الهيمنة الأمريكية!
زينب مهدي*
الجزء السادس :
عندما يتحول تكرار الخطأ الفادح إلى غباء مُطلق
نشر مكتب المفتش العام الأمريكي (SIGIR) تقريراً تحت عنوان “الدروس من العراق”(Learning From Iraq)، ليلخص نتائج 390 تدقيقاً مالياً و600 جولة تفتيشية ميدانية، (٢٠٠٤-٢٠١٣)كاشفاً عن تفاصيل الهدر المالي عبر المحاور الآتية:
* خصص الكونغرس الأمريكي نحو 60 مليار دولار من صندوق تنمية العراق في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك و التي تتشكل مواردها المالية من المصادر التالية:
* عائدات النفط العراقي
* أرصدة برنامج “النفط مقابل الغذاء”
* الأصول العراقية المجمّدة في البنوك العالمية منذ حرب الخليج
* كما قدمت دول ومنظمات دولية التزامات بمليارات الدولارات كقروض ميسرة، أو خطوط ائتمان صادرات لشراء بضائع تلك الدول، أو مساعدات عينية مشروطة لحماية مصالحها داخل العراق
* قدّر المفتش العام أن ما لا يقل عن 8 مليارات دولار تلاشت تماماً نتيجة الاحتيال، عمولات غير مشروعة، وتصاميم فاشلة.
* أكد التقرير أن ضعف السجلات المحاسبية والبيانات غير الموحدة لدى وزارتي الدفاع والخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية (USAID) جعل من المستحيل قانونياً معرفة الوجهة النهائية لمليارات إضافية من أموال الصندوق .
* حققت شركات المقاولات الأمنية والدفاعية الخاصة أرباحاً تجاوزت 140 مليار دولار في الساحة العراقية. مثلاً قامت إحدى الشركات المتعاقدة بتقديم فواتير تطالب فيها الحكومة الأمريكية بمبلغ 900 دولار مقابل مفتاح كهربائي يبلغ قيمته الحقيقية 7 دولارات فقط، أي بنسبة تضخيم وتزوير بلغت 12,000%
* نستعرض لكم نموذج بسيط من المشاريع الامريكية الفاشلة في العراق منذ عام 2003 حتى الآن ، مستندة لتحقيقات رسمية و تقارير مستقلة اخرى مثل جامعة براون (مستندات كلفة الحرب) منظمات الرقابة و الصحافة الاستقصائية العالمية والوثائق الحكومية:
١- مشاريع الكهرباء والماء: أثبت التفتيش الميداني لـ 8 مشاريع حيوية كبرى أن 7 منها توقفت عن العمل بالكامل فور تسليمها بسبب غياب الصيانة وقطع الغيار.
٢- محطات طاقة البصرة: تخصيص ٢٨ مليون دولار بدايةً لبناء خمس محطات توليد كهرباء، لكنها فشلت لعدم ربطها بأسلاك ومحطات نقل الطاقة الفرعية لتوصيل الكهرباء للمواطنين.
٣- مشروع ماء وصرف صحي الناصرية: محطة معالجة بتكلفة 5.5 مليون دولار فشلت لعدم تدريب الكادر العراقي المحلي على تشغيلها.
٤- إعادة تأهيل سد الموصل: عقود بملايين الدولارات لتقديم آليات ومواد حقن السد، والتي شابها تعثر كبير ونقص في معدات الحقن الفعلية المطلوبة لتفادي خطر الانهيار.
٥- مستشفى النساء والتوليد في النجف: صرف نحو 8 ملايين دولار دون تحقيق أي إنجاز حقيقي
٦- مكتبة كربلاء المركزية: دفع مبالغ تجاوزت 1.8 مليون دولار لإعادة تأهيلها، وتبين لاحقاً أن العمل لم يُنفذ أصلاً على الأرض.
٧- شركة بارسونز ، بناء وتأهيل أكاديمية شرطة بغداد : تسبب سوء التصميم البنيوي في تسرب مياه الصرف الصحي من الطابق الثاني عبر الأسقف وجدران المكاتب وغرف النوم، مما هدد سلامة المبنى وصحة المتدربين .
٨- مشروع آخر للشركة: تأهيل وميكنة المراكز الصحية : حيث تم إنهاء العقد بعد أن أكملت 20 مركزاً فقط من أصل 142 بسبب الهدر المالي الهائل وترك المباني عبارة عن هياكل خرسانية فارغة.
٩- شركة بكتيل ، مشروع إعادة تأهيل محطة كهرباء الدورة بتكلفة ٩٠ مليون دولار : دمجت الشركة نظام تحكم رقمي متطور وحديث مع غلايات وتوربينات روسية قديمة تعود للسبعينيات. النتيجة كانت عدم توافق الأنظمة مما أدى إلى انفجارات متكررة في الأنابيب وتوقف التوربينات.
١٠- مشروع آخر للشركة، شبكات المياه والصرف الصحي بتكلفة ٦٨٠ مليون دولار : فشلت الشركة بسبب الجهل بطبيعة البنية التحتية المحلية والاعتماد على مواد مستوردة لا تتوافق مع الشبكات العراقية القديمة.
١١- شركة إيه بي تي للاستشارات (Apt Associates) تجهيز المستشفيات والمرافق الطبية بالمعدات والتدريب ونظام الرعاية والمذخر الصحي بتكلفة
أكثر من 20.7 مليون دولار : تخلت الشركة عن المشروع تماماً بعد تحويل العقود إلى مقاولين ثانويين غير مؤهلين مما ترك المستشفيات بمعدات تالفة و غير صالحة للاستخدام.
١٢- شركة هاليبرتون والشركات التابعة لها مثل (KBR) ، خط أنابيب الفتحة شمال العراق: بعد تضرر الجسر الحامل لأنابيب النفط والغاز فوق نهر دجلة، قرر المهندسون الأمريكيون حفر خندق لدفن الأنابيب تحت النهر بكلفة تجاوزت 30 مليون دولار (بدلاً من إصلاح الجسر بـ 5 ملايين). فشل المشروع لعدم دراسة الجيولوجيا وطبيعة التربة، مما أدى إلى احتجاز الحفارات تحت النهر وتسرب المياه وتوقف المشروع بالكامل وضياع الميزانية دون نقل برميل نفط واحد
١٣- شركة دينكورب : تدريب وتجهيز القوات الأمنية وبناء المعسكرات ومراكز الإصلاح المتقدمة.
واجهت الشركة اتهامات بالهدر المالي الحاد وتقديم خدمات تدريب وهمية . كما كشفت تقارير حقوقية لاحقاً عن تورط مقاوليها في قضايا فساد إداري، وإساءة معاملة العمالة الأجنبية المستقدمة (من بنغلاديش والفلبين)، واحتجاز جوازات سفرهم لتقليل النفقات والمتاجرة بالبشر .
١٤- شركة فلور بالتحالف مع شركة أميك : إعادة تأهيل وتطوير قطاعي الطاقة والمياه في وسط وجنوب العراق بقيمة تقديرية 1.1 مليار دولار.
فشلت الشركة في تشغيل محطات المياه الفرعية في القرى والأرياف. بسبب “عقود التكلفة الإضافية” حيث كانت الشركات تتقاضى أرباحاً ثابتة مهما ارتفعت التكاليف. أدى ذلك إلى إطالة أمد التنفيذ عمداً وبناء منشآت معقدة ومكلفة للغاية لم تستطع البيئة العراقية المحلية صيانتها أو توفير قطع غيارها لاحقاً، مما ترك شبكات المياه والمجاري دون عمل حقيقي.
١٥- شركة واشنطن جروب إنترناشيونال : إعادة بناء البنية التحتية لقطاع الطاقة والكهرباء والمياه في المناطق الوسطى بمليارات الدولارات لكنها فشلت في إعادة تشغيل التوربينات ومحطات التوليد بالكفاءة المطلوبة نتيجة الاعتماد الكلي على مهندسين أجانب يتقاضون أجوراً خيالية و حماية أمنية مشددة تعيق وصولهم للمواقع، بالإضافة إلى الفشل في تقييم مدى الدمار الفعلي في شبكة النقل الوطنية العراقية قبل البدء بالتنفيذ.
١٦- شركة أن ايرث للأعمال الهندسية التابعة لشركة تيرس : نظام معالجة مياه الصرف الصحي لمدينة الفلوجة .
تجاوزت تكلفته ثلاثة أضعاف الميزانية المقدرة (اكثر من 100 مليون دولار). لكن توقف المشروع لسنوات ولم يربط سوى جزء بسيط جداً من منازل المدينة بالشبكة بسبب سوء الإدارة وتحول الشوارع إلى مستنقعات طينية مكشوفة أثارت غضب الأهالي لسنوات.
١٧- شركة بيريني : إصلاح الشبكات الكهربائية ومحطات التوزيع في جنوب العراق.بقيمة تجاوزت 2.5 مليار دولار . غادرت الشركة قبل إتمامها بسبب استنزاف الميزانية في مصاريف “الخدمات اللوجستية والأمنية” كما استلم التنفيذ الفعلي مقاولين محليين غير متخصصين ، فجاءت المحطات غير متوافقة مع الترددات الكهربائية المعتمدة في العراق.
١٨- شركة وود جروب بالتعاون مع المقاولين الأمريكيين: صيانة وتأهيل التوربينات الغازية في محطة كهرباء التاجي ومحطات أخرى لتركيب توربينات غازية متطورة بملايين الدولارات لكن المشروع فشل عملياً لأن التوربينات صُممت لتعمل بالغاز الطبيعي الصافي، بينما تم تشغيلها في العراق بالنفط الأسود. أدى ذلك إلى تلف التوربينات السريع، وتراكم السخام، وتوقف المحطات المتكرر، مما جعل الأموال المستثمرة تذهب هباءً.
١٩- سجن خان بني سعد : تكفلت شركة بارسونز ببناء سجن ضخم بتكلفة 40 مليون دولار. أُلغي العقد بعد هدر مالي كبير وترك السجن عبارة عن هيكل خرساني مهجور في الصحراء
٢١- عقود الدعم اللوجستي وتشييد البنى التحتية العسكرية للقوات المشتركة : شركة KBR (Kellogg Brown & Root).
بعد انسحاب الجيش الأمريكي عام 2011، تركت الشركة منشآتها ومعداتها، ودخلت في سلسلة قضايا تحكيم دولي ضد الحكومة العراقية ووزارة الدفاع. طالبت فيها تعويضات بمئات الملايين
٢٢- شركة جنرال إلكتريك : وقعت الشركة اتفاقيات هائلة وصلت قيمتها ٦٠ مليار دولار لتحديث المحطات وتوليد الطاقة. الإدارة الأمريكية (في عهد ترامب) لعبت دوراً سياسياً كبيراً للضغط على بغداد لتفضيل GE على شركة “سيمنس” الألمانية، إلا أن المواطن العراقي لم يشهد استقراراً في الطاقة. لعدم توفير شبكات توزيع حديثة واحتراق المحولات البدائية، و اصرار الشركة على توربينات تحتاج غازاً مستورداً بدلاً من استغلال الغاز المحلي مما جعل استثمارات الشركة تدور في حلقة مفرغة من “الصيانات الدورية المكلفة”
٢٣- شركة إكسون موبيل : مشروع جنوب العراق المتكامل للطاقة وتطوير حقل غرب القرنة /١. بـ 53 مليار دولار لحقن مياه البحر في الحقول النفطية لزيادة الإنتاج. فشل المشروع بسبب الخلافات الحادة مع وزارة النفط العراقية حول نسب الأرباح، ومشاركة الشركات الأجنبية الأخرى، وحلت الشركات الصينية مكانها
٢٤- صيانة وتحديث الدبابات الأمريكية التابعة للجيش العراقي. شركة جنرال دايناميكس توقفت العشرات من هذه الدبابات عن الخدمة لعدم توفر قطع الغيار الأمريكية الأصلية
و ايضاً نماذج مختصرة من مشاريع أمريكية فاشلة اخرى :
٢٥- عقود أتمتة وتحديث مصفى كربلاء ومصافي الجنوب والغاز المصاحب .
٢٦- استكشاف وتطوير الحقول النفطية في إقليم كردستان العراق .
٢٧- تطوير حقل “المنصورية” للغاز الجاف في محافظة ديالى لتغذية محطات الكهرباء الوسطى.
٢٨- أتمتة وتحديث ميناء أم قصر (بوابة العراق البحرية الوحيدة).
٣٠- تحويل المحطات الكهربائية الغازية إلى “الدورة المركبة” لزيادة الإنتاج دون وقود إضافي.
٣١- مجمع “النبراس” للبتروكيماويات في البصرة (كان يهدف لإنشاء أضخم مصنع بتروكيماويات في الشرق الأوسط بقيمة 11 مليار دولار).
٣٢- مشروع “البوابة الدولية” لتأمين الإنترنت وحماية الأمن السيبراني للاتصالات.
٣٣- تحويل أرض معسكر الرشيد إلى مدينة سكنية ضخمة
٣٤- صندوق تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتحفيز القطاع الخاص العراقي.
٣٥- نظام أتمتة المنافذ الحدودية والجمارك الإلكترونية والبطاقة الموحدة.
٣٦- تحديث أسطول الخطوط الجوية العراقية وصيانة الطائرات.
٣٧- استثمار غاز حقل الحلفاية وحقول ذي قار لاستخدامه للكهرباء بدلاً من حرقه
٣٨- أتمتة النظام المصرفي
٣٩- صيانة طائرات F-16 العراقية في قاعدة بلد الجوية.
الأسباب البنيوية وراء فشل هذه المشاريع :
١- نظام العقود المتعددة: كانت الشركات الأمريكية الكبرى تستقطع ما يصل الى 50% من الارباح لتمنح المشروع لشركة أردنية أو كويتية، والتي بدورها تمنحه لشركة عراقية ناشئة، مما يؤدي لتآكل الميزانية قبل وصولها لأرض الواقع.
٢- غياب التكامل التكنلوجي : بناء وتصميم منشآت ومحطات متطورة جداً تحتاج لقطع غيار مفقودة في السوق الإقليمي، وإهمال تدريب الكوادر العراقية التابعة للوزارات لتشغيلها بعد مغادرة المقاول الأمريكي
٣- الخصخصة وتطبيق الرأسمالية السريعة: الاعتماد الكلي على شركات أجنبية خاصة مما أفقد الدولة القدرة على إدارة شؤونها.
٤- غياب المراقبة الميدانية المباشرة: كان المسؤولون الأمريكيون يشرفون على المشاريع عبر صور الأقمار الصناعية والتقارير الورقية مما سمح بحدوث عمليات تلاعب وتزوير هائلة في نسب الإنجاز الفعلي
٥- عقود التكلفة الإضافية : وهي العقود التي تضمن للشركة الأمريكية ربحاً صافياً ثابتاً مهما ارتفعت تكاليف المشروع. هذا النظام شجّع الشركات على تعمد إطالة أمد المشاريع، واختراع مصاريف وهمية، وشراء مواد غالية لزيادة هامش ربحها الشخصي.
٦- تبديد الأموال على الأمن الخاص: الشركات الأمريكية كانت تنفق ما بين 25% إلى 45% من الميزانية للتعاقد مع شركات أمنية مسلحة خاصة (مثل بلاك ووتر، تربل كانوبي) مما جعل الأموال تذهب للبنادق والسيارات المصفحة .
لخص المفتش العام في توصياته الموجهة للكونغرس والإدارة الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة “أخفقت” في استيعاب الطبيعة الثقافية والإدارية للعراق، وأن آلية ضخ الأموال السائبة دون تنسيق وثيق مع المسؤولين العراقيين ودون تدقيق للفواتير، هي التي خلقت “الهيكل الرئيسي للفساد” الذي يعاني منه الاقتصاد المصرفي والخدمي في العراق اليوم
2026-08-13