباحثين عن السبب في أن الضروب التي تقوم بتربيتها الأقوام البدائية لديها من الصفات الموجودة في الأنواع الأصلية، أكثر من الضروب التي يقوم بتربيتها مواطنو البلاد المتحضرة. (ص 100)
على هذا يمكن القول، إذن، أن التدجين في مناطق البدائيين مشمول، أصلا، بنفس القوانين السائدة في الطبيعة، خاصة فيما يتعلق بالصراع على الطعام. ألا يُفهم من هذا – وهو زلل غير مقصود من داروين، أن حيواناتنا المدجنة، ونباتاتنا أيضا، يمكن تقسيمها إلى قسمين، تلك المدجنة في مناطق المتحضرين مثل ساكسوني، وتلك المدجنة في مناطق البدائيين غير المتمدينين في أرض النار؟ هذا يعني أن داروين لا يمكنه أن يطلق أي حكم قائم على المقارنة بين (الانتقاء) من قبل الإنسان بشكل مطلق وبين الانتقاء الطبيعي. عليه أن يحدد أي الحالتين تمثل (الانتقاء) من قبل الإنسان، الانتقاء من قبل المتحضرين أم الانتقاء من قبل البدائيين.
داروين يريد الاستفادة من شكلي ما يسميه الانتقاء من قبل الإنسان، أي انتقاء المتحضرين، وانتقاء البدائيين غير المتمدينين. في الأول هناك تخطيط ورسم بالطباشير للصفات التي (ينتقيها) المزارعون، وفي الثاني تطابق في الظروف الخارجية بين التدجين والطبيعة، أي إنهما كلاهما ساحة عمل الانتقاء الطبيعي!
أشرنا سابقا إلى أن داروين كان، أصلا، مطالبا بأن يطور نظرية لتطور عالم الحيوان، وأخر لتطور عالم النبات. لكنه اختار أو (انتقى) أن يخلط الطبيعة كلها في نظرية واحدة! إنه يفعل الشيء نفسه هنا، فهو يتحدث عن نوعين من الانتقاء في حالة التدجين، منهجي وغير مقصود، لكنه يخلطهما في كل واحد اسمه التدجين، ويضع التدجين مقابل الطبيعة كنموذجين متماثلين إلى حد بعيد، بحيث أن المبادئ التي تسري في الأول تسري في الثاني أيضا.
يتبع ..
2021-02-07