الحياة لا تحتاج السرعة… بل تحتاج الصبر!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
في زمنٍ صار فيه الناس يقيسون أعمارهم بعدد الإنجازات، ويحسبون الأيام كأنها سباقٌ لا نهاية له، أصبحت السرعة شهوةً جماعية، بل تحوّلت إلى ما يشبه المرض الذي يصيب الروح قبل الجسد. الجميع يركض… ولا أحد يسأل: إلى أين؟ ولماذا؟
لكن الحياة، في حقيقتها العميقة، لا تكافئ الأسرع دائمًا… بل تكافئ الأصدق، والأثبت، والأقدر على الاحتمال.
إنّ الصبر ليس انتظارًا خاملاً، ولا سكونًا بلا معنى، بل هو ذلك الفن النادر الذي يجعل الإنسان قادرًا على العبور فوق خيباته دون أن ينكسر، وعلى حمل أثقاله دون أن يتذمّر، وعلى تأجيل فرحه دون أن يفقد الأمل. الصبر هو القوة التي لا تُرى، لكنه يبني داخلنا مدنًا كاملة من التوازن والحكمة.
كم من بابٍ تأخر فتحه، فظننا أن القدر يعاندنا، ثم اكتشفنا لاحقًا أنّ التأخير كان رحمة، وأنّ الزمن كان يعيد ترتيب الطريق كي لا نسقط في المنعطف الخاطئ. وكم من حلمٍ استعجلناه فخرج ناقصًا، وكم من خطوةٍ قفزنا إليها قبل أوانها فكانت سببًا في ندمٍ طويل.
الحياة ليست سباقًا نحو النهاية… فالنهاية واحدة للجميع. إنما الحياة رحلةٌ نحو الفهم، نحو النضج، نحو إدراك أن الأشياء الجميلة لا تأتي بالعجلة، بل تُصنع على مهل، كما تنضج الثمار في صمت، وكما تتشكل الأنهار من قطراتٍ صبورة.
إنّ الصبر لا يغيّر الزمن، لكنه يغيّر الإنسان. يجعل القلب أكثر اتساعًا، والعقل أكثر حكمة، والنفس أقل خوفًا من المجهول.
ولهذا…
الحياة لا تحتاج السرعة.
الحياة تحتاج الصبر.
ففي الصبر تتربّى الأرواح، وتُختبر المعادن، وتولد المعاني التي لا يراها المستعجلون.
2026-02-26