تحسين المنذري. بداية أشير الى أن مناقشة سياسة الحزب أو نقدها في فترة ما ، لا تعني بالضرورة موقفا من الحزب نفسه، وكذا الحال حين الاشارة الى توجهات أو ممارسات بعض من قياديه، فذلك لا يعني أيضا الوقوف في خندق مضاد للحزب، ولكافة الاعزاء ممن قد لا يرضيهم ما سأدون هنا أقول أنا لست أقل حرصا من أي منكم بل وربما يتفوق حرصي على البعض ممن يعتقدون إن حب الحزب والالتصاق به يعني فقط تأييد سياسة القيادة ومباركة كل مايصدر عنها مجتمعة أو أي من أعضائها … وأعتذر لهم لان فهمي للحرص على الحزب يختلف عن فهمهم، فأنا أعتقد إن التدقيق المستمر لسياسة الحزب وبرامجه وطروحاته، هو الحرص الحقيقي من أجل تصحيح الاخطاء وتجاوز العثرات، وأيضا أقول إن الحزب على مدى تأريخه النضالي كان ومازال مستهدفا من الاعداء، وأي أعداء؟ جلهم يتربع على عروش السلطة متمتعا بقوتها ونفوذها وكل أدواتها القمعية أو الاغرائية.. ولا أظن إن النقد البناء إلا مساهمة جادة في تقوية موقف الحزب ومركزه بين الجماهير بمواجهة أعدائه من اي لون أو صنف كانوا . أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي !! إن هذه العبارة ممكن أن تقال لمن يتأخر عن إداء واجب إجتماعي معين مثل المشاركة في حفلة عرس أو تقديم العزاء في مأتم أو ماشابه ذلك، لا أن تقال تبريرا لتأخرمساندة حزب لحراك جماهيري وأي حزب إنه الحزب الشيوعي،وقياسا لتأريخه وللمنطلقات الفكرية التي على أساسها نشأ وخاض نضالات مريرة متقدما الصفوف دفاعا عن مصالح الشغيلة وبقية الطبقات المسحوقة، كان الاجدر أن يكون الحزب هو من يتصدر المشهد قائدا للجموع لكن ماحدث إن الحزب منع في البدء أعضاءه من المشاركة في الاحتجاج بحجة عدم معرفة الجهة المنظمة !! وعدم المعرفة هذه ترتد عليه فكيف بحزب له مائة مقر وجماهير واسعة لا يعرف من ينظم هكذا فعالية ضخمة؟ ثم تبدأ الاحتجاجات وإذا ببيان سيئ جدا يصدر عن المكتب السياسي بخطاب حزب سلطوي موجها للمتظاهرين إتهامات الى الامس القريب كانت توجه اليه !!وبعدها ينقلب الموقف ببيان آخر مساندا للحراك وداعما بقوة، لكنه ياليت كان قد صدر قبل إعلان مقتدى الصدر تأييده للحراك، ثم يأتي بيان بسلسلة مطاليب تقترب كثيرا من الخطاب الشعبوي والذي دلل فقط على محاولة مسايرة مايحدث وليس منطلقا من فكر وبرنامج وحتى بيان 10/12 الاخير الذي إقتبس مضامين خطاب المرجعية في 10/11 !!! إن كل ماحدث يؤشر لتردي مريع في وضع الحزب لم يأتِ مصادفة أو في غفلة من الزمن بل هو نتاج سلسلة مواقف وتراجعات في سياسة الحزب بدأت حتى قبل 2003 وقبوله بعضوية مجلس الحكم على أساس تمثيل طائفة وما تلى ذلك من سياسات ضبابية يشوبها الكثير من مؤشرات البحث عن موطئ قدم في السلطة حتى بوزير واحد بوزارة ثانوية غير مؤثرة لكنها كافية لتجعل الحزب يتصرف وكأنه حزب سلطة وغيرها من المواقف المثيرة للجدل أدت به في النهاية الى البحث عن جمهور من قوى سياسية أخرى تفترق عنه فكرا وسياسة وتأريخا لكنه قبل التحالف معها تابعا وتلك لم تكن قشة بل ضربة موجعة جدا قصمت ظهرالجبل وليس الجمل، وشكلت إنتكاسة كبرى لم يشهد لها تاريخ الحزب مثيل منذ تأسيسه في 1934 .فهل من علاج للموقف ؟ نعم هناك تدابير تعيد الحزب الى سابق عهده تقوم على أساس عقد مؤتمر إستثنائي تسبقه عدة إجراءات منها تصالح الحزب مع رفاقه الذين إنقطعوا أو قطعت العلاقة بهم بعقد لقاءات جماعية أوفردية معهم تتضمن حوارات فكرية ـ سياسية ـ تنظيمية وليس تصالحا على الطريقة العشائرية، وليمة وتبويس لحى،مثلما فعلت بعض منظمات الحزب تنفيذا لقرار المؤتمر العاشر بالاتصال بالمنقطعين ، كما تعقد المنظمات الحزبية كافة ندوات تنظيمية واخرى علنية للتحاور في شتى شؤون الحزب بدءا من العودة الى الفكر الاصلي للحزب وحذف كل الاضافات التي أعتمدت كمصادر فكرية منذ المؤتمر الخامس والى الان فقد أضاعت تلك الاضافات البوصلة الفكرية للحزب وجعلته يتخبط بسياسات لا تمت الى تاريخه ونضاله وماركسيته بأية صلة، ويترافق مع كل ذاك بذل جهدٍ إستثنائي لإعادة صياغة برنامج الحزب بما يتلاءم مع الوضع الحالي، ونظام داخلي يستجيب لمتطلبات التغييرات التي تحصل في عمل المنظمات أو الهيئات القيادية المختلفة، ولا مناص من الاستعانة بهذا الجهد بكل الكادر الحزبي ممن هم مازالوا داخل التنظيم أو خارجه ولا بأس حتى من الاستئناس بأراء مختصين من أساتذة جامعات أو مهنيين في مختلف المجالات ( فلسفة ، إقتصاد، سياسة ) وكذلك الاستفادة من تجارب الاحزاب الشيوعية الشقيقة وفي مختلف البلدان وصولا لوضع وثائق ناضجة تضمن عمل نقلة نوعية في حياة الحزب الداخلية وعلى صعيد سياسته وعلاقته بالجماهير . كما إني أرى على المؤتمر الاستثنائي إلغاء طريقة الكوتة في الترشيح للمناصب القيادية كافة والطلب الى كل الرفاق الذين فازوا بالكوتة في المؤتمرين التاسع والعاشر عدم الترشح مرة اخرى مع الاحترام لتجربتهم الشبابية فالحزب بحاجة الى كادر مجرَّب يستطيع العبور به الى بر الامان ورفاق الكوتة نتيجة لقصر عمر عملهم داخل الحزب يفهمون النضال على إنه منصب ومن اجل هذا المناصب مستعدين لعمل كل شيئ بما فيه تقديم التنازلات من أجل الحفاظ على مكانتهم التنظيمية، كما إن وجودهم في القيادة مباشرة لا يضمن لهم تعلما صحيحا لإصول النضال داخل حزب الشيوعيين بل إن التجارب النضالية والاحتكاك المباشر مع الجماهير والتعلم منها وتعليمها من يصقل شخصية المناضل المؤهل للقيادة. كما تكون للمؤتمر صلاحية تقرير محاسبة من أساء إستخدام منصبه القيادي أو أثبت عدم كفاءته والخروج بقرارات صائبة إزاءهم . إن عقد مؤتمرا إستثنائيا للحزب وبهذا الظرف بالذات مهم جدا لاجل الحفاظ على بقايا التنظيمات وتقويتها وأعادة لملمة شمل الشيوعيين وصولا الى تحقيق الشعارات والاهداف التي نشأ الحزب لاجلها وقدم خيرة مناضليه حيواتهم في سبيلها أو قضى بعضهم سنوات صبر ومعاندة مع الزمن والانظمة الجائرة من أجل الحفاظ على حزبهم وأمجاده وتقوية شكيمته بمواجهة كل صنوف الاعداء وفي مختلف الظروف. 2019-10-14