من الدين الي الدم موسوعة (التحقيقات السرية لتنظيمات العنف الديني في مصر (من 1928-2026-) !
د.رفعت سيدأحمد *
ج3/ق1
الجزء الثالث
ويشمل: أولا: الإخوان والسنوات الاولي لثورة يوليو1952الثورة ثانيا : الجلسلت من (1-11) لمحاكمات مارس 1954
أولا: الإخوان والسنوات الاولي لثورة يوليو1952الثورة
* إن التاريخ السرى لتنظيمات التطرف الديني فى مصر خلال التسعين عاماً الماضية يؤكد أن جماعة الإخوان كانت هى المنبع الذى منه خرجت وأينعت تلك التنظيمات بما فيها داعش والقاعدة، وإن بدرجات وأداء سياسى وعسكرى مختلف. ولعل فى تناول أشهر صدامين بين الإخوان وثورة يوليو 1952 ما يفيد فى هذا الصدد، ولكن، وقبل الوصول الى الصدامين دعونا نبحث فى مقدمات الثورة، ودور الإخوان فى مصر قبلها وعلاقاتهم – إن وجدت – بتنظيم الضباط الأحرار.
***
بداية يحدثنا التاريخ أن العلاقة بين الضباط الأحرار والإخوان المسلمين تعود إلى منتصف الأربعينات ، حين كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر تدخل مرحلة دقيقة في مواجهة القصر والانجليز ، ومثلت هذه الأوضاع في مجملها ، نقطة الالتقاء التى وحدت أغلب القوى السياسية الوطنية وفى اطار تفاعلات الأربعينات ولدت العلاقة بين الإخوان المسلمين وتنظيم الضباط الأحرار ، ويرى البعض أن بداية تنظيم الضباط الأحرار تعود إلى عام 1938 في منقباد ، عندما كان عبد الناصر وأنور السادات ، وبعض الضباط حديثى التخرج ، هناك ، فبدأوا في تشكيل تنظيمهم(1).
ومنذ ذلك الحين انعكست على تنظيم الضباط الأحرار الأحداث التى أثرت على مجرى الحياة السياسية في المجتمع المصرى ، وأهمها حادث 4 فبراير 1942 وثورة رشيد عالى الكيلانى في العراق وظروف الحرب العالمية الثانية ، ثم حرب فلسطين عام 1948 التى تعد وبحق أحد الأسباب المباشرة التى عجلت بقيام ثورة يوليو 1952 نتيجة لتزايد السخط في نفوس ضباط الجيش مما لاقوه في هذه الحرب .
وتمكنت الجماعات الدينية المتطرفة ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين ، والتنظيمات الماركسية ومصر الفتاة من اجتذاب بعض الشباب من ضباط الجيش إلى الاهتمام بالقضايا العامة ، وأدى ذلك إلى أن تتباين الاتجاهات داخل تنظيم الضباط الأحرار حيث سبق أن انضم بعضهم إلى جماعة الإخوان مثل عبد المنعم الرؤوف ، وأنور السادات ، وكمال الدين حسين ، وانضم البعض الآخر إلى الأحزاب اليسارية مثل يوسف صديق ، وأحمد حمروش ، وخالد محى الدين(2).
ويرى البعض أن اتصال جماعة الإخوان بالضباط الأحرار بدأ منذ الحرب العالمية الثانية ، وكان عزيز المصرى يمثل نقطة البداية في هذه الاتصالات ، إذ إن صلة الإخوان بعزيز المصرى كانت سابقة لصلتهم بالجيش ، وكذلك لصلة الضباط به ، فقد قام وفد من الإخوان وعلى رأسهم حسن البنا المرشد العام للجماعة باستقبال عزيز المصرى في المطار ، إثر عودته من لندن عام 1937 ، وقد استقبله في المطار ثلاثة أشخاص يرتدون الملابس الإسلامية وقدموا له التحية “(3).
ومنذ ذلك التاريخ توطدت العلاقة بين حسن البنا وعزيز المصرى ، ويشير أنور السادات إلى الاتصال الذى جرى بين الضباط الأحرار والإخوان بأنه قد قابل حسن البنا عام 1940 وتكررت زياراته له وكان (الشيخ) حسن البنا هو من قدمه إلى عزيز المصرى أول مرة وعرض عليه الانضمام إلى جماعة الإخوان وكاشفه عن نشاطه في جمع السلاح وتخزينه والتزامه السرية الكاملة في ذلك حتى على الإخوان أنفسهم ويذكر السادات أنه فرح يومها عندما عرف أن الضباط عندما يضربون ضربتهم سيجدون قوة شعبية تقف في الصف الثانى مسلحة ومدربة(4) .
وقد حل عبد المنعم عبد الرؤوف محل أنور السادات كضابط اتصال بين الجيش والإخوان بعد القبض على السادات في أغسطس 1942 ومعه زميله حسن عزت بسبب اتصاله بعملاء الألمان ، وأخذ عبد المنعم عبد الرؤوف يدعو في الصفوف العليا للضباط لتأييد الإخوان وساعده في ذلك محمود لبيب وكيل الشئون العسكرية بحركة الإخوان ، وتم لقاء بين محمود لبيب ضابط الجيش المتقاعد ، وجمال عبد الناصر في صيف 1944 (5).
*ومن الواضح أن عبد الناصر إنضم شكليا فقط لتلك الجماعة حتي يفهم أغراضها جيدا ثم لحقه-في الانضمام الشكلي – ضباطا آخربن داخل الجيش مثل رشاد مهنا وكمال الدين حسين ، وحسين الشافعى ، ولعب عبد المنعم عبد الرؤوف دوراً هاماً في إقناع بعض الضباط بضمهم إلى الجماعة وفى فبراير 1946 وكانوا يتوقعون منها بعض الخدمات (6). وإن كان التاريخ الكاشف لدورهم لاحقا أثبت غير ذلك وخابت كل توقعاتهم !
ولقد بدأ الإخوان المسلمون في صورة طيبة أمام أعين تنظيم الضباط الأحرار بعد انتهاء الحرب ويرجع أحد الكتاب انجذاب عدد من ضباط الجيش لجماعة الإخوان إلى سببين : معاداة الجماعة للحزبية ، وما اتسم به نظامها من دقة حيث كانت أكثر انضباطاً من كافة الأحزاب(7) ومن ثم عمل الضباط الأحرار كحلقة وصل بين الجيش والإخوان ليعملوا معاً دون روابط ظاهرة إلى أن يحين الوقت ، على أنه في عام 1946 ابتعد تنظيم الضباط الأحرار عن الإخوان بعد ما شاهد شباب الضباط من وقوف جماعة الإخوان مع اسماعيل صدقى باشا رئيس الوزراء ضد الحركة الوطنية المعادية للحلفاء وكذلك نتيجة للشكوك التى أعقبت استقالة إبراهيم حسن من حركة الإخوان وطرد أحمد السكرى وقد أوحى ذلك بأن حركة الإخوان تعانى من الاضطراب الداخلى في الوقت الذى تحوم حولها شبهة الاتفاق مع القصر ، وهى الشبهات التى دفعت أحد السياسيين البارزين في تلك الفترة إلى أن يرى أن حسن البنا أداة في يد الرجعية وفى يد الرأسمالية اليهودية ، وفى يد الانجليز وصدقى باشا ، ومن ثم القصر”(8) .
كما يرجع أحد أسباب التباعد بين الضباط والإخوان إلى الضيق الذى شعر به الضباط حين ذهبوا إلى الجماعة كمدربين عسكريين وإذ بهم يدربون بواسطة مدنيين من قبل الإخوان(9).
إلا أن العديد من مؤرخى هذه الفترة من تاريخ مصر يرون أن المسألة الوطنية وحرب فلسطين كانتا هما نقطة الالتقاء التى تجمعت حولها أغلب القوى الوطنية –رغم أن تاريخ وعلاقة الاخوان بفلسطين مبالغ فيها من الأخوان ولم تكن صحيحة تماما بل شاركوا جزئيا فقط في تلك الحرب كما أظهرنا في مقدمة الطبعة الثانية للموسوعة -، علي اية حال ووفقا للبعض فأن المسألة الوطنية وفلسطين بالتالى تصلح هنا لأن تكون معياراً للتمييز بين القوى السياسية حينئذ وليس موقفها أو تركيبها الطبقى أو الاجتماعى(10)، من هنا كان لحرب فلسطين تأثير قوى في تخفيف التباعد السابق الذى حدث بين الإخوان والضباط الأحرار ، لما كان لهم من دور-ولو كان محدودا- في هذه الحرب ،.
وبعد الحرب ، وانطلاقاً من ذات الاعجاب المتبادل ، وضع مجلس قيادة الثورة نصباً تذكارياً في ” مقبرة فلسطين ” به قائمة بأسماء المتطوعين من الإخوان الذين حاربوا في معارك فلسطين(11)، وعندما استدعى عبد الناصر أمام إبراهيم عبد الهادى الذى سأله عما إذا كان يؤيد حكم الإخوان لمصر فأجاب ” إن بعض المصريين يفضلون السعديين وبعضهم يفضل حكم الوفديين ، والبعض الآخر يفضل الإخوان (12) بل إن العلاقة بين الإخوان وعبد الناصر دخلت مرحلة أكثر ترابطاً مع اقتراب يوم اعلان الثورة في 23 يوليو 1952 ، ففى ديسمبر 1950 ثارت شبهات حول أمر الضباط الأحرار وتم القبض على عدد منهم قبل الإعلان رسمياً عن تدخلهم في المسائل السياسية ، وقد أدى ذلك إلى مزيد من التقارب بين الطرفين واحتساباً لأسوأ الاحتمالات قام جمال عبد الناصر بترتيبات سرية لنقل مخزون الأسلحة وإخفائه في عزبة محمود العشماوى والد صديقه حسن العشماوى ، أحد أعضاء جماعة الإخوان الذى قام بتسليم الأسلحة فيما بعد ، والتى قام عبد الناصر – قبل وقت قصير من قيام الثورة – بتسليح وبتدريب المتطوعين لكتائب التحرير عليها ، وكان منهم بعض الاخوان ، وهى الكتائب التى أرسلت لمنطقة القناة ، وكانت الإسماعيلية هى المقر المركزى لهذا النشاط ، وكان الشيخ محمد فرغلى رئيس شعبة الإسماعيلية هو أداة الاتصال.
ويرى البعض أنه كانت هناك علاقة بين الإخوان وعملية الاعداد للثورة ، فقد كانت هناك ثلاث شخصيات بارزة من الإخوان على علم مقدماً بموعد الثورة وهم صلاح شادى العضو القيادى للبوليس السرى داخل حركة الاخوان ، وحسن عشماوى الذى أخفى الأسلحة في عزبة والده عام 1950 ، وعبد الرحمن السندى رئيس الجهاز الخاص ، إلا أنه ورغم أن اثنين من هؤلاء الثلاثة وهما : صلاح شادى ، وحسن عشماوى ، كانا من أبرز أنصار حسن الهضيبى فإن الهضيبى قد آثر الحذر ازاء الثورة ، ويرجع ذلك في رأى هؤلاء إلى ميله مثل كل الاخوان في زمانه الي (التردد والحذر في المسائل الكبرى والمصيرية !) ولان الحسم والشجاعة ، لازمان لأى ثورة ، وهو ما لم يتصف به الهضيبي وكان علي حذر وتردد (13) .
وكان من نتيجة الاتصال بين الاخوان والثورة أن تم التوصل إلى اتفاق بين المجموعتين بخصوص الدور الذى يمكن أن يلعبه الاخوان يوم الثورة ، وكان الاتفاق كما يذكر (ريتشارد ميتشيل في كتابه عن الاخوان )حول ثلاثة أدوار أساسية :
الأول : إذا ما نجحت حركة الثورة فعلى الإخوان تأمين الوضع في الداخل وحماية المنشآت الأجنبية وإثارة حماس الجماهير لها إذا ما احتاج الأمر ذلك .
الثانى : على الإخوان أن يساعدوا في حماية الضباط الأحرار وتوفير سبل الهرب لهم إذا ما فشلت الثورة .
الثالث : التصدى لأى تدخل بريطانى محتمل الوقوع(14) .
وهكذا كانت الصورة العامة للعلاقة بين حركة الإخوان ، والضباط الأحرار قبل يوم 23 يوليو 1952 ، وهى الصورة العامة التى لا يمكن فهمها أكثر ، دونما معرفة رأى أصحابها الحقيقيين فيها ، ولاكتمال التحليل يورد الباحث وجهتى النظر لطرفى العلاقة الأصليين في منشأ هذه العلاقة .
1 – وجهة نظر الإخوان : ترد هنا روايتان لاثنين من الشخصيات الثلاث التى قيل إنها كانت على علم مسبق بميعاد الثورة ، وهما صلاح شادى وحسن العشماوى ، يرى صلاح شادى أن الإخوان أنفسهم هم الذين كونوا الضباط الأحرار ، فلقد كوَّن حسن البنا نظاماً خاصاً للإخوان يضم مدنيين وعسكريين يؤهلون تأهيلاً عسكرياً للقيام بأعمال عسكرية يتطلبها نشاط الجماعة في الداخل أو الخارج ، وكان ارتباط جمال عبد الناصر ، وكمال الدين حسين ، وغيرهم من الضباط ضمن تشكيل -الشكلي وليس الأصيل كما يذهب البعض !-هذا النظام الخاص له هذه الصيغة باعتبارهم من المنضمين لتلك الجماعة ، فلما تكاثر عدد الضباط بدأ ا حسن البنا يفكر في تشكيل قيادة خاصة لهؤلاء الضباط تكون مستقلة عن النظام الخاص وأسند رئاستها للصاغ محمود لبيب وكيل الجماعة باعتباره ضابطاً سابقاً بالجيش ، وكان يرى أن يجعل لهذا النشاط اسماً حركياً بعيداً عن الإخوان ا فسماهم (لضباط الأحرار) هذه هى رواية صلاح شادى(15) رغم شططها وإخوانيتها ورغم مخالفتها للواقع تماما !.
أما حسن العشماوى(16) فيرى أن تنظيم الضباط الأحرار بدأ أصلاً بمجموعة من مجموعات الإخوان المسلمين في الجيش ولكنها انفصلت عام 1948 حين استطاع جمال عبد الناصر الذى كان قد تردد قبل ذلك على أكثر من هيئة سياسية احتفظ بزملاء له فيها ، أن يقنع رئيسه الضابط المتقاعد بانفصالها واستقلالها بكثير من أمورها الخاصة على أن يكون اللقاء في الخطوط الرئيسية والأهداف وأن حجة عبد الناصر الرئيسية في الانفصال كانت أن الشروط الخلقية التى يتطلبها الانضمام إليها ، لم تكن متوفرة لدى أغلب الضباط .
وبعد انفصال تنظيم الضباط الأحرار – وفقاً لرواية حسن العشماوى – توسع عبد الناصر في ضم الضباط إليها بغير شروط غير مجرد السخط على نظام الحكم ، وهكذا ضم ذلك التنظيم أشخاصاً ينتمون إلى مختلف الهيئات السياسية في مصر ، وظل كل منهم يظن أن عبد الناصر يوافقه على مبادئه ، ثم ضمت مجموعة من الغارقين في العبث فاحتاجوا إلى تعليمهم ، ويؤكد العشماوى أنه قد عرف جمال عبد الناصر في أكتوبر 1951 بعد المعاهدة المصرية البريطانية عندما دخل مكتبه بزيه العسكرى واتخذ له اسماً مستعاراً هو ” زغلول عبد القادر ” ، ومنذ ذلك الوقت كما يقول حسن العشماوى أصبح أحد أدوات الاتصال بين الضباط الأحرار والإخوان في أمور معارك قناة السويس ، وأن الصلة بينه وبين عبد الناصر قد توطدت إلى الحد الذى شكا له فيه عبد الناصر من جهالة زملائه وضيق أفقهم فهو قد جمعهم من مجالس تحضير الأرواح والجان ولم يستطع أن يرتقى بمداركهم عن مستواهم القديم .
وهكذا تتحدد وجهة نظر الإخوان في أن الضباط الأحرار قد خرجوا من رحم حركة الإخوان ، وأن انفصالهم تم بتخطيط من عبد الناصر ، ولاعتبارات وتوازنات سياسية ، تفهمها وقبلها الطرفان ، وأن هذا الانفصال لم يمنع من استمرار العلاقة التى بدأت في رأيهم على أيام الشيخ حسن البنا أى قبل عام 1949 وهو تاريخ اغتياله .
2 – وجهة نظر الضباط الأحرار : يمكن بلورة وجهة النظر هذه من كتابات خالد محى الدين، وأنور السادات وجمال عبد الناصر ، فيروى خالد محى الدين جذور العلاقة قائلاً بأن الصاغ ثروت عكاشة طلب إليه في يوليو 1949 أن يلتقى به في مكان هادىء وفى المقابلة أبلغه أن إبراهيم عبد الهادى باشا قد استدعى صديقهما الصاغ جمال عبد الناصر للتحقيق يوم 24 يونيو 1941 بحضور اللواء عثمان المهدى رئيس أركان حرب الجيش ودار في الاجتماع تحقيق مع جمال عبد الناصر حول علاقته بجماعة الإخوان ، وكان الخيط الذى تمسك به إبراهيم عبد الهادى رئيس الوزراء في التحقيق أن البوليس قد عثر في أحد مخابىء الجهاز السرى للاخوان المسلمين على أحد الكتب السرية الخاصة بالقوات المسلحة والتى تدرس صناعة واستخدام القنابل اليدوية ، وكان على الكتاب اسم اليوزباشى جمال عبد الناصر وبعد تحقيق عنيف ملىء بالتهديد استطاع عبد الناصر الافلات متمسكاً بأنه كان قد أعار هذا الكتاب لليوزباشى أنور الصيحى الذى استشهد في حرب فلسطين ، كما يذكر خالد محى الدين أنه قد تعرف على جمال عبد الناصر في أواخر عام 1949 بواسطة قائد الجناح عبد المنعم عبد الرؤوف المعروف بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين ، وتوطدت صلتهما معاً ، وكانا على علاقة وثيقة بجماعة الإخوان المسلمين عن طريق مسئول اتصال هذه الجماعة الصاغ بالمعاش محمود لبيب ، وكانت هذه المجموعة ذات الصلة بالإخوان تضم ضباطاً آخرين منهم كمال الدين حسين وحسن إبراهيم ، وعبد اللطيف البغدادى “(17).
ويرجع أنور السادات بدء علاقاته بالإخوان إلى عام 1939 عندما فوجىء بأحد الجنود يهمس في أذنه بأن بالباب رجلاً ممتازاً في الدين يريد أن يقول كلمتين للجنود بمناسبة المولد ، وكان الرجل هو حسن البنا ، وأعجب السادات به لأنه كان يجمع بين الدين والدنيا وكان يمثل زعامة دينية فريدة .. واستمرت اللقاءات بين السادات وحسن البنا في درس الثلاثاء ، إلى أن بدأ التنسيق بينهما وبدعوى التعاون المشترك من أجل مصلحة مصر ، وقام السادات – كما يذكر – بتجنيد عبد المنعم عبد الرؤوف للإخوان ، وكانت اتصالات السادات بحسن البنا هى جزء من الاتصالات الواسعة – من قبله – لتوسيع الضباط الأحرار – وكانت مراقبة من المخابرات البريطانية واستمرت – وفقاً لروايته حتى قامت الثورة(18).
أما رواية عبد الناصر فترد في تلك الاجابة الطويلة التى رد بها على سؤال من أحد الشباب في معسكر إعداد قادة منظمة الشباب الاشتراكى العربى في نوفمبر 1964 ، والذى كان يدور حول صحة ما نشر بأنه كان عضواً بجماعة الإخوان فأجاب قائلاً : ” أنا قبل الثورة كنت على صلة بكل الحركات السياسية الموجودة في البلد ، يعنى مثلاً كنت أعرف الشيخ حسن البنا ، لكن ما كنتش عضو في الاخوان ، فيه فرق إنى كنت أعرف الشيخ حسن البنا وفرق إنى أكون عضو في الاخوان ، كنت أعرف ناس في الوفد ، كنت أعرف ناس من الشيوعيين ، وأنا اشتغل في السياسة ، كنت ماشى في الاسكندرية لقيت معركة بين الأهالى والبوليس ، اشتركت مع الأهالى ضد البوليس ، وقبضوا على ورحت القسم ، وبعدما رحت القسم سألت الخناقة كانت ليه ، وكنت في ثالثة ثانوى ، فقالوا إن رئيس حزب مصر الفتاة بيتكلم والبوليس جاى يمنعه بالقوة ، وقعدت يوم وتانى يوم طلعت بالضمان الشخصى رحت انضميت لحزب مصر الفتاة ، وبعدين حصل الخلافات سبت مصر الفتاة ، ورحت انضميت للوفد وطبعاً أنا الأفكار التى كانت في رأسى بدأت تتطور وحصل نوع من خيبة الأمل بالنسبة لمصر الفتاة ورحت الوفد ، وبعدين حصل نفس الشىء بالنسبة للوفد وبعدين دخلت للجيش وبعدين ابتدينا نتصل في الجيش بكل الحركات السياسية ، ولكن ماكناش أبداً في يوم أعضاء في الإخوان المسلمين كأعضاء أبداً ولكن الاخوان المسلمين حاولوا يستغلونا فكانت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار موجودة في هذا الوقت ، وكان معنا عبد المنعم عبد الرؤوف وكان في اللجنة التأسيسية وجه في يوم وضع اقتراح قال إننا يجب أن نضم حركة الضباط الأحرار إلى الاخوان المسلمين أنا سألته ليه ، قال إن دى حركة قوية إذا انقبض على حد منا تستطيع هذه الحركة انها تصرف على أولاده وتؤمن مستقبله ، فقلنا له اللى عايز يشتغل في الموضوع الوطنى لا يفكر في أولاده ولا يفكر في مستقبله ، ولكن مش ممكن نسلم حركة الضباط الأحرار علشان مواضيع شخصية بهذا الشكل ، وحصل اختلاف كبير صمم عبد المنعم عبدالرؤوف على ضم حركة الضباط الأحرار إلى الاخوان المسلمين ، احنا كنا رفضنا كان طبعاً في هذا الوقت الشيخ حسن البنا الله يرحمه مات ، وأنا كانت لى به علاقة قوية ، علاقته صداقة ومعرفة ، زى ما قلت لكن لم أكن أبداً عضواً بالإخوان المسلمين “(19).
وهكذا يقدم عبد الناصر والسادات وخالد محى الدين وجهة نظر الضباط الأحرار في جذور العلاقة وطبيعتها ، ولكن الملاحظة التى تؤخذ على هذه الروايات تجاهلها لبعض الأدوار المشتركة التى جمعت بين التنظيمين ، في إطار المسألة الوطنية ومقاومة الاستعمار ، مثل حرب فلسطين ومعارك قناة السويس ، وما صاحبهما من تدريب وتسليح ومقاومة مشتركة والتى أنتجت فيما بعد تأثيراً إيجابياً متبادلاً بين الطرفين .
من هذا العرض لآراء الأطراف ومقارنتها بآراء مؤرخى هذه المرحلة تبرز حقيقتان أساسيتان أولاهما : أن ثمة علاقة قوامها تبادل المصلحة والمنفعة كانت قائمة بين حركة “الاخوان وتنظيم الضباط الأحرار قبل الثورة ، وثانيتهما : أن علاقة الضباط الأحرار والإخوان لا يمكن فهم بداياتها وتطورها العام فهماً صحيحاً دونما تناولها في اطار صراع القوى والمصالح والاتجاهات الذى كان يموج به الواقع المصرى في الأربعينات مضافاً إليه المتغير الخاص بتصاعد الحدة الوطنية تجاه مسألة فلسطين وقضية الاستقلال الوطنى والمعاداة للغرب .
3 – العلاقة بين الإخوان والثورة من عام 1952 حتى 1954 : مثَّلت الفترة من يوليو 1952 حتى أكتوبر 1954 ، نقطة تحول في مصير ثورة 23 يوليو ، حين ظهرت على سطح الحياة السياسية صدامات العسكريين ، وصراعات السلطة وصراع الأحزاب والقوى السياسية المختلفة لاحتضان حركة الضباط الأحرار وقياداتها حتى أسماها البعض بسنوات الصدام(20).
وفى هذا الاطار أتت العلاقة بين الإخوان والنظام السياسى وقتذاك لتمثل نوعاً متميزاً من الصدام ، إذ كان صدامهم مع الثورة ، صداماً تشوبه اللغة الغامضة المتراوحة بين القبول والتعاون من جهة وبين المواجهة والتناطح من جهة أخرى ، فالثورة تستثنى الإخوان من قرار حل الأحزاب السياسية بل وتعين وزيرين منهم في وزارة محمد نجيب ، والإخوان يعلنون في أول بيان لهم أن هذه الثورة ثورتنا وأنها حركة مباركة(21) ولكن الثورة تعلن قانون الإصلاح في أيامها الأولى وتعلن إقالة رشاد مهنا ، المعروف بانتمائه للإخوان والذى راهنوا عليه أحياناً عليه باعتباره الجواد الفائز ، فيسبب هذا إحساساً عميقاً بالفتور والقلق من الإخوان .
ولكن السلوك السياسى للإخوان أيضاً لم يكن إلا بنفس الدرجة في مواجهة الضباط الأحرار ، وخاصة حين يخرج الإخوان في مظاهرات تأييد لمحمد نجيب ، أو يتغلغلون داخل صفوف الجيش أو يبحث زعماؤهم مع مستر ايفانز المستشار الشرقى للسفارة البريطانية موضوع الجلاء أو يدعمون جهازهم السرى وقواتهم المسلحة ، لغة غامضة إذن ، وحرب مستترة كما يرى البعض،لا الإخوان يصارحون بالعداء جهاراً ولا مجلس قيادة الثورة يهاجم الإخوان(22).
وهى اللغة التى ميزت العلاقة بين الإخوان والنظام السياسى الحاكم ، والتى هى بحاجة إلى تفصيل ، إذ هى التى قدمت للصدام الأول الذى بدأ في 14 يناير 1954 كمرحلة ثانية حين أطلقت ثمانى رصاصات على عبد الناصر في الاسكندرية لتعقبها مرحلة السقوط في تاريخ العلاقة(23).
أ – العلاقات الأولى : عندما تمكن الضباط الأحرار من الوصول إلى الحكم وانتصرت حركتهم اعتقد الإخوان أن في ذلك انتصاراً لهم ، وكانوا في ذلك الوقت أحراراً خارج المعتقلات على عكس عديد من الأحزاب والقوى الوطنية التى ضربت بعد حريق القاهرة مثل الحزب الاشتراكى والحزب الوطنى وأنصار السلام والتنظيمات الشيوعية(24) ، وفى صباح يوم 23 يوليو 1952 كان حسن العشماوى يتجه إلى مبنى قيادة الجيش في كوبرى القبة ليجتمع مع عبد الناصر ، وكان موضوع اللقاء هو أن يطلب العشماوى من المرشد العام المستشار / حسن الهضيبى ، إصدار بيان يؤيد الثورة ، ورفض المرشد العام في البداية-بحكم تردده التاريخي في المسائل المصيرية مثل جماعة الاخوان تاريخيا منذ التأسيس 1928 ودائما ينظرون لمصلحتهم الخاصة !- إلى أن عاد إلى القاهرة من مصيفه بالاسكندرية وبعد أن غادر فاروق البلاد فعلياً وأصدر بيان تأييد نشر في صحف 28 يوليو قال فيه : ” في الوقت الذى تستقبل البلاد فيه مرحلة حاسمة من تاريخها بفضل هذه الحركة المباركة التى قام بها جيش مصر العظيم ، أهيب بالإخوان المسلمين في أنحاء الوادى أن يستشعروا ما يلقى عليهم الوطن من تبعات كبيرة في إقرار الأمن وإشاعة الطمأنينة وأخذ السبيل على الناكصين ودعاة الفتنة ووقاية هذه النهضة الصادقة من أن ننسى روعتها وجلالها بأقل أذى أو تشويه ، وذلك بأن يستهدفوا على الدوام مثلهم العليا وأن يكونوا على تمام الأهبة لمواجهة كل احتمال والإخوان المسلمون بطبيعة دعوتهم خير سند لهذه الحركة يظاهرونها ويشدون أزرها حتى تبلغ مداها من الإصلاح وتحقق للبلاد ما تصبو إليه من عزة وإسعاد ، وإن حالة الأمن تطلب منكم بوجه خاص أعينا ساهرة ويقظة دائمة فلقد أعدتكم دعوتكم الكريمة رجالاً يعرفون عند الشدة ويلبون عند أول دعوة ، فكونوا عند العهد بكم والله معكم ولن يتركم أعمالكم ، وإن الهيئة التأسيسية للإخوان سوف تجتمع في نهاية الأسبوع لتقرر رأى الإخوان فيما يجب أن يقترن بهذه النهضة المباركة من خطوات الإصلاح الشامل ليدرك بها الوطن آماله ويستكمل بها مجده “(25) .
وفى اليوم التالى لصدور هذا البيان طلب المرشد العام ، أن يلتقى مع أحد رجال الثورة في منزل صالح أبو دقيق الموظف بجامعة الدول العربية ، وفى هذا الاجتماع دار حوار طويل بين المرشد العام وعبد الناصر ، طلب فيه المرشد العام أن تطبق الثورة أحكام القرآن الكريم، وعندما أجابه عبد الناصر بأن الثورة قامت حرباً على الظلم والاستبداد السياسى والاجتماعى والاستعمار البريطانى وهى بذلك ليست إلا تطبيقاً لأحكام القرآن ، لم يتحمس لهذا الرد ، ورأى أن تصدر الثورة قانوناً بفرض الحجاب حتى لا تخرج النساء سافرات بشكل يخالف الدين ، وأن تغلق دور السينما والمسرح ، ووجد عبد الناصر أنه سوف يدخل في معركة مع الـ 25 مليون مصرى أو نصفهم على الأقل ، فأجابه بأنه – أى الهضيبى – يطلب منه طلباً لا طاقة له به ، فكانت إجابة الهضيبى أنه مصمم على طلبه ، فقارن له عبد الناصر بين سلوك ابنته التى تذهب إلي كلية الطب سافرة وأنه في بيته لا يستطيع أن يفرض على ابنته الحجاب فهل يفرض على المجتمع كله(26) .
وكان واضحاً أن هذا الاختلاف في الفكر وفى الرؤية للدين ليس إلا البداية ، بين الإخوان ممثلين في مرشدهم العام وبين نظام ثورة يوليو الجديد ممثلاً في عبد الناصر ، وقد بلغ الاختلاف مداه حول سبل الاصلاح في العهد الجديد ، كما تضمنها بيان الاخوان حول تحديد الملكية الزراعية ، وهما التطوران اللذان يقومان هنا كنقطة هامة في تاريخ العلاقة ، والتى كَّرست جذور الاختلاف ، والتى لم يشفع لها قرارات استثنائهم من الحل مثل جميع الأحزاب السياسية أو إشراكهم في الحكم .
وعلى الرغم من لغة التأييد التى صيغت بها بيانات الاخوان وتحديد موقفهم من قضية الاصلاح الاجتماعى ، إلا أنها عبرت عن بدايات خلاف مع رؤى الضباط الأحرار ، وخاصة عبد الناصر وتحديداً في مجال الملكية والتربية الدينية والعسكرية والتشريعات الخاصة بالعمال وصغار الملاك والتى صيغت أغلبها في لغة عامة غير محددة(27) معهم ، أما بالنسبة لقانون تحديد الملكية الزراعية فلقد رأى الهضيبى أن يكون الحد الأقصى للملكية خمسمائة فدان ، بينما رأى عبد الناصر أن الثورة مصممة على أن يكون هذا الحد مائتى فدان فقط ، ويبدو أن المرشد العام لم يقتنع بهذا الرأى ، ولكنه لم يقتنع في ذات الوقت بتفجير الصراع مع الثورة ، ورأى أن تأييده للثورة ضرورى لاستمرارها ولكنه اشترط على عبد الناصر أن تعرض عليه قراراتها قبل إصدارها ، وأن هذا هو شرطه الأول لاستمرار التأييد للثورة ، ولكن عبدالناصر رد حينئذ بأن الثورة قامت بدون وصاية أحد عليها ، وهى لن تقبل أن توضع تحت وصاية أحد .. وأن هذا لا يمنع من التشاور في السياسة العامة مع المخلصين من أهل الرأى دون التقيد بهيئة من الهيئات(28) .
وفى أيامها الأولى وقفت الثورة بقوتها مع جماعة الإخوان المسلمين وقد تمثل ذلك في عدد من القرارات التى أصدرتها ومن بينها إعادة التحقيق في مصرع حسن البنا والقبض على المتهمين وتقديمهم للمحاكمة،وقد حكمت المحكمة بالسجن 15 سنة على الأميرالاى محمود عبدالحميد مدير المباحث الجنائية الذى دبر عملية الاغتيال كما حكمت بمدد مختلفة على آخرين ، وفى أكتوبر أصدرت عفواً خاصاً عن قتلة المستشار أحمد الخازندار وعن بقية المحبوسين في قضية مقتل النقراشى باشا وعن المحكوم عليهم من الإخوان في قضية المدرسة الخديوية .
وقد خرج هؤلاء وسط مظاهرة سياسية من السجن إلى مقر الجماعة مباشرة حيث عقدوا مؤتمراً كبيراً ، وبعدها أصدرت الثورة قراراً خاصاً بالعفو الشامل عن كل الجرائم السياسية التى وقعت قبل عام 1952 ، وقد بلغ عدد المفرج عنهم 934 مواطناً معظمهم من الإخوان المسلمين .
ب – قضية الوزارة : اختلفت الثورة في بدايتها مع على ماهر رئيس الوزراء وقرر مجلس القيادة أن تتولى الثورة نفسها تشكيل الوزارة برئاسة محمد نجيب على أن يكون للإخوان فيها وزيران ، واتصل عبد الحكيم عامر ظهر يوم 7 سبتمبر 1952 بالمرشد العام الذى رشح له الشيخ أحمد حسن الباقورى عضو مكتب الارشاد وأحمد حسن وكيل وزارة العدل ، وبعد ساعات حضر إلى مبنى القيادة بكوبرى القبة حسن العشماوى ومنير الدلة وقابلا جمال عبد الناصر ، وقالا إنهما قادمان ليدخلا الوزارة ، فهما موفدان من المرشد العام ليبلغاه أن مكتب الإرشاد قد اختارها لتمثيل الإخوان في الوزارة أما الترشيح الأول فكان ترشيحاً شخصياً للمرشد العام(29).
ويقول سليمان حافظ إن حسن العشماوى ومنير الدلة كانا شباباً أكثر مما ينبغى لتولى مسئولية الوزارة ، وأن عبد الناصر أبلغ الشيخ حسن الباقورى ، وسوف يحضر في الساعة السابعة ليحلف اليمين ، كما أبلغ أيضاً أحمد حسنى واتصل عبد الناصر بالمرشد العام ليستوضح منه الموقف على ضوء ما وقع فعلاً من إبلاغ الشيخ حسن الباقورى بما حدث ، ورد المرشد العام أنه سيدعو مكتب الإرشاد للاجتماع في الساعة السادسة وسوف يرد على عبد الناصر ، ولم يتصل المرشد العام بعبد الناصر وعاد عبد الناصر واتصل به ليستفسر منه عن الموقف فقال له إن مكتب الإرشاد قد قرر عدم الاشتراك في الوزارة ، فيقول له عبد الناصر : ولكننا فعلاً اتصلنا بالباقورى وسيحضر لحلف اليمين فيرد الهضيبى قائلاً : نحن نرشح بعض أصدقاء الإخوان ولا نوافق على اشتراك الإخوان في الوزارة(30) وعندما كانت الصحف تنشر في اليوم التالى نبأ تشكيل الوزارة الجديدة التى ضمت الشيخ أحمد حسن الباقورى وزيراً للأوقاف كان مكتب الارشاد يجتمع ويقرر فصل الباقورى من الاخوان .
ج – قانون تنظيم الأحزاب السياسية : كان القانون رقم 179 لسنة 1952 وقرار 17 يناير 1953 المتعلقان بتنظيم وحل الأحزاب السياسية القديمة ، نقطة أخرى طيبة تضاف لرصيد العلاقات بين الاخوان والثورة ، فعندما صدر القانون ورد فى الفقرة الثانية من المادة الأولى “لا يعتبر حزباً سياسياً الجمعية أو الجماعة التى تقوم على محض أغراض علمية أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية “(31) ولقد ترك القانون من خلال النص السابق للإخوان حق الاختيار بين أن تعلن الجماعة عن نفسها كجماعة دينية بحتة وبذلك تكون قد فقدت الحق فى مزاولة النشاط السياسى ولا تكون فى حاجة بالتالى إلى تقديم إخطار بإعادة تكوينها ، وإما الإفصاح عن صبغتها السياسية بصفة علنية ويكون ذلك بتقديم إخطار بإعادة تكوينها طبقاً للقانون وكان الطبيعى أن يدور النقاش داخل الإخوان حول هذين البديلين ، وقد انقسم الرأى ، فبينما كان المرشد العام حسن الهضيبى يرى عدم تقديم إخطار لإعادة تكوين الإخوان باعتبارها جمعية بعيدة عن مزاولة النشاط السياسى ، فإن معظم أعضاء الهيئة التأسيسية لم يروا هذا الرأى ، وقد استقر الرأى على حل وسط يتيح للجماعة مزاولة النشاطين وهو فصل العمل الدينى عن العمل السياسى ، فتحتفظ الجماعة بصفتها الخاصة كجماعة دينية وتتولى بهذه الصفة العمل الدينى ، ويتولى العمل السياسى شطر منها كحزب أو هيئة سياسية تقدم الإخطار باسمها(32) لهذا سارع الهضيبى فى أواخر عام 1952 بتقديم إخطار عن إيداع مالية الهيئة البالغ قدرها 7.935 جنيهاً بالبنك العربى المصرى ، قبل أن يبلغ عن قانون الهيئة أو نظامها أو أسماء الأعضاء المؤسسين(33).
ولقد أوجد هذا الرأى انقسامات وردود أفعال متضاربة داخل أوساط الإخوان ، وعقدت الجمعية التأسيسية ثلاث مرات وهدد الهضيبى بالاستقالة الفعلية ، إن لم تنفذ وجهة نظره على أن المسألة انتهت بسفر عبد القادر عودة ، وكيل الإخوان إلى الاسكندرية لمقابلة الهضيبى ثم عودته منها ليصرح بأن ” المرشد باق باق “(34).
ويرى المؤرخون لهذه الفترة أن الإخوان قد عبروا فى إخطارهم المقدم إلى مجلس قيادة الثورة عن تصميمهم على التحول إلى حزب سياسى والدخول فى المعترك السياسى بكل ما يحمله ذلك من معان ونتائج ، أما بالنسبة لعبد الناصر وباقى المجلس فيروى محمد نجيب أن عبدالناصر طلب إليه عدم تطبيق قانون الأحزاب على الجماعة على أساس أنها كانت من أكبر أعوان الثورة قبل قيامها ، وأنه لا يصح أن يطبق عليها قانون الأحزاب ، ولكنه عارضه قائلاً إن القوى السياسية يجب أن تكون أمام القانون سواء ، ويرى البعض أن هذا الكلام غير مفهوم إذ يحمل مدلول الحرص من جانب عبد الناصر على جماعة الإخوان بدرجة جعلته لا يريد تعرضها لتطبيق قانون الأحزاب عليها ، بيد أن الجماعة قد درست هذا الموضوع فى جلستين متعاقبتين ورأت من مصلحتها التقدم بإخطارها كهيئة سياسية طبقاً للقانون ، فهل كان عبدالناصر أحرص على الإخوان منهم على أنفسهم ويساق هنا احتمالان : إما أن هذه المحاولة من جانب عبد الناصر قد جاءت بمناسبة قانون حل الأحزاب ، فأراد استبعادهم من قانون تنظيم الأحزاب أصلاً ، وإما أن هذا الاتجاه إلى تكوين حزب سياسى بما يتضمنه من انتشار نشاط الإخوان ، ولم يلق رضا منه ، فأراد إبعادهم عن مجال السياسة وبالتالى مجال الوصاية على الثورة(35).
وأياً كانت الآراء هنا فإن وضع هذا الاستثناء داخل إطار الرغبة من عبد الناصر فى محاولة إرضاء الطرف الجماهيرى القوى يومذاك ، والذى ساند الثورة فى بدايتها ورغبته فى عدم فتح أكثر من جبهة للقتال ضده ، وخاصة بعد ضرب القوى السياسية القديمة ، وأخيراً رغبته فى عدم تصعيد الخلافات التى بدت على السطح السياسى بعد أزمة تحديد الملكية وأزمة الوزراء ، ورؤيته أن يملأ الشارع السياسى يومئذ بعد أن فرغ من قواه المعبرة ، قوى أخرى مساندة له ، داخل هذا الإطار من الحسابات يمكن فهم تلك البادرة الطيبة التى حدثت فى العلاقة بين الإخوان والثورة خلال تلك السنوات القلقة .
واستكمالاً للنوايا الطيبة صدر فى 13 يناير 1953 مرسوم بتشكيل لجنة لوضع مشروع الدستور من خمسين عضواً كان بينهم ثلاثة من الإخوان هم صالح العشماوى ، وحسن العشماوى ، وعبد القادر عودة ، وفى 17 يناير 1953 صدر قانون حل الأحزاب السياسية القديمة لأنها أفسدت أهداف ثورة 1919 وأرادت أن تسعى ثانية بالفرقة ولم تتورع عناصر منها عن الاتصال بدول أجنبية وتدبير ما من شأنه الرجوع بالبلاد إلى حالة الفساد السابقة بل الفوضى المتوقعة(36).
د – المرحلة الحرجة : يمكن التأكيد على أن عام 1953 مثل فى مجال العلاقة بين الإخوان والثورة المرحلة الحرجة التى تسبق هبوب العاصفة ، ويتميز هذا العام بأربعة تطورات هامة كان لها تأثيرها على العلاقات بين الإخوان والثورة وهى :
– المباحثات بين الانجليز والإخوان لحل القضية الوطنية .
– استعدادات الإخوان فى الجيش والبوليس .
– مطالبة عبد الناصر للإخوان بحل التنظيم السرى .
– الاتصالات بين الإخوان واللواء محمد نجيب لعقد تحالف ضد عبد الناصر .
وفيما يتصل بالمباحثات بين الإنجليز والإخوان فإن هذه تكاد تكون المرة الأولى التى حاول فيها الانجليز الدخول فى مباحثات مع حزب شعبى حول القضية المصرية ، عندما تعثرت مفاوضاتهم مع الحكومة المصرية القائمة ، والتى انتهت بخطاب حاد للدكتور / محمود فوزى أكد فيه للجانب البريطانى على انتهاء هذه المفاوضات من قبل الطرف المصرى حتى تتعدل المواقف(37) وفى هذه الظروف بالذات من تشدد المفاوض المصرى ، رأى الانجليز الاتصال بالإخوان المسلمين فى محاولة للوصول معهم إلى ما عجزوا عن الوصول إليه مع حكومة الثورة(38)، حيث عقد الإخوان مع مستر ايفانز المستشار الشرقى للسفارة البريطانية فى القاهرة عدة اجتماعات استمرت عدة ساعات فى منزل الدكتور / محمد سالم الذى قال إن رأى الإخوان أن تكون عودة الانجليز إلى القاعدة بناء على رأى لجنة مشكلة من المصريين والانجليز وأن الذى يقرر خطر الحرب هى هيئة الأمم المتحدة ، وتمسك الانجليز بهذا الرأى الذى رفضه الجانب المصرى فى المفاوضات الرسمية ، وقد ثبت أن المستر ايفانز التقى أكثر من مرة بالمرشد العام وصالح أبو دقيق ومنير الدلة ، ويؤكد الدكتور / عبد العظيم رمضان أن ما رواه له صالح أبو دقيق الذى جرت معه المفاوضات لا يختلف كثيراً عما ورد فى قرار حل الإخوان أو لسان شهود الإخوان أمام محكمة الشعب(39)، وتتخلص الصورة النهائية فى أن القاضى جراهام فى السفارة البريطانية ، اتصل بالدكتور محمد سالم ، الموظف فى شركة النقل والهندسة ، وطلب منه أن يمهد لمقابلة المستر ايفانز وبعض قادة الإخوان ، وقد اتصل محمد سالم بصالح أبو دقيق فى هذا الشأن فأبلغ حسن الهضيبى الذى طلب إليه أن يقابل ايفانز ليعرف منه ماذا يريد ، وقد تمت المقابلة فى بيت محمد سالم بالمعادى ، ودار حديث حول القضية الوطنية وعرض فيه ايفانز على صالح أبو دقيق الجلاء بشروط يتم تحديدها فيما بعد ، ولقد تكلم ايفانز – المستشار الشرقى للسفارة البريطانية – بما يرضى الإخوان ، وطلب رأى صالح أبو دقيق فيما عرضه ، فاعتذر حتى يعرض الأمر على المرشد العام ، وقد طلب هذا إليه وإلى محمد سالم إعداد تقرير بما دار فى المقابلة فعلا ، ثم جرت مقابلة ثانية بين ايفانز والمرشد فى بيت الأخير ، عرض فيها ايفانز ما سبق أن عرضه على صالح أبو دقيق ، كما جرت مقابلتان أخريان بين ايفانز وصالح أبو دقيق حضرهما منير الدلة حول نفس الموضوع.
ويجرى الخلاف بين الراويات حول مسائل ثلاث : الأولى ما إذا كان الإخوان قد أبلغوا عبدالناصر بهذه الاتصالات قبل وقوعها أم لا ، والثانية : الوقت الذى تمت فيه هذه الاتصالات ، والثالثة تفاصيل ما دار من مباحثات بين ايفانز والاخوان ، وترى بعض الكتابات أن عبد الناصر لم يكن يعلم بأمر هذه المباحثات ، وبالنسبة للوقت تجمع أيضاً حول تعدد واتساع نطاق موضوعاتها بدءاً بالخبراء ومروراً بحق عودة القوات البريطانية إلى القناة واستخدام القاعدة فى حالة وقوع هجوم مسلح من دولة من الخارج على أى بلد يكون طرفاً فى معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية أو على تركيا والتشاور على العودة فى حالة خطر الحرب وانتهاء بطرح فكرة الحياد .
غير أن السؤال الهام الذى تثيره هذه المباحثات هو ماذا كان غرض الانجليز من الاتصال بالإخوان المسلمين بشأن القضية الوطنية ؟ ويذكر صالح أبو دقيق فى معرض الاجابة على مثل هذا السؤال أن السبب فى ذلك أن سياسة الانجليز تختلف عن سياسة الفرنسيين فالفرنسيون لا يخرجون من البلاد التى يستعمرونها إلا مرغمين ، أما الانجليز فهم يريدون أن يخلفوا وراءهم أصدقاء ، وقد أدرك الانجليز بعد خروج الملك وزوال الفساد ومجىء ضباط عسكريين لا تشوب ماضيهم شائبة ، أنهم لابد سيخرجون ، فأرادوا الاتفاق على الجلاء ، وقد طلبوا رأينا لهذا الغرض(40).
والدلالة المباشرة لهذا الحديث هى التى تفسر لماذا اتخذ الضباط العسكريون ” الذين لا تشوب ماضيهم شائبة ” – وفقاً لقول صالح أبو دقيق – موقف المجابهة وعدم القبول لتحركات الإخوان ، ولماذا شابت علاقاتهم معهم مع نهاية عام 1953 سمات التوتر والصدام المكتوم فالمباشر ، ولماذا لم يكن الاتصال بالانجليز وحده هو السبب فى الوصول إلى هذه النتيجة بل إن عوامل أخرى كانت تقف خلفها ، فما هى ؟ .
يأتى فى مقدمة هذه العوامل محاولات توسيع الجهاز السرى للإخوان بحيث يضم عدداً من ضباط الجيش والبوليس ، وكانوا يجتمعون بهم اجتماعات أسبوعية ، ويأخذون عليهم عهداً وقسماً أن يطيعوا ما يصدر إليهم من أوامر المرشد العام ، كما جندوا عدداً من ضباط الصف، وعندما تجمعت هذه المعلومات استدعى عبد الناصر حسن العشماوى ، وقال له إننى أحذركم فما يحدث سيجنى على مصير البلاد ووضع أمامه ما تجمع لديه من معلومات وسرد عليه قصة الإخوان مع ضباط الجيش ، فوعد بأن يتصل بالمرشد العام فى هذا الأمر،ولكنه خرج ولم يعد على حد تعبير بيان مجلس الثورة ، وفى اليوم التالى استدعى عبد الناصر الشيخ سيد سابق وخميس حميدة ، وأبلغهما ما لديه من معلومات وما أبلغه لحسن العشماوى فى اليوم السابق فاستنكرا المواقف ووعد بأنهما سيعملان على وقف هذا النشاط،ولكن النشاط لم يتوقف(41).
ويؤكد بعض المؤرخين لهذه الفترة نفس الرواية السابقة ، حيث يرون أن عبد الناصر كان قد استطاع أن يجذب إليه عبد الرحمن السندى رئيس الجهاز السرى والذى كان على خلاف مع حسن الهضيبى والشيخ سيد سابق منشىء الجهاز السرى ، وقد أدى ذلك إلى حدوث انقسام فى تنظيم الجهاز وشكلت له قيادة جديدة كان على رأسها الذين عارضوا التعاون مع حركة الجيش وهم إبراهيم الطيب (محام) ويوسف طلعت (نجار) والشيخ محمد فرغلى ، ومحمد فايز (موظف) ، الذى انفجر فيه طرد من حلاوة المولد النبوى وأدى ذلك إلى زيادة حدة الصراع بين الجناحين ، وقد نجح هذا الجناح فى اجتذاب عدد من ضباط الجيش كانوا ينتمون إلى الإخوان المسلمين ، كما بدأوا فى تنظيم عدد من ضباط البوليس(42).
ويبقى بعد ذلك وقبل الوصول إلى 14 يناير 1954 ، سبب أخير لحدوث التوتر ، وهو محاولات الاتصال التى قام بها الإخوان مع اللواء محمد نجيب ، ويذكر أحمد حمروش بهذا الشأن أن اللقاء مع محمد نجيب لم يتم بشكل شخصى ، وإنما تم مع قائد حرسه الخاص اليوزباشى محمد رياض الذى قابله حسن عشماوى ومنير الدلة عدة مرات فى ديسمبر 1953 وكانت مطالب الإخوان لمحمد نجيب تدور حول : تعيين رشاد مهنا قائداً عاماً للقوات المسلحة الذى كان ينفذ عقوبة السجن المؤبد بعد محاكمته عقب اعتقاله فى 15 يناير 1952 ، وعودة الأحزاب وعودة الضباط إلى الثكنات وتشكيل وزارة يرضى عنها الإخوان(43).
وعندما عرض محمد رياض الأمر على محمد نجيب رفض الحديث فى ذلك شكلاً وموضوعاً ورفض فكرة الاتصال السرى بالإخوان مطلقاً ، ولذا فهو لم يقابل أحداً منهم ، وذلك لأنه أدرك أنهم يريدون حكماً ديكتاتورياً ، ولكن تطورات الأحداث بعد ذلك أثبتت حاجة نجيب إلى الإخوان فقد لعبوا الدور الرئيسى فى إعادته إلى رئاسة الجمهورية حين أطاح به الخلاف المتفجر بينه وبين أعضاء مجلس الثورة فى أحداث 23 – 24 فبراير 1954 الشهيرة ، وإذا أضفنا إلى هذه العوامل التى أوجدت حالة التأهب للصدام أنه فى تلك الظروف التى جرت فيها اتصالات محمد نجيب بالإخوان ، حدث أن عادت الاتصالات مرة أخرى بين الإخوان والانجليز ، حين زار حسن العشماوى يوم 10 يناير 1954 منزل السير كروين ويل الوزير المفوض البريطانى فى بولاق الدكرور فى الساعة السابعة صباحاً ، ثم عاد إلى زيارته أيضاً فى نفس اليوم فى مقابلة دامت من الساعة الرابعة بعد الظهر إلى الساعة الحادية عشرة من مساء نفس اليوم(44)، فإن الصورة العامة لما قبل الصدام تزداد وضوحاً .
حيث كانت هذه الاتصالات الأخيرة هى العامل الحاسم فى العلاقات بين الإخوان وعبد الناصر فبعد ثلاثة أيام فقط أى فى يوم 14 يناير 1954 صدر قرار مجلس قيادة الثورة باعتبار جماعة الإخوان المسلمين حزباً سياسياً يطبق عليها أمر مجلس قيادة الثورة الخاص بحل الأحزاب السياسية .
وهكذا تنتهى مقدمات الصدام الأول بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة والتى تراوحت بين علاقات التعاون المحسوب إلى علاقات المواجهة والصدام المحسوب أيضاً ، والتى كان طبيعياً أن تفقد توازنها فى لحظة قلقة من لحظات التاريخ المصرى وقتئذاك ، وهى العلاقات التى يلخصها أحمد حمروش فى عبارة موجزة ” كانت حرباً مستترة غير معلنة ” لا الإخوان يصارحون بالعداء جهاراً ، ولا مجلس قيادة الثورة يهاجم الإخوان (45).
الصدام الأول بين الإخوان والثورة (يناير – أكتوبر 1954)
شهدت الفترة من يناير حتى أكتوبر 1954 قمة الصراع الأول بين جماعة الإخوان اومجلس قيادة ثورة يوليو 1952 ، حيث شهدت هذه الفترة صدامين مثَّلا صدعاً عنيفاً فى علاقة الإخوان بالثورة ، ورتبت تصورات دينية وخبرات ذاتية متناقضة لدى طرفى العلاقة ، كان حرياً بها أن تُحدث صدامات أخرى ، ومواجهات أكثر دموية .
1 – الجولة الأولى للصدام يناير 1954 : سبق قرار حل جماعة الإخوان فى 14 يناير 1954 مقدمات عدة مثل الهجوم الضارى الذى قام به الإخوان على هيئة التحرير وتنظيمها الشبابى يوم 12 يناير 1954 ، وقد بلغت ضراوة القتال بينهما أمام حرم الجامعة إلى حد استخدام الأسلحة والقنابل والعصى وحرق السيارات فى الجامعة فى ذلك اليوم وهو اليوم الذى خصص للاحتفال بذكرى شهداء معركة القناة ، وكان لوجود الإيرانى نواب صفوى زعيم منظمة فدائيان إسلام محمولاً على أكتاف الإخوان تأثيره المباشر على احتداد المواجهة بين الطرفين .
بعد هذه المواجهة بيوم واحد ، ونتيجة لحالة الاضطراب والتخبط التى ميَّزت العلاقة بين الإخوان والثورة يومئذ ، أعلن مجلس قيادة الثورة قراره الخاص بحل جمعية الإخوان المسلمين واتخذ القرار بالإجماع ، فيما عدا محمد نجيب الذى اعترض من حيث المبدأ وليس لأنه يشايع الإخوان(46) ولكن عدم موافقة نجيب لم تؤثر فى صدور قرار الحل فقد كان هو الصوت الوحيد المعارض ، ورغم أنه لم يكن على صلة بهم ، ولكن هذا الموقف أوجد فى صدور زملائه الخشية أن يكون هناك تدبير ما بين محمد نجيب والإخوان ، ويلخص بيان مجلس قيادة الثورة الاتهامات الموجهة للإخوان المبررة للحل فى الآتى :
– التقاعس فى تأييد المرشد العام للحركة إلا بعد خروج الملك .
– عدم تأييد قانون الاصلاح الزراعى والمطالبة برفع الحد الأقصى للملكية فى حالة التطبيق إلى 500 فدان .
– محاولة فرض وصاية على الحركة بعد حل الأحزاب السياسية .
– اتخاذ موقف المعارضة من هيئة التحرير .
– بدء التسرب إلى ضباط الجيش وضباط البوليس وتشكيل وحدات تحت إشراف المرشد مباشرة .
– تشكيل جهاز سرى جديد بعد حل الجهاز السرى الذى كان يشرف عليه عبد الرحمن السندرى منذ أيام حسن البنا .
– حدوث اتصال عن طريق الدكتور / محمد سالم بين المستشار الشرقى للسفارة البريطانية فى مايو 1953 ومنير الدلة وصالح أبو دقيق ثم حسن الهضيبى بعد ذلك .
– زيارة حسن العشماوى يوم الأحد 10 يناير 1954 ، أى قبل قرار الحل بأيام للوزير البريطانى المفوض ثم عودته فى نفس اليوم لزيارة أخرى امتدت سبع ساعات(47) .
ولقد صاحب إصدار هذا البيان ، اعتقال حسن الهضيبى و450 عضواً بالجماعة فى القاهرة والأقاليم(48)، وفى اليوم التالى ولعدة أيام شنت الحكومة حملة صحفية ضد الهضيبى والمجموعة المحيطة به وليس ضد الإخوان كجماعة ، وتركزت الحملة على مجموع الانتقادات التى ظهرت داخل التنظيم ضد الهضيبى وبوجه خاص فشله فى الاقتداء بشخصية البنا ، وإساءته وإهماله لجوهر الرسالة ، ولم يكن هناك ما يتصل بتهمة قلب نظام الحكم ، سوى اكتشاف مخبأ للأسلحة فى عزبة يملكها أحد أعضاء الجماعة وقد انتشرت على نطاق واسع إشاعة تقول بأن تلك الأسلحة هى بعينها الأسلحة التى سبق أن خبأها أعضاء المجموعة العسكرية قبل الثورة بأنفسهم هناك .
غير أن تنظيم الاخوان استمر رغم هذه الضربات ، ورغم حله على المستوى الرسمى واصل عمله بشكل غير رسمى تحت القيادة غير الرسمية لعبد القادر عودة حيث التقى الأعضاء الذين لم يتعرضوا للاعتقال فى جلسات صغيرة عقدت كل منها فى بيت واحد منهم ، كذلك سارعوا بتنظيم شبكة لجمع وتقديم الاعانات لعائلات الأعضاء المعتقلين ، ورغم أن الحكومة ألقت القبض بالفعل على بعض الأعضاء ، وهم يقومون بتقديم الاعانات إلا أنها لم تكن راغبة فى عرقلة هذه العملية ، وفى فبراير وخلال الاحتفال بالذكرى السنوية للبنا والذى أقيم فى مقبرته، أعلن عبد القادر عودة على الملأ اقتناعه بأن الثورة قد حققت أهداف حسن البنا(49).
وفى ذات الوقت حرص عبد الناصر على ألا يقطع الصلة نهائياً بالإخوان فقام فى 12 فبراير وفى نفس الذكرى السابقة بزيارة قبر حسن البنا ومعه صلاح سالم وأحمد حسن الباقورى ، وخطب قائلاً : ” أشهد الله أنى أعمل وكنت أعمل لتنفيذ هذه المبادىء وأفنى فيها وأجاهد فى سبيلها “(50)، وبدأ عبد القادر عودة مع آخرين سلسلة من المحادثات الخاصة مع الحكومة لاستعادة الشرعية للجماعة وقد طلب من الحكومة فى هذا الصدد السماح له بزيارة السجون كما التمس استقالة الهضيبى وكانت هناك خطط أخرى قيد المناقشة شملت تأسيس تنظيم دينى جديد تحت قيادة عبد الرحمن البنا(51).
على أن كل شىء توقف فجأة ، بل وتبدل فجأة عشية الأزمة السياسية التى طوقت مصر كلها والتى سميت بأزمة مارس 1954 وكانت بين محمد نجيب وعبد الناصر(52)، وتتلخص أسباب ووقائع هذه الأزمة فى أنها كانت مرتبطة بمطالبة محمد نجيب بسلطات تتناسب مع مكانته وحول الأسلوب الواجب اتباعه فى إدارة شئون مصر ، فمن وجهة نظر محمد نجيب الأكبر سناً أن عملية إبعاد كافة القوى الاجتماعية مع استمرار مسيرة الثورة أمر لا يحتمل ، ولابد من مشاركة كل القوى فى هذه المرحلة فى إصلاح البلاد ، على الناحية الأخرى كان عبد الناصر وهو ابن جيل آخر وذو اقتناع مختلف ومتطور قد نفد صبره حين أدرك أن مسألة الحفاظ على استمرار عملية التغيير وعمق تأثيرها تعنى أنه لا رحمة مع الذين يعارضونها .
ومع تزايد حدة العداء للنظام الجديد من القوى المعارضة تزايدت ضرورة إجراءات القمع ، وتصاعد الخلاف بين الرجلين حول من يمتلك سلطة الحسم الأخيرة فى شئون البلاد وكيفية استخدام هذه السلطة ، وبتصاعد مع استقالة محمد نجيب فى 23 فبراير وفى الليلة التالية تمت محاصرة منزل محمد نجيب وفى 25 فبراير حملت الصحف أنباء البوادر الأولى للانقسام داخل مجلس قيادة الثورة ، وفى 26 فبراير وبعد تمرد سلاح الفرسان حيث كانت الأفكار الديمقراطية تجد مجالاً خصباً للنمو ” كنتيجة لوجود خالد محيى الدين ضابطاً بمخابرات السلاح وثروت عكاشة أركان حرب السلاح الذى كانت تربطه صلة النسب بأحمد أبو الفتح رئيس تحرير المصرى “(53).
بعد هذا العصيان المسلح وخروج مظاهرات تأييد لنجيب اضطر مجلس قيادة الثورة أن يعلن اعادة تقليد نجيب لمنصب الرئاسة ، ولم تنته الأزمة لأن المشكلة الأساسية والخاصة بمن الذى يملك السلطة وأسلوب استخدامها ، ظلت دون حل ، وفى التاسع من مارس أعلنت الحكومة أن نجيب سوف يسند له ثانية منصب رئيس الوزراء ورئيس مجلس قيادة الثورة ، فى ذلك الوقت كتب الهضيبى رسالة لمحمد نجيب من السجن يطلب فيها الافراج عن الإخوان المسلمين حتى تتم موازنة الموقف ، وانضمت إليه مجلة الدعوة الناطقة وقتذاك بلسان حسن العشماوى ومجموعة المطالبين بالإفراج عن الإخوان واصفة قرار الحل الذى صدر فى يناير بأنه كان خطأ(54).
وفى يوم 25 مارس 1954 أعلن مجلس قيادة الثورة ، فيما اتضح بعد ذلك أنه كان مناورة بارعة من عبد الناصر أن الثورة قد اقتربت من إنهاء مهمتها وأن البلاد سوف تستأنف الحياة البرلمانية السوية ، وفى ذات الوقت وتحت ظروف وتدخلات متعددة كان آخرها وساطة الملك سعود ، أمرت وزارة الداخلية بالإفراج عن الهضيبى والإخوان المسلمين تطبيقاً لقرار صدر بإلغاء قرار يناير 1953 بشأن إلغاء الأحزاب السياسية ورفعت الرقابة تماماً عن الصحف وأصبح فى إمكان أى شخص أن يقول ما يشاء يومئذ .
وفى الثامن والعشرين من مارس وبعد ثلاثة أيام من الحرية الكاملة وغير المحدودة للمعارضة تحرك عبد الناصر وامتلأت الشوارع يومئذ بالمظاهرات الشعبية التى تطالب بالحفاظ على الثورة وأهدافها وباستمرار إلغاء الأحزاب السياسية ، واندفعت حشود ضخمة من أعضاء اتحادات العمال والنقل التى خرجت فى ذلك اليوم ومعها الشباب المنتمى للمنظمات الشبابية الحكومية ، تحملهم عربات النقل الخاصة بهيئة النقل يعربون عن أن الثورة قد جاءت لتبقى، وكان الاعتداء على جريدة المصرى ، وعلى مجلس الدولة ، هما من أبرز ما حدث فى هذه الأثناء ، وتم تدعيم هذه التحركات من الجيش ، وتحديداً من ضباط الصف ، والضباط المؤيدين لعبد الناصر أمثال كمال الدين رفعت ، وأحمد أنور ومجدى حسنين ووجيه أباظة وحسن التهامى ، ومحمد أبو الفضل الجيزاوى وسعد زايد وغيرهم .
وفى ذات المساء – 29 مارس 1954 – أصدرت الحكومة أوامر بحظر التظاهر منذ الآن فصاعداً ، وفى اليوم التالى واستجابة للإرادة الشعبية السابقة قرر مجلس قيادة الثورة مرة أخرى أن يأخذ على عاتقه مسئولية الحكم كاملة ، وألغيت مرة ثانية كافة الأحزاب السياسية باستثناء جماعة الإخوان المسلمين الذين وعد قادتهم بحسن التصرف ، والذين اتفقوا على أن يجنحوا للسلبية فى هذه الأيام الحرجة وأن يبتعدوا عن الاشتراك فى أى مظاهرة معادية للمجلس وباتت البلاد فى قبضة مجلس قيادة الثورة مرة أخرى(55) .وهكذا أخرجت أزمة مارس الإخوان المسلمين من السجون،وخلقت حالة من الهدوء المشوب بالحذر والتفجر المكتوم بينهم وبين الثورة،وهو التفجر الذى كان ينتظر عود الثقاب لإشعاله ثانية .
2 – الجولة الثانية للصدام (أكتوبر 1954) : سبق أن رأينا أن الجهود كانت تبذل من أجل إعادة الجماعة إلى سابق عهدها قبل يناير 1954 على أن تمارس نشاطها دينياً فقط ويكون مرشدها عبد الرحمن البنا ، وقد أتاح حضور الملك سعود إلى مصر لهم الفرصة ليرتفع صوتهم مطالباً بعودة الجماعة ، حيث كان من بين أهداف زيارة الملك سعود التوسط فى أمر إعادة الجماعة ، وبالفعل نجحت الوساطة ورأت الثورة أن تعيد الجماعة ، وتم الإفراج عن الهضيبى والمعتقلين من الإخوان ثم صدر قرار مجلس قيادة الثورة بإعادة الجماعة وتسليمها ممتلكاتها ، وسمح للمرشد العام حسن الهضيبى وعدد من الإخوان بالسفر إلى سوريا والسعودية ، وهناك أدلى المرشد العام بتصريحات ضد الثورة وضد اتفاقية الجلاء ، وفى 27 يوليو ، أى وقت أن كان الهضيبى بالخارج أعلنت حكومتا مصر وبريطانيا موافقتهما المشتركة على عدد من المبادىء العامة كأساس لمعاهدة جديدة تسوى النزاع الانجليزى المصرى ، ولكن فى 31 يوليو نشرت صحيفة بيروتية(56) بأحرف ضخمة وعناوين بارزة ، رأى حسن الهضيبى فى الاتفاقية ، وكانت النقاط الرئيسية فى نقده هى كما يلى :
– كان من المفروض أن ينتهى أجل معاهدة 1936 بعد أقل من عامين وإذ ذاك كان على بريطانيا أن تجلو عن القاعدة وأن تتركها دون أساس قانونى يمكنها من العودة إليها فيما بعد ، أما المعاهدة الجديدة فتمنحها هذا الحق باشتمالها على مادة تسمح بإعادة تشغيل القاعدة فى حالة حدوث أى اعتداء على أية دولة عربية أو على تركيا .
– المادة التى تسمح بإعادة تنشيط القاعدة فى حالة اعتداء على تركيا يربط مصر والدول العربية بها ، وبالتالى يربطهم جميعاً بالمعسكر الغربى .
– الفقرة التى تسمح لبريطانيا بصيانة القواعد الجوية تمثل تهديداً لمصر وهى على المدى الطويل أداة لدوام السيطرة .
– المدنيون الذين سيناط بهم المساعدة فى تشغيل المعدات هم ، بطبيعة الحال ، شخصيات عسكرية فى ثياب مدنية .
– جددت الاتفاقية أجل معاهدة 1936 لفترة خمس سنوات أخرى ، وسمحت بإجراء تشاور لمراجعة الموقف عند انتهاء فترة العمل بها وهو نفس النوع من البنود التى كفل فى الواقع الاستمرار الدائم لمعاهدة 1936 ، بناء على هذه البواعث جميعاً رفض الهضيبى الاتفاقية مؤكداً أن أى اتفاقية بين مصر وحكومة أجنبية ينبغى أن تعرض على برلمان منتخب بإرادة حرة وعلى صحافة متحررة من الرقابة وتملك حرية المناقشة ، وقد ظل التوتر الذى أثارته هذه الآراء محكوماً ومسيطراً عليه طوال فترة تغيب الهضيبى الذى كان مايزال فى سوريا ، وعبد الناصر الذى سافر إلى السعودية من 5 إلى 17 أغسطس بغرض الحج وحضور مؤتمر لقادة البلدان الإسلامية الذى اقترح عقده مؤخراً فى مكة ، وعاد الهضيبى يوم الأحد الموافق 22 أغسطس وفى نفس اليوم بدأت الحكومة حملتها العنيفة لتفنيد هجومه على الاتفاقية معتمدة أساساً على إحياء قصة المعاهدة السرية التى قيل إن الهضيبى كان يتفاوض بشأنها مع البريطانيين فى ذلك الربيع والتى قيل إنه خلالها تنازل أكثر مما تنازلت الحكومة .
واستمرت الحملات المتبادلة بين الجماعة وبين الثورة طيلة شهرى أغسطس وسبتمبر عام 1954 ، ويأتى شهر أكتوبر ليشهد انفجار الصدام بين الإخوان المسلمين والثورة ، فمنذ الأيام الأولى للشهر قررت المجموعة التى سميت بقيادة الجهاز السرى،القيام باغتيال عبد الناصر(57) والذى كانت سيطرته الفعلية على البلاد قد وضحت وتحددت ، وقد اختارت القيادة محمود عبد اللطيف وهو سمكرى من ضاحية امبابة ، لانجاز هذا العمل ، وكان هنداوى دوير المحامى وقائد قطاع امبابة هو الذى أبلغه بهذا القرار وترك له ثلاثة أيام مهلة لاتخاذ قراره، وفى 19 أكتوبر وهو اليوم الذى وقع فيه عبد الناصر معاهدة الجلاء مع البريطانيين،قرر محمود عبد اللطيف قبول مهمة اغتياله بسبب ما ارتكبه من خيانة بتوقيعه للمعاهدة التى أهدرت حقوق الأمة وقد خطط لتنفيذ المهمة فى نفس اليوم،إلا أن الظروف لم تكن مواتية وسط هذا الحشد المتجمع والمختار بعناية لتنفيذ الخطة بنجاح لذا تم تأجيلها إلى وقت آخر أكثر ملاءمة .
وفى الرابع والعشرين من أكتوبر زار كمال خليفة وهو واحد من أبرز أعضاء مكتب الإرشاد جمال سالم نائب رئيس مجلس الوزراء وأطال فى تهنئته بالمعاهدة ، وفى ذلك المساء وبينما كان عبد الناصر يلقى خطابه أمام حشد كبير من المواطنين بالاسكندرية انطلقت عدة رصاصات وللحظة قصيرة توقف عبد الناصر عن الكلام بينما الرصاصات تدوى ، وكان محمود عبد اللطيف يجلس فى الصفوف الأمامية على بعد 15 متراً من منصة الخطباء والضيوف ، وأصيب ميرغنى حمزة وزير خارجية السودان والمحامى أحمد بدر الذى كان يقف بجانب جمال عبد الناصر – الذى لم تصبه الرصاصات – والذى أصر على متابعة خطبته بعدما حدث فى السرادق من هرج مردداً قوله” أيها الرجال فليبق كل فى مكانه..حياتى لكم ،وهى فداء لمصر ، أتكلم إليكم بعون الله بعد أن حاول المغرضون أن يعتدوا علىّ،إن حياة جمال عبد الناصر ملك لكم عشت لكم وسأعيش حتى أموت عاملاً من أجلكم وفى سبيلكم”(58).
وكان حادث الاعتداء نقطة تحول هامة فى مشاعر الشعب الذى كان يرفض إرهاب الإخوان المسلمين قبل 23 يوليو 1952 ونقطة تحول أخرى لصالح شعبية عبد الناصر الذى قام بجولة يوم 27 أكتوبر فى رحلة عودة من الاسكندرية إلى القاهرة،ولقد قوبل بمظاهرات تأييد له(59).
وفى ليلة الحادث صدرت الأوامر باعتقال الإخوان المسلمين وبدأت أكبر حملة شهدتها مصر حتى وصل الأمر إلى حد إعطاء المعتقلين بطاقات يسجلون فيها أسماءهم وعناوينهم لتدون فى كشوف سليمة “(60) ، وشكل مجلس قيادة الثورة فى أول نوفمبر 1954 محكمة خاصة باسم (محكمة الشعب) برئاسة جمال سالم وعضوية أنور السادات وحسين الشافعى ، فكانت بهذا رابع نوع من المحاكم تشكله الثورة بعد المجالس العسكرية ، ومحكمة الغدر ، ومحكمة الثورة، وقد شكلت ثلاث دوائر فرعية من محكمة الشعب ، الأولى برئاسة اللواء صلاح حتاته، والثانية برئاسة قائد الجناح عبد الرحمن عنان والثالثة برئاسة القائمقام حسين محفوظ ندا ، ولقد اضطرب الشهود وانتابهم الخوف ، كما أنهم فى الأغلب الأعم كانوا يفتقرون إلى الحياد أما الأدلة فكانت حافلة بالمتناقضات وكان مرجع ذلك لأسلوب معاملة الشهود من ناحية وإلى تحفظ الشهود وعدم توفر الرغبة لديهم فى الافصاح وفضلاً عن ذلك فقد عكست هذه الأدلة من جهة ثانية وضع كل شاهد داخل الجماعة ، وبالتالى عكست المستويات والمنطلقات المتعددة التى نظر منها للمسائل موضع التحقيق ، كما أن السهولة الملحوظة التى انهار بها الولاء ، ووجه بها الأعضاء أصبع الاتهام كل منهم نحو الآخر ، أظهرت إلى أى مدى اهتزت مشاعر الثقة المتبادلة ، ونفس الشىء حدث أيضاً فى التحقيقات التمهيدية والتى ظهرت من خلال معظم الاعترافات(61) .وفى الرابع من ديسمبر نطق الحكم الأول فى محكمة الشعب تلاه الأحكام الأخرى ، فلقد بلغ عدد الذين حكمت عليهم محاكم الشعب 867 ، وعدد الذين حكمت عليهم المحاكم العسكرية من المتهمين الذين ينتمون إلى الجيش وعددهم 254 ، وصدر الحكم بإعدام محمود عبداللطيف ويوسف طلعت ، وهنداوى دوير وإبراهيم الطيب وعبد القادر عودة ومحمد فرغلى ونفذ الحكم فعلاً ، كما صدر حكم بإعدام حسن الهضيبى ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة ، ثم حكم على سبعة آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة .
وهكذا ومع وصول الصدام الأول بين الثورة والإخوان إلى نهايته الدرامية هذه –ويؤكد التاريخ لاحقا أن كل صدمات الاخوان مع الثورة ثم مع الدولة كان دائما الاخوان بمواقفهم الانتهازية هم السبب الاكبر فيها !-، كانت الأوضاع فى مصر قد تحددت تماماً ، فعزل محمد نجيب من رئاسة الجمهورية ، وتم حل جميع الأحزاب السياسية ، بما فيهم الإخوان ، ووجود قيادتها داخل السجن ، وأغلقت جريدة المصرى ، والتى لعبت دوراً كبيراً فى أزمة مارس 1954 ، وفشلت محاولات الانقلاب العسكرى وانتهاء التنظيمات العسكرية المستقلة أو التابعة للقوى السياسية الخارجية داخل الجيش ، ثم حلت مجالس نقابات الصحفيين والمحامين وعينت لها لجان مؤقتة موالية لمجلس قيادة الثورة ، وأخيراً حلت جماعة الإخوان ، واستقرت الأوضاع تماماً للنظام السياسى الجديد(62).
والآن: إلى نصوص التحقيقات السرية مع الإخوان فى صدام مارس 1954، والتى تظهر أكثر حقيقة (التنظيم السرى الخاص) وجرائمه ليس ضد الوطن وقيادات الثورة ولكن ضد الإسلام ذاته.
اهوامش المقدمة التحليلية
1- أنور السادات: أسرار الثورة المصرية في : عبد الهادى الخطيب : الدور السياسى لحركة الإخوان المسلمين ، مصدر سابق ، ص262
2- المصدر السابق ، ص ص 262 – 263
3- ريتشارد ميتشيل : الإخوان المسلمون ، مصدر سابق ، ص 58
4- عبد الهادى الخطيب ، مصدر سابق ، ص 263 .
5- المصدر السابق
6- د. حامد ربيع : محاضرات في النظرية السياسية ، محاضرات غير منشورة ، ألقيت على طلبة تمهيدى الماجستير (جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد ، 1981) ص ص 34 – 40 .
7- أحمد حمروش : قصة ثورة 23 يوليو ، الجزء الأول طبعة جديدة (القاهرة ، دار الموقف العربى ، 1982 ، ص ص 127 – 135
8- افتتاحية بقلم أحمد حسين في صحيفة مصر الفتاة ، بتاريخ 27 يوليو 1945 .
9- عبد الهادى الخطيب ، مصدر سابق ، ص ص 266 – 268
10- من المعبرين عن وجهة النظر هذه :
– د. على الدين هلال : السياسة والحكم في مصر (القاهرة ، مكتبة نهضة الشرق ، 1977)
– طارق البشرى : الحركة السياسية في مصر 1945 – 1952 ، مصدر سابق
– جاكوب لاندو : تاريخ الأحزاب والحياة البرلمانية في مصر ، ترجمة سامى الليثى (بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1974)
11- ريتشارد ميتشل : الإخوان المسلمون ، مصدر سابق ، ص208
12- المصدر السابق ، ص 219
13- نفس المصدر ، ص ص 212 – 213
14- نفس المصدر ، ص 213
15- صلاح شادى : عن علاقة الضباط الأحرار بالإخوان : مجلة الدعوة ، عدد مايو 1978
16- الرواية الكاملة لحسن العشماوى في كتابه : الإخوان والثورة (القاهرة ، مؤسسة روزاليوسف 1978) .
17- خالد محيى الدين : جريدة الأهالى بتاريخ 26/7/1978
18- أنور السادات : البحث عن الذات ، قصة حياتى (القاهرة ، المكتب المصرى الحديث ، 1979 ، ط3) ص ص 34 – 36
19- خطاب للرئيس جمال عبد الناصر بتاريخ 18 نوفمبر 1965
20- أحمد حمروش : قصة ثورة 23 يوليو ، الجزء الأول ، مصدر سابق ، ص 135
21- عبد العظيم رمضان : عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص ص 273 – 286
22- أحمد حمروش : قصة ثورة 23 يوليو ، الجزء الأول ، مصدر سابق ، ص 130
23- ريتشارد ميتشيل ، مصدر سابق ، ص ص 302 – 318 .
24- أحمد حمروش : قصة ثورة 23 يوليو ، ج2 ، مصدر سابق ، ص 128
25- عبد الله إمام : عبد الناصر والإخوان المسلمون (القاهرة ، دار الموقف العربى ، 1981) ص 50
26- المصدر السابق ، ص 51
27- د. عبد العظيم رمضان ، عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص ص 273 – 285
28- د. عبد العظيم ، الاخوان المسلمون والتنظيم السرى (القاهرة ، روزاليوسف ، 1982) ص ص 140 – 150
29- قارن هنا مداخلة جيدة وشاملة بين الروايات المختلفة بشأن قضية وزراء الاخوان في : د. عبد العظيم رمضان : عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص ص 112 – 120
30- بتفصيل أكثر ، انظر : د. عبد العظيم رمضان : الاخوان والتنظيم السرى ، مصدر سابق ، ص ص 147 – 150
30- وزارة العدل : التشريعات الصادرة خلال الستة شهور الأولى لعهد التحرير من 23 يوليو 1952 إلى 23 يناير 1952 (القاهرة ، المطبعة الأميرية ، 1953 ، ص ص 167 – 180) .
31- د. عبد العظيم رمضان ، عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص 120
32- المصدر السابق ، ص 121 .
33- د. عبد العظيم رمضان : عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص 123
34- المصدر السابق ، ص 124
35- وزارة العدل : مصدر سابق ، ص ص 167 – 175
36- الكتاب الأبيض : القضية المصرية 1882 – 1954 (القاهرة ، المطبعة الأميرية – د.ت) ص ص 704 – 773
37- د. عبد العظيم رمضان : عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص 130
38- المصدر السابق ، ص 130
39- المصدر السابق ، ص 137
40- أورد هذا بتفصيل : د. عبد العظيم رمضان ، عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص ص 130 – 140 .
41- عبد الله إمام : مصدر سابق ، ص 58 – 70
42- أحمد حمروش ، قصة ثورة 23 يوليو ، ج1 ، مصدر سابق ، ص 132
43- المصدر السابق ، نفس الصفحة .
44- جريدة الأهرام بتاريخ 15 يناير 1954 : بيان مجلس قيادة الثورة بحل جماعة الإخوان المسلمين .
45- أحمد حمروش : قصة ثورة 23 يوليو ، ج1 ، مصدر سابق ، ص 131
46- بتفصيل انظر : د. عبد العظيم رمضان ، عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص ص 107 – 130
47- بيان مجلس قيادة الثورة بحل جماعة الإخوان المسلمين – مصدر سابق .
48- عبد الله امام : مصدر سابق ، ص61
49- جريدة الجمهورية 13 فبراير 1954 ، كذلك : مجلة الدعوة بتاريخ 16 فبراير 1954 .
50- أحمد حمروش : قصة ثورة يوليو ج1 ، مصدر سابق ، ص135
51- مجلة الدعوة بتاريخ 5 أكتوبر 1954 ، ص7
52- تفصيل دقيق للأزمة فى : أحمد حمروش ، قصة ثورة 23 يوليو ، مصدر سابق ، ص ص 137 – 189
كذلك : د. عبد العظيم رمضان : عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص ص 151 – 220 – أعداد جريدة الأهرام خلال الفترة (28 مارس – 25 أبريل 1954) .
53- أحمد حمروش : قصة ثورة يوليو ج1 ، مصدر سابق ، ص135
54- الدعوة فى 16 مارس 1954 ، ص1
55- أحمد حمروش : قصة ثورة يوليو ج1 ، مصدر سابق ، ص175
56- جريدة الهدف فى 31 يوليو 1954 ص1 ، وقد تسربت نسخ كثيرة من هذا العدد إلى مصر وكذلك أذيع الحديث من راديو دمشق ، نقلاً عن : ريتشارد ميتشل : مصدر سابق ، ص ص 279 – 280
57- د. عبد العظيم رمضان : الإخوان والتنظيم السرى ، مصدر سابق ، ص ص 133 – 150
58- تفاصيل الاعتداء على عبد الناصر فى :
– جريدة الأهرام بتاريخ 25 ، 26 أكتوبر 1954 ، كذلك : د. عبد العظيم رمضان : عبد الناصر وأزمة مارس ، مصدر سابق ، ص220 ، الإخوان المسلمون والتنظيم السرى ، مصدر سابق ، ص ص 133 – 150 – ريتشارد ميتشل : مصدر سابق ، ص302
59- ميتشيل : مصدر سابق : ص 303
60- أحمد حمروش : قصة ثورة يوليو ج1 ، مصدر سابق ، ص186
61- ريتشارد ميتشل : مصدر سابق ، ص 309
62- يذهب صلاح عيسى إلى القول بأن السلوك السياسى للإخوان المسلمين خلال هذه المرحلة (1953 – 1954) هو الذى دفع بعبدالناصر إلى التخلص منهم ، بل ” إلى أن يصير ديكتاتوراً كما وصفوه ” : انظر : صلاح عيسى : الإخوان المسلمون : من المسئول عن ديكتاتورية عبد الناصر ؟ جريدة الهدف الكويتية بتاريخ 30/6/1977.
يتبع
2026-08-22