كتب..
ذكريات ممنوعة!
تأليف: إليه شوحاط
المترجم: اسماعيل دبج
عرض وتلخيص: علي رهيف الربيعي
إيله شوحاط يهودية عراقية ولدت في فلسطين المحتلة لأبوين بغداديين، هاجرا من العراق في الخمسينيات… نشطت خلال إقامتها في فلسطين في عدة حركات يسارية ثم غادرت إلى امريكا حيث استقرت نهائيا، باحثة وناقدة ومحاضرة ، تعمل الآن استاذة في جامعة نيويورك.
الكتاب عبارة عن عدة أبحاث ومقالات، نشرت بعضها ضمن كتب اخرى أو في دوريات مختلفة باللغة الانجليزية،
حينما يطرق اسم شوحاط السمع لا بد أن نتوقف لمسألتين: أولاهما، احتراما وتقديرا لشوحاط، وثانيتهما لأهمية ما تكتبه السيدة اليهودية العربية من أصل عراقي كما تحب دائما أن تعرف نفسها، فمن لم يقرأ شوحاط وايلان بابيه وإسرائيل شاحاك وباروخ كميرلنج وغيرهم، فسوف تبقى نظرته الى ( اسرائيل) كما لو انها ( اسرائيل) خليط متجانس يعزف عاى وتر الصهيونية فكرا وثقافة.
في حين أن الواقع الإسرائيلي بتعقيداته المجتمعية وأنساقه الثقافية يشير الى وجود اصوات تغرد خارج السرب الصهيوني، وتحدث ضجيجا في ردهات جامعات إسرائيلية وعالمية.
تقدم شوحاط في الفصل الأول ( هويات ممزقة : تأملات يهودية عربية) سردا لمحطات من حياتها الأسرية، حيث كانت مع عائلتها في بغداد، وآل بهم الحال إلى تشتتهم عن وطنهم مع اقتلاع الطائفة اليهودية من هناك، وفجأة أدركت شوحاط فقدان هويتها اليهودية العربية، إذ لا يحق لليهود العرب التحدث في ( إسرائيل) الا عبر الذاكرة اليهودية الأوربية، وكان ذلك بالنسبة لهم ” تدريبا على التدمير الذاتي ” ص ١٥) ، وأصبحت العروبة واليهودية كقطبين متعارضين بعد أن كانت ” عروبة” اليهود ” مدماكا في كل ثقافي عربي تتعاشق فيه أديان ومجموعات إثنية عدة ” وشطبت بذلك العلاقة التي ربطت اليهودية بالاسلام وأحلت بدلا عنها صلة مقدسة بين اليهودية والمسيحية، وتحول لم الشتات اليهودي إلى ” تفتيت لنسيج الحياة بين اليهود العراقيين والمسيحيين العراقيين” .
في الفصل الثاني ( الشرقيون في إسرائيل : الصهيونية من وجهة نظر ضحاياها اليهود ) حاولت شوحاط ان تتبع مسار الصلة التاريخية بين المحنتين الفلسطينية والشرقية ( أي اليهود الشرقيين ) منذ ظهور الصهيونية. فالصهيونية سلبت الفلسطينييبن مكانهم، وغيبتهم عن الوجود في خطابها الفكري والسياسي والاعلامي، بالمقابل أسكتت ” الشرق الآخر” كما تسميه شوحاط، أي اليهود الشرقيين، عن الجدل الدائر، وذلك لإبراز ” الأوربإسرائيليون الإشكناز” باعتبار الشرقيين صوتا يسئ الى الفكرة الصهيونية الزاعمة بأن ” الصهيونية الأوربية ” أنقذت” الشرقيين من أنظمة ” آسريهم” العربية المستبدة وخلصتهم من شروط بدائية يسودها الفقر والأمية والخرافات، وأخذت بيدهم بعناية وسخاء، الى داخل مجتمع غربي حديث يتسم بالتسامح والديمقراطية والقيم الإنسانية.
اللافت للنظر في تتبع شوحاط وسردها لأدبيات صهيونية تعج بالعداء لليهود الشرقيين، أنها أزاحت الستار عن الخطاب الصهيوني باعتباره خطابا كولونياليا بامتياز، يربط ب ” وشائج مباشرة مع الفكر المركزيأوربي مع الكولونيالية الأوربية” لكن هذا الخطاب سعى من جانب أخر للتفريق بين الشرق السيئ والشرير، أي العربي الإسلامي، وبين الشرق الجيد، أي اليهودي – العربي، مما يعني، كما تقول شوحاط ان الصهيونية قد ” أخذت على عاتقها تطهير الشرقيين من شرقيتهم وإنقاذهم من الاثم القديم المتمثل في انتمائهم للشرق.
تستفيض شوحاط في نقدها للخطاب الصهيوني الاستشراقي الذي نظر الى ثقافة اليهود الشرقيين قبل مجيئ الصهيونية ” كما الأرض البور في فلسطين، مهملة وجامدة وستاتية تنظر بشوق ولهفة نفحة الروح الأوربية المنعشة ” ثم تتطرق شوحاط الى السياسات الصهيونية لاقتلاع يهود العراق من وطنهم تحت مسمى ” العودة إلى الوطن ” وتعتبر ما حدث للفلسطينيين من اقتلاع من الأرض والتاريخ والجذور والثقافة شبيهة بحالة يهود البلدان العربية، فالمسألة شديدة الصلة لأن الفاعل واحد، أي الحركة الصهيونية، في حين تعتبر ( إسرائيل) ان ما حدث عبارة عن تبادل سكاني ليس إلا، وتنفي شوحاط هذه الأكذوبة وتعتبر ان الفلسطينيين واليهود العرب لم يسألوا عن رأيهم ان كانوا يرغبون في الانتقال المتبادل، فضلا عن ذلك كانت ممارسات الصهيونية أبعد ما تكون عن العفوية، فما حدث للاجئين الفلسطينيين من قهر وإذلال وحرمان في مخيمات البؤس لهو شبيه بما فعلته الصهيونية باليهود العرب الذين اقتلعوا من أوطانهم وجيئ بهم إلى فلسطين ، فما زال حنينهم الى الفضاء الجغرافي الذي ولدوا وترعرعوا فيه، بل اشد ما اعترى اليهود العرب شعورهم بأن عملية تدمير الذات والذاكرة قد بدأت على أيدي المؤسسة الإشكنازية لأن هؤلاء نظروا إلى أنفسهم على أنهم ملح الأرض لذا فهم يستحقون شروطا حياتية افضل من اليهود الشرقيين، هذه التراتبية اسست لبناء بنيوي ذهب بمقتضاه اليهود الشرقيون الى اسفل السلم الاجتماعي، مقابل دفع اليهود الاشكناز الى اعلاه.
على العموم يمكن القول ان كتاب ” ذكريات ممنوعة” فريد من نوعه، سواء في الموضوع او في المعالجة للموضوع، لكن قراءة الكتاب كانت ستكون اكثر متعة وفائدة لو ان الاستاذ المترجم اسماعيل دبج ترجم الكتاب كاملا، لا فصولا انتقاها، وتغفر له دقة الترجمة ونقله للنص وتعريبه بشكل جيد حتى وكأننا نحس بأن شوحاط كانت تتحدث بالعربية.
كتبت اليوم في 28/12/2016, مالمو/ السويد