الدم لم يجف قط!
الحرب في العراق
ترجمة عزام محمد مكي*
“الحرب في العراق” هوعنوان فرعي في فصل (أزمة ما بعد الحرب) في كتاب (الدم لم يجف قط )*
ادناه ترجمة لهذا المقطع من الكتاب.
في 22 آب/أغسطس 1920، نشر تي إي لورنس («لورنس العرب») مقالاً في صحيفة «صنداي تايمز» حول الحرب في المنطقة التي ستصبح فيما بعد العراق، ورد فيه مايلي:
لقد تم ادخال الشعب الإنجليزي داخل فخٍّ في بلاد الرافدين سيكون من الصعب الخروج منه بكرامة وشرف. وقد أستُدرجوا إلى هذا المأزق من خلال حجبٍ مستمرٍّ للمعلومات؛ فالبيانات التي كانت تأتي من بغداد كانت تصدر متأخرة، وتفتقر إلى الصدق، وتتسم بالنقص. لقد كانت الأوضاع أسوأ بكثير مما أُبلغنا به، وكانت إدارتنا أكثر دمويةً وعدم كفاءةً مما يدركه الرأي العام. إن هذا يشكل وصمة عارٍ في سجلنا الإمبراطوري، وقد يتفاقم الوضع قريباً لدرجةٍ تعجز معها الحلول التقليدية عن المعالجة. نحن اليوم لسنا ببعيدين عن وقوع كارثة.
إن أوجه التشابه مع حرب العراق التي وقعت لاحقاً في عام 2003 لافتة للنظر، بطبيعة الحال، وتشير إلى عجزٍ عن التعلم من دروس التاريخ؛ وهو عجزٌ يوصمُ مهندسي الصراع الآخير بعدم الكفاءة، إلى حدٍّ يرقى إلى مستوى الإجرام. وسنعود إلى هذا النقاش في الفصل الثاني عشر. وألآن، كيف وجد البريطانيون أنفسهم في الوضع الذي يصفه لورنس، وكيف عالجوا ذلك الموقف؟
كان لورنس من دعاة سياسة الحكم غير المباشر في العراق؛ إذ حثّ على تنصيب ملك من الأسرة الهاشمية تحت الحماية البريطانية. وكان من شأن ذلك إقامة نظامٍ تابعٍ يدير البلاد بما يخدم المصالح البريطانية وتحت إشرافها، مع العمل في الوقت ذاته على تخفيف حدة المشاعر الوطنية العربية. نظراً لأن البريطانيين كانوا قد وعدوا العرب بالاستقلال خلال الحرب، فقد كان من المحتم أن يؤدي فرض الحكم المباشر إلى إثارة المقاومة العربية. غير أن سياسة الحكم المباشر، على غرار النموذج الهندي، هي التي سادت. كان أول مندوب سامٍ بريطاني، بيرسي كوكس، على قناعة بأن “شعب بلاد الرافدين قد تقبّل واقع احتلالنا، واستسلم لإحتمال قيام إدارة بريطانية دائمة”. في آيار/مايو 1918 تم نقل كوكس إلى إيران وخلفه العقيد أرنولد ويلسون كمفوض سام. وشرع في” إضفاء الطابع الهندي ” على الإدارة في مواجهة العداء العربي المتزايد. وهكذا ألغى البريطانيون مختلف المؤسسات التمثيلية التي كانت قائمة في ظل الإمبراطورية التركية، وملأوا الإدارة بموظفين بريطانيين، ورفضوا في عام 1919 أيضًا منح الإذن لوفد عربي بالسفر إلى باريس لتقديم التماس من أجل الاستقلال إلى مؤتمر السلام المنعقد هناك. في نيسان/أبريل 1920، أكّدت عصبة الأمم السيطرة البريطانية على العراق. وقد شهدت بغداد اجتماعات احتجاجية ومظاهرات ضد هذا القرار، غير أن البريطانيين قمعوا المعارضة. وهكذا كانت الأرضية قد تهيّأت للثورة.
شهدت كردستان بالفعل اشتباكاتٍ عنيفةً في عام 1919، حين رفع الشيخ محمود البرزنجي راية “كردستان الحرة”؛ غير أن القوات البريطانية سحقت تلك الثورة. ثم وقعت انتفاضة أكثر خطورة بكثير في منطقة أعالي الفرات (ملاحظة من المترجم: هكذا وردت في الكتاب ولكننا نعرف بان الرميثة تابعة للسماوة وليس في ” أعالي الفرات “وعليه فهي في الفرات الاوسط). بدأت الثورة في حزيران/يونيو 1920 عندما حاصر نحو 4,000 من الثوار قوة بريطانية في بلدة الرميثة. تعرض أول رتل إغاثة لكمين وهُزم بعد تكبده خسائر فادحة (48 قتيلًا و160 جريحًا). ولم يُكسر الحصار إلا في 20 تموز/يوليو عندما تمكن رتل أقوى بكثير من ذلك. بحلول ذلك الوقت، كانت أجزاء واسعة من البلاد قد انتفضت، مع وجود ما يقدر بنحو 130 ألف ثائر يحملون السلاح، كان من بينهم نحو 60 ألفاً مجهزين بأسلحة نارية. وجد البريطانيون أنفسهم متورطين فيما وصفه مارك جاكوبسون بأنه “أكبر حملة عسكرية بقيادة بريطانية خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين”.
شن الثوار حرب عصابات متنقلة لم يكن لدى البريطانيين، في البداية على الأقل، أي ردّ عليها. أوضح أحد الضباط البريطانيين أن “الصعوبة في التعامل مع العرب تكمن في طريقتهم الاستثنائية في الظهور من العدم، وفي قدرتهم العالية على التنقل”. كتب ذلك عن خبرة، إذ كان مع “رتل مانشستر” في نهاية تموز/يوليو، عندما تعرض لهجوم على الطريق إلى الكفل. كاد الرتل أن يقع بالكامل في قبضة الثوار، ولم يتمكن من شق طريقه للخروج إلا بعد تكبده خسائر فادحة. كانت هذه أسوأ كارثة حلّت بالبريطانيين خلال الثورة؛ فمن بين 1100 رجل كانوا ضمن الرتل، قُتل أو فُقد نحو 400 فرد، بمن فيهم 280 جندياً من فوج مانشستر. أسر الثوار 79 جنديًا بريطانيًا و81 جنديًا هنديًا. تم احتجازهم في النجف، ولقوا معاملة أفضل بكثير مما لقيه الأسرى الثوار على يد البريطانيين. كما فقد الرتل جميع وسائل النقل تقريبًا (130 عربة من أصل 150) ومدفعًا عيار 18 رطلًا. وبعد بضعة أيام، في 30 تموز/يوليو، أرسل القائد العام الجنرال هالدين برقية إلى لندن ذكر فيها “لقد امتدت الثورةلتصل تقريباً إلى بغداد، حيث لا يمكن اعتبار وضعي آمناً بأي حال من الأحوال”. وكما لاحظ المندوب السامي: “إن المصاعب تتوالى علينا الآن تباعًا وبوتيرة متسارعة”.
ولم يغيّر مسار الأحداث إلا وصول تعزيزات كبيرة، وهو ما أتاح لـ (هالدين) بدء استعادة السيطرة على البلاد. جُهّزت السكك الحديدية بحماية واسعة من الأبراج المحصّنة، وأُرسلت أرتال عقابية في أنحاء الريف، فأحرقت القرى وأطلقت النار على الثوار وصادرت المواشي، كما قُصفت معاقل الثوار وتجمعاتهم بالمدفعية وقُصفت كذلك من الجو. استخدم البريطانيون قذائف الغاز بكميات كبيرة… وكان لها أثر معنوي كبير. وبحلول نهاية تشرين أول/أكتوبر، تم سحق المقاومة المنظمة نهائياً باستسلام النجف وكربلاء. واستمرت عمليات التمشيط حتى العام التالي.
كلّفت الثورةُ البريطانيين 426 قتيلاً و1228 جريحاً و615 مفقوداً في صفوف جنودهم. أما خسائر الثوار فبلغت رسمياً 8450 قتيلاً، غير أن الرقم الواقعي يتجاوز 10 آلاف. ورغم الهزيمة، فقد حققت نجاحاً من ناحية واحدة؛ إذ وضعت حداً لنظام الحكم البريطاني المباشر. وبدلاً منه، نُصِّب فيصل -من الأسرة الهاشمية- ملكاً على البلاد في آب/أغسطس 1921، وذلك عقب استفتاءٍ مُزوَّر. وقد أحكم البريطانيون سيطرتهم على البلاد من خلال هذا النظام التابع لهم حتى عام 1958. ومن النتائج الأخرى للثورة أن البريطانيين تبنوا سلاح الجو كوسيلة اقتصادية لفرض السيطرة في المستعمرات؛ فقد لعب القصف دوراً مهماً في إخماد الثورة، حيث ألقت القوات الجوية الملكية البريطانية 100 طن من القنابل. كان بإمكان سلاح الجو الملكي تدمير القرى دون محاسبة، في حين كانت الحملات التأديبية التقليدية تتطلب مشاركة مئات الجنود الذين كانوا يتكبدون خسائر بشرية لتحقيق الغاية ذاتها. أشار قائد الجناح آرثر هاريس إلى أن العرب والأكراد “يدركون الآن ما يعنيه القصف الحقيقي من حيث الخسائر البشرية والأضرار المادية”. “ففي غضون خمس وأربعين دقيقة، يمكن محو قرية بأكملها تقريباً، مع مقتل أو إصابة ثلث سكانها”. وقد عمد الرجل، بطبيعة الحال، إلى وضع أفكاره هذه موضع التنفيذ بأكثر الطرق اجراما، وذلك حين تولى قيادة (قيادة القاذفات) خلال الحرب العالمية الثانية.
بعض رجالات ثورة العشرين في كربلاء

*The Blood Never Dried- John Newsinger

2026-10-30