آلان باديو: عن انحطاط السياسة إلى مسرح!
يعتبر الفيلسوف الفرنسيّ أن الساحة السياسية المعاصرة، بأبطالها المختلفين أسلوباً والمتحدين وظيفةً، قد تحوّلت إلى ما يشبه خشبة مسرح كبرى، أبطالها ليسوا فاعلين سياسيين حقيقيين، بل مجرد ممثلين
سعيد محمد*
في قلب فلسفة السياسة عند آلان باديو تكمن قطيعة حاسمة: التمييز بين “السياسة” ك(la politique) أي الإدارة الروتينية لشؤون الدولة، و”السياسة” ك(Le politique) كإجراء لخلق “حقيقة”. الأولى هي فن الممكن، ولعبة إدارة السلطة والمصالح ضمن نظام قائم. أما الثانية، وهي السياسة الحقيقية في نظر باديو، فهي فن المستحيل؛ لحظة نادرة وفجائية يظهر فيها “حدث” (Event) يمزق نسيج الواقع المألوف، ويؤسس لإمكانية عالم جديد. من خلال هذا المنظور الصارم، اعتبر الفيلسوف الفرنسيّ أن الساحة السياسية المعاصرة، بأبطالها المختلفين أسلوباً والمتحدين وظيفةً، قد تحوّلت إلى ما يشبه خشبة مسرح كبرى، أبطالها ليسوا فاعلين سياسيين حقيقيين، بل مجرد ممثلين، يؤدون أدواراً في مسرحية تهدف إلى منع وقوع أي حدث حقيقي.
مثّل نيكولا ساركوزي الفصل الأول في دراما انحطاط السياسة. لم يكن الرئيس الفرنسي السابق رجل دولة بقدر ما هو مؤدٍ في “مسرحية التخويف” والترهيب. بالنسبة لباديو، كان التجسيد الأحدث لتقليد فرنسي طويل من الثورة المضادة، حيث تُختزل السياسة في إدارة أمنية للقلق الجماعي. خطابه لم يكن يهدف إلى خلق حقائق سياسية جديدة، بل إلى إثارة الانفعالات وإدارة المخاوف.
لقد كانت سياسته “ظاهرة إعلامية” بامتياز، استعراضاً مستمراً للشخصية القوية في مواجهة خطر مُتخيل (غالباً ما يكون المهاجر). حتى حياته الشخصية، مثل علاقته الإعلامية بكارلا بروني، لم تكن شأناً خاصاً، بل جزءاً من الأداء. في هذا العرض، تُفرغ الديمقراطية من أي محتوى عقلاني أو مبدئي لتتحول إلى “مشهديّة” متواصلة تتلاعب بالرموز والصور، وهدفها النهائي الحفاظ على أسس الوضع القائم. ساركوزي، في نظر باديو، لم يكن حدثاً، بل كان “ضد-الحدث”؛ محض ممثل في مسرحية رجعية تضمن أن شيئاً حقيقياً لن يتغير.
مع وصول باراك أوباما، تغير ديكور المسرح وأسلوب الأداء، لكن المسرحية ظلت كما هي. كان باديو من أوائل من قبضوا على هذه الازدواجية، ففي محاضرة له بعد فترة وجيزة من الانتخابات الأمريكية، فرّق بذكاء بين أوباما “السياسي” وأوباما “الممثل”. لم يكن نقداً بالضرورة، بل توصيفاً دقيقاً لوظيفته. لقد أدرك باديو أن قوة أوباما تكمن في أدائه، الذي كسر القوالب الحديثة وعاد إلى أسلوب المسرح الكلاسيكي: “رصين، مدروس، ومتأنٍ”.
كان أوباما ممثلاً بارعاً في مسرحية “استعادة الثقة بالنظام”. دوره لم يكن إحداث قطيعة مع بنية الرأسمالية العالمية، بل إعادة إخراجها بأسلوب أكثر أناقة ورصانة بعد الفوضى التي خلفتها إدارة بوش. لقد كان أداؤه مقنعاً لدرجة أن كثيراً من الحمقى ظنوا أن قواعد اللعبة قد تغيرت. لكن من منظور باديو، كان انتخابه مجرد تغيير في توزيع الأدوار، وليس تغييراً في نص المسرحية. لم يكن “حدثاً” يفتح أفقاً جديداً، بل كان فصلاً ضرورياً في دراما النظام العالمي لضمان استمراريته. لقد كان الممثل المثالي الذي يجعل النظام يبدو عقلانياً ومقبولاً من جديد.
إذا كان ساركوزي يمثل “مسرح الخوف”، وأوباما يمثل “المسرح الكلاسيكي”، فإن دونالد ترامب يمثل الفصل الأخير والأكثر تعبيراً عن هذا الانحطاط: “مسرح العبث”. مع ترامب، سقطت الأقنعة. لم يعد هناك جهد لإخفاء أن السياسة مجرد أداء. بل أصبح الأداء هو كل شيء.
ترامب هو نتاج نظام سياسي أفرغ نفسه من كل محتوى إيديولوجي سوى مصلحة فاحشي الثراء، ولم يتبق منه سوى الكرنفال الفوضوي. أسلوبه، القائم على التناقض المستمر، والشعبوية النرجسية، واستبدال الحقيقة بالواقع البديل والتغريدات المتدفقة، ليس خروجاً على النظام، بل تعبير أكثر صدقاً عن منطقه الداخلي. لقد حوّل السياسة إلى عرض يومي عابث، حيث لا قيمة للحقيقة، بل للصدمة والمشهديّة والفرجة. إنه يوظّف نظرية “الرجل المجنون” ليس كاستراتيجية سياسية، بل كشكل من أشكال الوجود السياسي. ترامب بهذا المعنى لم يدمر المسرح، بل كشف للجميع أنه كان دائماً مسرحاً، وأن قواعده لم تكن يوماً قائمة على العقل أو الحقيقة.
ساركوزي، أوباما، ترامب. المخوّف، والكلاسيكي، والمجنون. ثلاثة أقنعة مختلفة لوظيفة واحدة: حراسة النظام القائم ومنع ظهور “الحدث” السياسي الحقيقي. مجرد ممثلين على مسرح الديمقراطية البرلمانية الرأسمالية، وهو مسرح لا يسمح إلا بإعادة إنتاج نفسه: يديرون الدولة ويحافظون على استقرارها، لكنهم لا يجرؤون أبداً على المساس بأسسها أو كسر بنيتها.
لذلك، يصر باديو على أن البحث عن سياسة حقيقية يجب أن يبدأ من خارج هذه الخشبة. السياسة لا تولد في صناديق الاقتراع أو المناظرات المتلفزة، بل في اللحظات النادرة التي يتجمع فيها أفراد عاديون، موالون لفكرة حقيقية، ليؤسسوا لإمكانية عالم مختلف. إنها العودة إلى مفهوم الفلسفة الكلاسيكي، الذي لا يكتفي بتفسير الأقنعة، بل يسعى للوصول إلى الحقيقة. المهمة ليست في اختيار الممثل الأفضل، بل في الخروج من (كهف) المسرح كليّة.
https://counterculture1968.substack.com/p/dc5
- لندن
2025-08-30