استرداد المال العام لا يعني إسقاط الجريمة!
قراءة قانونية في مبدأ العفو عن سارقي المال العام
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
إذا صحّ ما أُعلن في العراق على لسان دولة رئيس الوزراء الأستاذ علي الزيدي المحترم، من أن كل من سرق أو اختلس من أموال الدولة يمكن أن يُعفى عنه في حال إعادة ما سرقه، فإن هذا التوجه، على الرغم من أنه قد يبدو للوهلة الأولى إجراءً عمليًا لاسترداد المال العام، يثير إشكالية قانونية خطيرة تمس جوهر العدالة الجنائية، ومبدأ سيادة القانون، وحق المجتمع في معاقبة من اعتدى على أمواله ومقدراته.
إن المال العام ليس مالًا مجهول المالك، ولا هو ملك للحكومة بوصفها سلطة تنفيذية تستطيع أن تتنازل عنه متى شاءت، بل هو مال الشعب، وحق الأجيال، ووسيلة الدولة في التعليم والصحة والبناء والخدمات والتنمية. ومن ثم فإن الاعتداء عليه لا يمثل ضررًا ماليًا فحسب، بل يمثل اعتداءً على الثقة العامة، وعلى هيبة الدولة، وعلى مبدأ المساواة أمام القانون.
إن إعادة المال المسروق أو المختلس إجراء ضروري لا خلاف عليه، لكنه لا يجوز قانونًا ولا أخلاقيًا أن يتحول إلى بديل عن المسؤولية الجزائية. فالقاعدة العامة في القانون الجنائي أن الجريمة لا تزول بمجرد إزالة بعض آثارها. فمن يسرق مالًا ثم يعيده لا يصبح بريئًا، بل تبقى الجريمة قائمة، لأن الفعل الإجرامي قد وقع، والإرادة الجرمية قد تحققت، والضرر الاجتماعي قد حصل. أما رد المال، فيمكن أن يُعد ظرفًا مخففًا أو سببًا لتقدير العقوبة ضمن حدود القانون، لكنه لا ينبغي أن يكون سببًا لمحو الجريمة أو مكافأة مرتكبها.
إن خطورة هذا التوجه تكمن في أنه قد يرسل رسالة خاطئة إلى المجتمع مفادها أن سرقة المال العام مغامرة قابلة للتسوية: من يسرق ويُكتشف يعيد ما سرق، ومن لا يُكتشف يحتفظ بما نهب. وهذه معادلة تهدم الردع العام، وتشجع الفاسدين على التعامل مع المال العام بوصفه فرصة استثمارية غير مشروعة، لا جريمة تستوجب العقاب.
والأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن اختلسوا أو سرقوا أموال العراق لم يحتفظوا بها جامدة في خزائنهم، بل استثمروها لسنوات طويلة في العقارات، والشركات، والمصارف، والمشاريع التجارية، وربما حولوها إلى الخارج، وحققوا منها أرباحًا طائلة. فهل يكفي أن يعيد السارق أصل المبلغ بعد عشر أو عشرين سنة، بينما يحتفظ بالأرباح والعوائد والنفوذ والمكانة التي بناها من مال الشعب؟ إن العدالة لا تقتضي إعادة رأس المال فقط، بل تقتضي استرداد المال وفوائده ومنافعه وأرباحه، ومحاسبة الجاني على الجريمة الأصلية وما ترتب عليها من إثراء غير مشروع.
كما أن الإعفاء المطلق يخلق تمييزًا غير عادل بين المواطنين. فالمواطن البسيط إذا سرق مبلغًا صغيرًا قد يُلاحق قضائيًا ويُعاقب، بينما من ينهب الملايين أو المليارات يمكن أن يخرج من المسؤولية بمجرد التسوية المالية. وهذا ينسف مبدأ المساواة أمام القانون، ويجعل العدالة قاسية على الضعفاء ولينة أمام أصحاب النفوذ والمال.
إن مكافحة الفساد لا تتحقق بالمساومات الواسعة، بل ببناء منظومة قانونية حازمة تقوم على أربعة أركان: استرداد المال العام، ومصادرة الأرباح المتولدة عنه، ومحاكمة الجناة، ومنعهم من تولي المناصب العامة أو التعاقد مع الدولة مستقبلًا. أما الاكتفاء برد المال من دون عقوبة، فإنه يحوّل مكافحة الفساد إلى عملية محاسبية لا إلى عدالة جنائية.
ومن الناحية القانونية، يجب التمييز بين “التسوية المالية” و“العفو الجزائي”. فالتسوية قد تكون أداة لاسترداد المال أو تسريع الإجراءات أو كشف شبكات الفساد، لكنها لا ينبغي أن تُمنح إلا بضوابط دقيقة، وتحت رقابة القضاء، وبما لا يمس حق المجتمع في العقاب. أما العفو الكامل عن جرائم اختلاس المال العام وسرقته، فإنه يحتاج إلى أساس قانوني واضح، ولا يجوز أن يكون قرارًا إداريًا أو سياسيًا عامًا يسبق التحقيق والمحاكمة.
إن الدولة التي تريد استرداد أموالها المنهوبة يجب أن لا تظهر بمظهر الطرف الضعيف الذي يفاوض السارق على إعادة جزء من حقها، بل بمظهر السلطة العادلة القادرة على استرداد المال ومحاسبة الفاعل معًا. فالغاية ليست جمع الأموال فقط، بل إعادة الاعتبار للقانون، وترسيخ الثقة بأن المال العام محمي، وأن من يعتدي عليه لا ينجو من العقاب.
إن العراق، وقد عانى طويلًا من الفساد والهدر والاختلاس، بحاجة إلى سياسة قانونية صارمة لا تخلط بين الرحمة والتساهل، ولا بين استرداد الحق وإلغاء الجريمة. ويمكن للحكومة أن تفتح بابًا قانونيًا منظمًا لإعادة الأموال، لكن بشرط أن يكون ذلك مقرونًا بالتحقيق، والإقرار، وكشف الشركاء، واسترداد الأرباح، وصدور حكم قضائي، وفرض عقوبات مناسبة قد تشمل الحرمان من الوظيفة العامة، والمنع من الترشح، ومصادرة الأموال غير المشروعة، والتشهير القانوني بمن تثبت إدانتهم.
نستنتج أن إعادة المال العام واجب لا منّة فيه، وأنها لا تكفي وحدها لإسقاط المسؤولية الجنائية. فالسارق لا يُكافأ لأنه أعاد ما سرق بعد أن انتفع به سنوات طويلة، والمختلس لا يُمنح صك براءة لأنه رد جزءًا من حقوق الشعب. العدالة الحقيقية تقتضي استرداد المال، واسترداد أرباحه، ومعاقبة الجاني، وتجفيف البيئة التي صنعت الفساد وحمته.
إن العراق لا يحتاج إلى عفو عن الفاسدين، بل يحتاج إلى عدالة لا تخاف الفاسدين، وإلى قانون لا يساوم على المال العام، وإلى دولة تقول بوضوح: من سرق الشعب يعيد ما سرق، ويدفع ثمن جريمته أمام القضاء.
2026-07-03