الإعلام الإسرائيلي بين “إرهاب الطائرات الورقية” وواقع الاحتلال والانتخابات الفلسطينية!
بقلم: بكر السباتين…
يصعب فهم المشهد (الفلسطيني-الإسرائيلي) الراهن بمعزل عن تداخل حرب الإبادة في غزة، والتصعيد الدموي في الضفة الغربية، حيث تتسع اعتداءات المستوطنين بدعم من وزراء في الحكومة الإسرائيلية، بالتوازي مع التحولات المتسارعة داخل النظام السياسي الفلسطيني. والمفارقة التي تكشفها التغطية الإعلامية الإسرائيلية لا تكمن في حجم الأخبار وحده، بل في معايير تعريف الخطر وترتيب أولويات الاهتمام العام؛ إذ يُضخَّم ما يمسّ أمن الإسرائيليين وحياتهم اليومية، فيما يتراجع العدوان الواقع على الفلسطينيين إلى هامش التغطية، بما يعكس خللًا أعمق في منظومة المعايير التي تُقدَّم من خلالها الحرب والاحتلال إلى الجمهور الإسرائيلي، في تناقض صارخ مع الموقف الدولي المتنامي إدانةً لسياسات الاحتلال وما تخلّفه من قتل وتهجير ودمار.
فقد تحولت الاضطرابات التي شهدها مطار بن غوريون إلى قضية أثارت غضبًا واسعًا في كيان الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما التقطه الصحفي في “هآرتس” جدعون ليفي، الذي رأى في المطار صورة مكثفة ل”إسرائيل” بما تحمله من امتيازات هرمية اجتماعية، وبما يعكس أيضًا رغبة في امتلاك «طريق للخروج». وهذه القراءة لا تتوقف عند المطار ذاته، بل تكشف هشاشة الشعور بالأمن في مجتمع يعيش منذ السابع من أكتوبر في ظل حرب واستنفار متواصلين.
وفي المقابل، تصاعد في الإعلام الإسرائيلي الحديث عن الطائرات الورقية القادمة من غزة، إذ تعاملت “إسرائيل” مع عمليات إطلاقها بوصفها تهديدًا أمنيًا، فيما وصف وزير الدفاع يسرائيل كاتس كل عملية إطلاق بأنها “عمل حربي”. وأشارت “جيروزاليم بوست” إلى أن إحدى الطائرات التي عبرت الحدود لم تكن تحمل متفجرات، رغم توعّد نتنياهو وكاتس بتكثيف الضربات وإخلاء المناطق التي تنطلق منها. وتكشف هذه المبالغة، في جوهرها، عن «”فوبيا المقاومة” التي أحدثتها غزة في الوعي الإسرائيلي، في وقت أسهمت فيه المقاومة بصمودها الأسطوري، والدم الفلسطيني المراق في بناء السردية الفلسطينية، وصولًا إلى قلب صورة الصراع في الوعي والرأي العام العالمي.
وهنا تتبدّى المفارقة السياسية والإعلامية بأوضح صورها: كيف تتحول وسيلة بدائية محدودة الخطر إلى عنوان أمني كبير، بينما تتواصل المجازر الأوسع نطاقًا بحق الفلسطينيين؟ إنه الفارق بين صوت الضحية الذي يفضح حقيقة الاحتلال، ونعيق إعلام إسرائيلي تبريري يعيد تعريف المعتدي ضحيةً والضحية تهديدًا.
وتزداد المفارقة وضوحًا في الضفة الغربية، حيث أعلن كاتس إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية. ورأى منتقدون وخبراء أن الخطوة قد تشكّل مسارًا إضافيًا نحو الضم الفعلي، فيما أكد الجيش أنها لا تزال قيد الإعداد ولم تدخل حيّز التنفيذ، بينما اعتبر مسؤولون فلسطينيون أنها تستهدف ترسيخ السيطرة المدنية الإسرائيلية على الأرض المحتلة. والمفارقة أن أصواتًا في قيادة السلطة الفلسطينية تواصل الاكتفاء بالاحتجاج السياسي، فيما تبقى قبضتها الأمنية موجهة أساسًا إلى الداخل الفلسطيني، ولا سيما تجاه أي حراك مقاوم للاحتلال؛ بما يكرّس، في نظر منتقديها، اختلالًا فادحًا في ترتيب الأولويات الوطنية.
وليس هذا فحسب؛ فالاحتلال يوسّع عملياته في جنوب لبنان وجنوب سوريا، في مسعى لترسيخ وجوده العسكري والجغرافي ضمن مشروعه التوسعي، في مواجهة مقاومة قوى المحور الإيراني من جهة، ومحاولة احتواء النفوذ التركي المتنامي في سوريا من جهة أخرى، في ظل تشابك (تركي-سعودي-باكستاني) في معادلات الإقليم.
ففي جنوب لبنان، شهدت المنطقة تصعيدًا دمويًا تمثل في غارات إسرائيلية على بلدات، بينها أنصار ودير الزهراني ومحيط النبطية، أسفرت، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”، عن مقتل”استشهاد” 11 شخصًا وإصابة 19 آخرين، في واحدة من أعنف الهجمات منذ وقف إطلاق النار. ويكشف هذا التصعيد أن الحرب الإسرائيلية لم تعد محصورة بجبهة غزة، بل تتجه إلى تثبيت وقائع عسكرية جديدة على امتداد الإقليم، بما يجعل الصراع على الأرض والنفوذ جزءًا من معركة أوسع تتجاوز حدود فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا.
أما في سوريا، فتتجاوز التطورات الأخيرة حدود الخلاف السوري-الإسرائيلي إلى صراع أوسع على شكل الدولة السورية وموقع تركيا في معادلاتها الأمنية والجيوسياسية. فقد قصفت “إسرائيل” قاعدة أبو الظهور في إدلب، مبررة الضربة بمخاوف من احتمال نشر قوات تركية فيها، فيما نفت دمشق وأنقرة هذه الاتهامات. وأعقب ذلك لقاء بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان، بوساطة وضغط أميركيين، لبحث احتواء التصعيد وإمكان استئناف المسار الأمني.
وتكشف هذه التطورات أن سوريا باتت ساحة لتقاطع مشاريع إقليمية ودولية متنافسة؛ فـ”إسرائيل” تسعى إلى فرض حدود أمنية وشروط ميدانية جديدة، وتركيا تعمل على تثبيت نفوذها داخل سوريا، فيما تحاول واشنطن إدارة التوازن بين الطرفين بما يحفظ مصالحها، بل وتسعى، وفق هذه القراءة، إلى دفع الشرع نحو حرب استنزاف مع حزب الله تخدم في محصلتها الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
ومن ثمّ، فإن مستقبل سوريا لا يُرسم في دمشق وحدها، بل يتشكل أيضًا تحت تأثير صراع النفوذ بين “إسرائيل” وتركيا والولايات المتحدة، فيما يبقى القرار السوري أمام اختبار صعب: هل يستطيع الحفاظ على استقلاله السياسي، أم يتحول إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية المتنافسة؟
وهذه التطورات مجتمعة تعطي معنى أوسع لما يمكن وصفه بالمشروع الإسرائيلي لإعادة صياغة البيئة الإقليمية المحيطة به؛ من غزة ولبنان إلى سوريا والضفة، عبر مزيج من القوة العسكرية، وإعادة هندسة الترتيبات الأمنية، وتثبيت وقائع ميدانية قد تتحول لاحقًا إلى وقائع سياسية.
الانتخابات الفلسطينية والوقت الضائع
في هذا السياق الإقليمي المضطرب، وقبل أن تضيق نافذة الوقت، تبدو الانتخابات الفلسطينية المقبلة أبعد من مجرد استحقاق دستوري؛ فهي قد تتحول إلى مدخل لإعادة ترتيب موازين القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني. فقد أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا بإجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر 2026، على أن تتبعها انتخابات رئاسية عام 2027، لتكون أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عام 2006.
لكن التطور الأهم يتمثل في التحالفات التي بدأت تتشكل خارج الخريطة التقليدية. فقد أكدت حركة حماس مشاركتها في الانتخابات ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن، فيما عقدت قيادة الحركة لقاءات في القاهرة مع تيار الإصلاح الديمقراطي في فتح بقيادة محمد دحلان، وجرى بحث تشكيل قائمة انتخابية مشتركة. كما تحدثت تقارير عن اتصالات تشمل الجهاد الإسلامي وقوى وشخصيات فلسطينية أخرى، بينها ناصر القدوة.
والمفاجأة أن دحلان، المرتبط بالأجندة الإسرائيلية، والذي كان يومًا الخصم اللدود لحماس، يبدو اليوم، في حساباتها، أهونَ الخطرين في معركة مفصلية تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني؛ فالحركة تواجه سلطة أوسلو المرتبطة منذ سنوات بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، وفي الوقت نفسه احتمال صعود تيار دحلان إلى موقع مؤثر في إعادة تشكيل مركز القرار الفلسطيني.
وهنا تكمن أهمية التحالف المحتمل؛ فالمسألة لا تتعلق بإضافة أصوات إلى صناديق الاقتراع فحسب، وإنما بإمكان إعادة توزيع موازين القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني نفسه. فحماس، التي بقيت خارج مؤسسات السلطة بعد الانقسام الفلسطيني الذي بدأ في يونيو 2007 إثر أزمة سياسية واشتباكات مسلحة مع حركة فتح (وفق خطة أمنية إسرائيلية)، تدخل السباق هذه المرة في ظل حضورها المباشر في ترتيبات غزة، بينما يسعى تيار دحلان إلى استعادة موقع مؤثر في المعادلة السياسية من خارج القيادة الحالية لفتح.
وإذا كان الانقسام قد أعاد رسم الخريطة السياسية الفلسطينية لأكثر من عقد، فإن التحالف المحتمل بين حماس وتيار دحلان قد يفتح الباب أمام إعادة رسمها مجددًا، ولكن هذه المرة عبر صناديق الاقتراع لا عبر الاشتباك الميداني؛ وهو ما يجعل الانتخابات المقبلة اختبارًا لمستقبل مركز القرار الفلسطيني، وليس مجرد استحقاق لتوزيع المقاعد.
ويتعزز هذا التحول بالتغير في طريقة التعامل الأميركي مع حماس؛ فقد التقى المبعوث الأميركي جاريد كوشنر القيادي في حماس خليل الحية في القاهرة ضمن مساعي دفع خارطة الطريق الخاصة بغزة، في تحول لافت عن سياسة الاستبعاد السابقة. وتشمل الخطة المطروحة ترتيبات تتصل بنزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي وإعادة إعمار القطاع.
لذلك، فإن الانتخابات المقبلة قد تتحول إلى معركة على مركز صناعة القرار الفلسطيني أكثر من كونها معركة على عدد المقاعد. فإذا حافظت فتح على تماسكها الداخلي وموقعها القيادي، فقد تنتج الانتخابات تجديدًا للشرعية السياسية القائمة؛ أما إذا نجحت التحالفات الجديدة في تشكيل كتلة وازنة، فقد تفتح الطريق أمام إعادة توزيع السلطة، وربما إعادة تعريف القيادة الفلسطينية نفسها.
وفي المحصلة، تتقاطع الصورتان: إعلام إسرائيلي يضخّم بعض مصادر الخطر، فيما تتسع على الأرض دوائر القتل والتهجير والاستيطان؛ ومشهد سياسي فلسطيني يستعد لمعركة انتخابية قد لا تحدد تركيبة المجلس التشريعي فحسب، بل شكل القيادة ومركز القرار في المرحلة المقبلة.
والمفارقة الأعمق أن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الأرض؛ فالصراع لا يدور فقط حول من يملك القوة، بل حول من يملك حق تعريف الضحية، وتحديد مصدر الخطر، وصياغة صورة المستقبل. ومن هنا، فإن الانتخابات الفلسطينية المقبلة قد تكون، في جوهرها، معركة على من يملك مفتاح القرار الفلسطيني ومن يملك رواية هذا القرار.
24 أوغسطس 2026