قمة ال”ناتو 2026″ في أنقرة:
العداء لروسيا، والتوجّس من أمريكا
تجمع القمة التي تستضيفها العاصمة التركية الحلفاء في لحظة ولادة حرجة لحلفهم في طور تشكله الثالث، حيث تتباين الأولويات، وتتعدد الملفات، وتتنافس الأطراف لتوظيف المسارات بما يخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية والإقليمية
سعيد محمد*
يخشى دبلوماسيون أوروبيون يراقبون قمة قادة حلف شمال الأطلسي في أنقرة يومي 7 و8 الشهر الحالي من أن التحالف الغربي التاريخي يتجه إلى مزيد الانقسام عبر جانبي المحيط الأطلسي، مع تزايد حذر الأعضاء في القارة القديمة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وجّه إليهم تهديدات متكررة.
وعلى الرغم من أن مسودة البيان الختامي للاجتماع التي توافق عليها الأعضاء تتضمن تأكيداً على اعتبار روسيا “تهديداً طويل الأمد”، والتزاماً شاملاً وصريحاً بمبدأ الدفاع الجماعي وفق المادة الخامسة في ميثاق الحلف، إلا أن شبح التعرفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين، وتلويحه أخيراً بإمكان تجديدها، إضافة إلى حديثه عن إمكان ضم الولايات المتحدة لغرينلاند الدنماركية، والتغييرات في طبيعة الانتشار العسكري الأمريكي، وتشكيكه في جدوى تحمل العبء الأكبر لحماية أوروبا ومطالبته دولها بدفع أثمان باهظة مقابل المظلة الأمنية، غيّرت التصورات في القارة حول العلاقة بين ضفتي المحيط الأطلسي.
وجاء التصعيد الروسي الملفت على كييف عشية القمة ليمنح الاجتماعات طابعاً عاجلاً. إذ تعرضت العاصمة الأوكرانية لموجات ثقيلة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسقط قتلى وجرحى، وتضررت مبانٍ سكنية وبنى طاقة. وسارع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى استثمار هذا التصعيد ليجدد طلبه الحصول على صواريخ اعتراض لمنظومات باتريوت، معتبراً أن مخزون الحلفاء الغربيين قادر على حماية المدنيين إذا تحولت الوعود إلى قرارات عملية.
تثبيت روسيا في موقع التهديد طويل الأمد لا شكّ يمنح الأعضاء مساحة تلاق في لحظة مضغوطة، لكنه يفتح أيضاً سؤالاً حول حدود التوافق العملي. فالدول الواقعة على الجناح الشرقي، مثل بولندا ودول البلطيق، ترى الخطر الروسي أولويتها ومسألة يومية ومباشرة، فيما دول جنوب القارة، وكذلك تركيا، ترى أمنها أكثر ارتباطاً بالبحر الأسود، وشرق المتوسط، وشمال إفريقيا، وممرات الطاقة عبر مضائق هرمز والمندب والسويس، وأيضاً مسألة الهجرة.
الملف الأشد حساسية يبقى العلاقة مع الولايات المتحدة. إذ تطالب إدارة ترامب الحلفاء الأوروبيين بالتحرك السريع نحو تحقيق هدف إنفاق دفاعي يبلغ 5 في المئة من الناتج المحلي بحلول عام 2035، موزعة بين 3.5 في المئة للإنفاق العسكري المباشر و1.5 في المئة لمجالات الأمن الأوسع، مثل البنية التحتية. بالنسبة لواشنطن، تمثل قمة أنقرة أول مراجعة جدية لمدى التزام الأوروبيين بتعهداتهم تجاه ذلك خلال قمة لاهاي السابقة. أما الأوروبيون، فيريدون إظهار التقدم في تحقيق الأهداف المالية مع الحفاظ على مظلة الحماية الأمريكية، خصوصاً في مجال الردع النووي والقدرات الاستراتيجية التي يصعب تعويضها سريعاً.
الإدارة الأمريكية تستخدم تعبير “ناتو 3.0” لوصف مرحلة جديدة يتولى فيها الأوروبيون القيادة التقليدية للدفاع عن القارة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بأدوار استراتيجية أوسع. هذه الصيغة تبدو جذابة نظرياً، لكنها تصطدم بسؤال القدرات. فالجيوش الأوروبية بنيت طوال عقود كقوة مكملة للقوة الأمريكية، وليست بديلاً عنها. وتحتاج أوروبا إلى بناء رصيد من الذخائر، ودفاع جوي، وقدرات نقل، واستخبارات، وأنظمة قيادة وسيطرة، وقاعدة صناعية قادرة على الإنتاج النوعي والكمي بسرعة. لذلك تتحول قمة أنقرة إلى اختبار لعزم الأوروبيين على تحويل الأموال التي تعهدوا بها إلى معدات وجاهزية، لا مجرد أرقام في بيانات رسمية.
يجد الخبراء في منتدى الصناعة الدفاعية المنعقد على هامش القمة أحد أهم مسارات القمة. ويركز المنتدى على قضايا الإنتاج العسكري، والاستثمار، والابتكار، والمشتريات الدفاعية المشتركة، مع توقعات بإعلان اتفاقات بين الدول ومتعددة الأطراف في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والفضاء، والمراقبة، والقدرات الاستراتيجية الضاربة. لكن هذا المسار يفتح كذلك منافسة صامتة حيناً، صاخبة أحياناً أخرى بين الصناعات الأمريكية والأوروبية، وبين الأوروبيين أنفسهم، لأن كل حكومة تريد عقوداً وفرص عمل ونفوذاً تكنولوجياً داخل حدودها.
أوكرانيا – الدولة غير العضو في ال”ناتو” – تلعب في القمة أدواراً متعددة. فهي تستند في حربها مع روسيا على تمويل وتسليح وتدريب توفره دول الحلف. ومن المتوقع أن يقرّ الأعضاء في قمتهم دعماً واسعاً لها خلال عام 2026 مع تعهدات تمتد إلى 2027. لكن الصراع جعل أوكرانيا أيضاً مختبراً متقدماً للحرب الحديثة، إذ طورت قدرات متقدمة في تصنيع المسيّرات، وتنفيذ الهجمات بعيدة المدى، ومواجهة الطائرات المسيّرة، واستخدام البيانات الإليكترونية في الجبهة. لذلك تطرح القمة على الحلف سؤالاً جديداً: كيف يتعلم ال”ناتو” من أوكرانيا، وليس فقط كيف يساعدها. هذا التحول مهم، لأن الخبرة المتراكمة في الجبهة الأوكرانية قد تعيد صياغة برامج التسليح والتدريب داخل الحلف كله.
من جانبها تسعى تركيا، الدولة المضيفة، إلى استثمار القمة في أكثر من اتجاه. فهي تريد الترويج لصناعتها الدفاعية المتنامية، والدفع نحو إزالة القيود المفروضة على تجارة السلاح داخل الحلف، وتحقيق تقدم في ملفات مثل منظومة SAMP/T الأوروبية – نظام دفاع جوي وصاروخي فرنسي/ إيطالي يُنظر إليها كبديل أو مكمل لمنظومة باتريوت الأمريكية وتطمح أنقرة إلى الحصول عليه كجزء من منظومة دفاعها الجوي -. أما المسألة الأصعب فتظل علاقتها بواشنطن بعد إخراجها من برنامج المقاتلة F-35 وفرض عقوبات عليها إثر شراء منظومة S-400 الروسية. لذلك تراهن أنقرة على لقاء الرئيسين أردوغان وترامب لفتح مسار تسوية يشمل العقوبات، ومحركات الطائرات، وربما ترتيبات مستقبلية تعيدها جزئياً إلى سوق التكنولوجيا العسكرية الغربية. كما وتدفع لتجاوز تحفظات اليونان وقبرص وتثبيت قناعة لدى الأوروبيين بأن أي بنية أمنية جديدة للقارة تحتاج تركيا داخلها، خصوصاً مع دورها المتزايد في البحر الأسود، وشرق المتوسط – بما في ذلك سوريا ولبنان -، والقوقاز، وكذلك ممرات الطاقة ومصادرها من الخليج العربي إلى ليبيا مروراً بالبحر الأحمر.
مشاركة وزراء من البحرين والكويت وقطر والإمارات، إلى جانب شركاء آخرين من آسيا والمحيط الهادئ، تشير إلى اتساع نطاق ال”ناتو” خارج تعريفه الغربي التقليدي. لكن ذلك يحمل مخاطره، إذ كلما دخلت عناوين أكثر إلى جدول الأعمال، ازدادت صعوبة ترتيب الأولويات. فالحلف مطالب بردع روسيا، ودعم أوكرانيا، وبناء صناعة دفاعية مغايرة في جدول زمني قصير، وطمأنة أوروبا على أمنها، واحتواء تقلبات السياسة الأمريكية، ومراعاة مصالح تركيا، وإدارة قضايا الخليج والبحر المتوسط معاً. هذه الكثافة تجعل إدارة الخلافات جزءاً أساسياً من وظيفة الحلف المقبلة، وهي تحتاج حتماً إلى أكثر من صياغة بيانات مشتركة والتقاط صور جماعية.
هكذا تبدو قمة أنقرة مرآة لتغير مزاج الحلف وتعدد الهواجس الوجودية فيه. فشرق أوروبا يريد ردعاً برياً قوياً أمام روسيا، والجنوب يحتاج مقاربة أشمل للهجرة والطاقة والبحار، والولايات المتحدة تدفع نحو أوروبا أكثر اعتماداً على نفسها، والأخيرة تخضع، ولكنها ترجوا انتقالاً منظماً يحفظ الضمانة النووية الأمريكية ويكسبها وقتاً لبناء قدراتها التقليدية الذاتية. هذه الحسابات المتوازية حيناً والمتقاطعة أحياناً أخرى تمنح القمة زخماً استثنائياً بشأن الأولويات، وآليات القرار، وتوزيع الكلفة، وشكل القيادة الأمريكية في النسخة الأحدث من ال”ناتو”.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2026-07-08