“أبناء إبراهيم” للمؤرخ مارك ديفيد بير:
قراءة تفكيكية في تاريخية التّداخل والقطيعة
يتداخل تاريخ الجماعتين اليهودية والإسلامية عبر صيرورة حضارية أنتجت تكافلاً معرفياً، يراجعه المؤرخ البريطاني مارك ديفيد بير مفككاً الألغام الأيديولوجية في صياغة هيكلية تفسر تقلبات تاريخ “أبناء إبراهيم”
سعيد محمد*
يجابه المؤرخ مارك ديفيد بير، الأستاذ المتخصص في التاريخ الدولي بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، في مؤلفه الأحدث “أبناء إبراهيم: التاريخ الممتد لألف وأربعمائة عام من العلاقات اليهودية الإسلامية – 2026” السرديات الاختزالية المهيمنة على الوعي المعاصر، مستهدفاً خلخلة الأساطير السياسية والتاريخية المتطرفة التي تحصر الذاكرة المشتركة لهاتين الجماعتين في نفق المظلومية الأبدية الصدامي، أو تسجنها في يوتوبيا متخيلة من التناغم المطلق.
يقيم بير أطروحته المركزية على ركيزتين أساسيتين تسعيان إلى هدم بنيتين أسطوريتين تشكلان وعي العقل السياسي والاجتماعي الحداثي تجاه هذا التاريخ المديد؛ وتمثل الأولى أسطورة العداء الأزلي المستدام، وهي قراءة إسقاطية معاصرة تعيد كتابة الماضي بأثر رجعي بالاستناد إلى صراعات القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، مدعية وجود كراهية دينية متأصلة منذ عهد النبوة بشبه الجزيرة العربية، ويقابلها الكاتب بالقدر ذاته من الصرامة المنهجية عبر تفكيك أسطورة العصر الذهبي واليوتوبيا الفردوسية التناغمية، وهي سردية تبسيطية غالباً ما تُستخدم لأغراض دعائية تجميلية تغفل وجود توازنات القوة والتمييز والتوترات البنيوية التي طبعت المجتمعات الإسلامية الوسيطة والحديثة.
يعتمد الكتاب على هندسة زمنية ومفهومية تقسم العمل إلى حقبتين رئيسيتين؛ الأولى هي الحقبة ما قبل الحديثة الممتدة من لحظة التأسيس في عام 610 حتى قبيل الثورة الفرنسية في عام 1789، والثانية هي الحقبة الحديثة والمعاصرة الشاخصة من أواخر القرن الثامن عشر وصولاً إلى مشهد الصراع الراهن، متخذاً من ديناميكيات السلطة والمكانة القانونية منظاراً تحليلياً أساسياً للقبض على العوامل الكامنة وراء صعود وهبوط هذه العلاقات التنافسية والتكاملية.
يستعير بير المفهوم الشهير للمؤرخ شلومو دوف غويتين حول “التكافل اليهودي الإسلامي” ليصف ملامح الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في ظل الخلافات والدول الإسلامية المتعاقبة، موضحاً أن القرابة الإبراهيمية تجاوزت النطاق اللاهوتي المتمثل في التوحيد الصارم، وتخطت التشابهات الطقسية من ختان وتحريم الخنزير والطهور وصدارة موقع القدس، لتصوغ فضاءً حضارياً موحداً ومكتمل الأركان يتأسس فيه الإنتاج المعرفي على التلاقح اللغوي والفلسفي المباشر.
ينتقل “أبناء إبراهيم” في سياق استعراض تاريخي مكثف بين نماذج تثبت عمق هذا التداخل البنيوي؛ إذ تجلت ملامحه مثلاً في جغرافيا حوض بحر قزوين عبر نموذج مملكة الخزر التركية التي اعتنقت نخبها الحاكمة وقسم من مقاتليها الديانة اليهودية في القرن الثامن الميلادي، حيث شكل هذا الكيان السياسي حليفاً إستراتيجياٍ للخلافة العباسية في مواجهة التمدد البيزنطي والروسي، والتحق المقاتلون اليهود الخزر في تحالفات عسكرية ومصالح تجارية متشابكة مع الجيوش الإسلامية لحماية الثغور الشمالية المشتركة وتأمين طرق قوافل الحرير، ما أوجد حالة فريدة من الاعتماد العسكري المتبادل دمجت النخب العسكرية التركية اليهودية في المنظومة الدفاعية الإقليمية لدار الإسلام.
وفي فضاء الأندلس والمغرب الممتد لقرون، تداخلت النخب الفكرية والسياسية اليهودية في صلب جهاز الدولة الإسلامية لتبلغ ذروة تأثيرها مع صعود شخصيات قيادية مثل شموئيل هانغيد (سموأل بن نغريلة) الذي تولى منصب الوزير الأول وقائد جيوش إمارة غرناطة المسلمة في القرن الحادي عشر، حيث قاد هذا القائد اليهودي فيلقاً عسكرياً من الجنود المسلمين في معارك ميدانية دفاعاً عن راية الإمارة، وصاغ في الوقت نفسه أدباً وتفسيراً تلمودياً بلسان عربي مبين، تزامناً مع احتضان قوافل المهاجرين السفارديم الفارين من الاضطهاد المسيحي في حواضر فاس ومراكش ليعملوا مستشارين ماليين ودبلوماسيين للسلاطين، مستندين إلى مرونة الفقه الإسلامي ونظام الذمة الذي أتاح ممارسة السياسة بمرجعية تلمودية تحت كنف السيادة الإسلامية.
أما في مشهد المشرق العربي الحديث، فقد أثمر الانصهار الثقافي في حواضر بغداد والقاهرة وبيروت عن توليد هوية وطنية جامعة تصدرت فيها قامات يهودية المشهد الثقافي والسياسي من منظور الشراكة الكاملة في الهوية العربية، كما تجلى في إسهام الكاتب المسرحي والصحفي يعقوب صنوع (أبو نضارة) في صياغة الخطاب الوطني المصري المناهض للاستعمار البريطاني في حلف فكري متين مع جمال الدين الأفغاني، بينما صاغ الموسيقيون من أمثال الأخوين صالح وداوود الكويتي والملحن داوود حسني أسس التراث الموسيقي والغنائي العربي الحديث، محققين تكاملاً إبداعياً اندمجت فيه الألحان الليتورجية اليهودية بالمقامات الشرقية الإسلامية، وتوجت هذه الشراكة بتبوؤ ساسون حسقيل منصب أول وزير مالية في تاريخ العراق الحديث ليضع الأسس الهيكلية للاقتصاد الوطني العراقي بناءً على وعي سياسي عروبي جامع تذوب فيه الفواصل العقائدية لصالح التعايش الحضاري المستدام.
وينبه المؤلف، عبر قراءة نقدية للمصادر العثمانية والمغربية، إلى أن هذا الانصهار الثقافي واللغوي الفريد وتعيين أفراد من النخب اليهودية كتجار للسلطان أو مستشارين ماليين، كان يجري دائماً ضمن محددات “عقد الذمة”؛ وهو نظام قانوني واجتماعي محكم يضمن الأمن وحرية العبادة والاستقلالية القضائية للمجتمعات اليهودية (والمسيحية)، شريطة الاعتراف بسيادة الدولة الإسلامية ودفع ضريبة الجزية السنوية والقبول بوضع قانوني واجتماعي أدنى في الهرم المجتمعي، إذ كانت مرونة هذا النظام أو قسوته ترتبط بقوة السلطة الحاكمة وازدهارها الاقتصادي، بحيث يؤدي اضطراب التوازنات أو ما يراه العوام خروجاً من اليهود عن شروط العقد، إلى موجات اضطهاد وعنف موضعي طارئ ونادر – أقله مقارنة بالتاريخ الدموي الغالب في الغرب المسيحي.
يقدم الكتاب رؤية بالغة الأهمية حول الدور الكارثي الذي لعبه الطرف الثالث في هذه المعادلة، والمتمثل في القوى والمنظومات السياسية والفكرية الأوروبية المسيحية؛ إذ يثبت بير تاريخياً تسارع التدهور والقطيعة الحادة في العلاقات اليهودية المسلمة كلما تدخلت القوى المسيحية في هذا الفضاء، فقد كانت المجتمعات الإسلامية، كالدولة العثمانية والمملكة المغربية، بمثابة الملاذات الآمنة والوحيدة لليهود الفارين من جحيم محاكم التفتيش والتهجير القسري والمذابح المنظمة في أوروبا الغربية والشرقية، ما جعل المسلمين في نظر اليهود وطوال قرون بمثابة الحلفاء والمنقذين.
انقلبت هذه الديناميكية مع حلول القرن التاسع عشر بظهور معاداة السامية الحديثة، وهي أيديولوجيا غربية استندت إلى تصنيفات عرقية وبيولوجية زائفة تضع العرق الآري في قمة الهرم والعرقيات السامية في أدناه، وهو طرح يغاير العداء الديني القديم المعتمد على اللاهوت المسيحي. وقد تزامنت هذه الأطروحات مع صعود الاستعمار الأوروبي والتعليم الإرسالي العلماني، اللذين مزقا النسيج المحلي للمجتمعات المشرقية عبر منح امتيازات قانونية واقتصادية وحمايات أجنبية للأقليات الدينية، ما عزلها عن محيطها الاجتماعي المسلم وفجر بؤر الشك والعداء.
يعالج القسم الأخير من الكتاب المأساة التراجيدية المعاصرة المتمثلة في صعود الهويات القومية الإثنو-عرقية، مبيناً كسر الإرث التكافلي الذي استمر أربعة عشر قرناً جراء التنافس الشرس بين الصهيونية العالمية بوصفها حركة قومية يهودية ولدت في الحواضن الأوروبية، وبين القومية العربية والفلسطينية الصاعدة؛ فقد أسفر تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948 وما تبعه من حرب إبادة واقتلاع للفلسطينيين – وجهود استخباراتية لخلق ردود فعل سياسية وأيديولوجية عنيفة في العواصم العربية – عن تصفية الوجود التاريخي للمجتمعات اليهودية المشرقية وهجرة ما يقارب المليون يهودي عربي من بلدانهم الأصلية الذي سكنوها منذ عصور ما قبل الإسلام ليصبحوا ديموغرافياً لحمة الدولة الاستيطانية.
ينتقد ديفيد بير كذلك الممارسات التمييزية والتراتبية العرقية التي واجهها هؤلاء اليهود الشرقيون من النخب اليهودية الغربية المهيمنة على مؤسسات الدولة العبرية الناشئة، كاشفاً عن تحول الصراع من بعده السياسي الأرضي إلى صراع أيديولوجي وميثولوجي محمل بشعارات التكفير والتخوين المشترك، وموظفاً في الوقت نفسه من قبل الأنظمة القائمة لحجب الحقائق المتشابكة للتاريخ.
يفرط بير في تفاؤله عندما يصل إلى الصفحات الأخيرة برهانه الساذج على إمكانية عبور تعقيدات الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني من خلال مبادرات حوار الأديان وتجمعات الشباب المشتركة في بعض الحواضر الغربية والخليجية لتوثيق الوعي بالماضي المتشابك المنسي، متوهماً أن استدعاء الذاكرة التاريخية كفيل بمحو بحر من الدماء وأكوام من الجثث تراكمت خلال المائة سنة الأخيرة، ومؤسساً استنتاجه الرغائبي بإمكانية بعث التعايش السلمي وازدهار مشروع الدولتين على مجرد تسويق أطروحة تعزو الانهيار الحالي للعلاقات إلى قوى وظروف تاريخية وسياسية حديثة الصنع وتبرئه من الموروثات الدينية، وهو استنتاج يتصادم مع الواقع على الأرض، ويفقد قيمته كليّة أمام فظائع حرب الإبادة المستمرة.
*Children of Abraham: The 1,400-Year History of Jewish–Muslim Relations by Marc David Baer, Basic Books, 2026.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-07-05