اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (10)!
اعداد وتقديم: كاظم الموسوي
مجلس اعلى للتخطيط
كان الحزب {الشيوعي العراقي} قد اقترح بوقت مبكر، تكوين مجلس اعلى للتخطيط، وحدد تركيبه ومهماته وطرائق عمله، وقد اخذت ( اللجنة الاقتصادية) الحزبية على عاتقها، اعداد مشروع مفصل، وكلف (كاظم حبيب) {عضو مكتب سياسي للحزب} بشرحه امام اجتماع واسع في قاعة ( المجلس الوطني) حضره الى جانب رئيس الجمهورية ونائبه صدام حسين، جميع الوزراء، واعضاء القيادة البعثية، والكادرات الحكومية والحزبية، ولدى الاستجابة الى هذا المقترح، كلفت اللجنة الاقتصادية على اعداد المخططات والصور الايضاحية لتركيب وصلاحيات هذا المجلس، وعرضت على لوحات امام المشاهدين وعلى مدى بضع ساعات، جرت مناقشة هذا المشروع الذي بدا للجميع معقدا للغاية، كما ابدى بعض المسؤولين البعثيين تحفظاتهم عليه، لانه “مقتبس” من نماذج اشتراكية، وهنا وجدت من الضروري ان اتوجه بسؤال الى صدام، سالته:
قبل ان نبحث بموضوع التخطيط، اريد ان اسال: ما هي ايديولوجية المخطط؟.
اجاب ما مؤداه:
ان المخطط ليس هو وزير التخطيط او وزارة التخطيط، بل القيادة السياسية التي تعتنق الايديولوجية الاشتراكية.
واتخذ النقاش حول صلاحية او عدم صلاحية المشروع، طابعا جدليا لم يخل من نوازع المجابهة، وانتهى الاجتماع دون الاتفاق على شيء.
قابلت احمد حسن البكر، بعد ذلك بايام، وتساءلت معه بلهجة اللوم، عن مآل ومصير هذا المشروع، وعما اذا كنا سنعتمد مباديء وقوانين التخطيط العلمي ام لا.
قال:
حاولت في الحقيقة ان افهم مشروعكم، فلم افلح، ولا اعتقد ان احدا فهمه، فلام صاحبكم (ويقصد كاظم حبيب) فهل تستطيع ان توجزه لي في ورقة واحدة لا اكثر.
عدت الى مكتبي واعددت هذه الورقة وبعثتها اليه، ثم لما قابلته مرة اخرى، قال:
الافضل ان نبقي على وزارة التخطيط، لان تكون مجلسا اعلى لضم الوزارات النوعية، كما تقترحون، ودوائر فنية، وخبراء..الخ. هو مسالة فيها تداخل وتعقيد لاجراءات ، ولدى مواجهة صدام، ذكر انه لا يفضل ابقاء وزارة التخطيط، واستبدالها بمجلس تخطيط، والاجدى، والاسهل هو تكوين مجلس يحضره وزراء الوزارات النوعية، ومدراء الاقسام في وزارة التخطيط، واعضاء الدائرة الاقتصادية التابعة لمجلس قيادة الثورة، وحتى غيرهم. ولما سألته عن رايه في مشروعنا، لم يشأ ان يتطرق اليه، والارجح انه لم يستسغه، وربما لم يستطع الالمام بتفاصيله، وهكذا جرى طيه والتخلي عنه.
كان جدول عمل اجتماعات مجلس التخطيط، اضبارة من مائة صفحة، او امر، في اغلب الاحيان، ورغم اني لم اكن اشغل وزارة نوعية، الا اني كنت اساهم في هذه الاجتماعات، بدراسة او مقترح كنت اقدمه للمناقشة، او لدى عرض وجهة نظر الحزب في الخطط الاستشارية، والخمسية، وميزانية الاستثمار او للميزانية الاعتيادية، كما كانت تناط بيدي – كما ذكرت- مهمات من هذا النوع، وترؤس لجان لإعداد الميزانية، او لتعديل الانظمة المالية والمصرفية، وكنت الاحظ، لدى مشاركتي في مثل هذه الاجتماعات التي يراسها صدام، باعتباره رئيس مجلس التخطيط، بانه كان يتقصد السجال معي امام زملائه البعثيين، وكأن مسالة التنمية او المسائل الاقتصادية هي ميدان منافسة بين الحزبين لصالح ما لديهما المشترك، ومن المؤكد ان صدام لم يكن بمقدوره ان يقراها كلها او يلم بمحتوياتها، ولكنه كان يستشف او يشخص الموضوعات والطروحات، من خلال المناقشات، كما لاحظته، ورغم ان صدام كان يتقبل بانتباه ويتفهم اراء ومقترحات الحزب، الا انه غالبا ما اعتاد على مقاطعتي، او اخراج الموضوع عن مساره، او محاولة طرح أسئلة تعجيزية. هذا ما لمسه مشاهدو التلفزيون في احدى المرات، عندما بثت وقائع اجتماعات (ندوة زيادة انتاجية العمل).وكنت في هذه الندوة قد انتقدت بلهجة خفيفة معارف الفريق البعثي الذي اعد ورقة العمل، وابرزت القواعد العلمية في تنظيم العمل واكدت على الحافز المادي، (في حين اكد كاظم حبيب على توفر الحافز المعنوي بسبب موقف العمال من الملكية العامة لوسائل الانتاج في العراق) كما اوردت نماذج من انماط تطور الاقتصاد الاشتراكي والراسمالي، وتقصدت الاشارة الى لينين باسلوب المواربة بهدف التنبيه الى وجود اعداء للاشتراكية، والفكر الاشتراكي، في صميم الدولة والمفاصل الاقتصادية، الى جانب ابراز نموذج الواجب والمباراة في الاتحاد السوفييتي وخاصة المراحل الاولى من البناء، فضلا عن نقد بعض المؤسسات الاقتصادية في العراق، وقصور وسائل الاحصاء في الميزانية، والتركيز على مباديء الحساب الاقتصادي والموازنة العينية، واعتماد قانون البضاعة – النقد، وتفعيل قانون القيمة، والتعاقد بين المؤسسات…الخ. وذلك على غرار ما يجري حاليا في اطار عملية التجديد والتسريع للاقتصاد الوطني في الاتحاد السوفييتي.
ولدى اشغالي وزارة التخطيط لفترة من الوقت، عمدت الى اختزال عمل المجلس، وذلك، بتكليف الدوائر المختصة في الوزارة، تجميع التعاقدات التي تقل عن مئة مليون دينار، والبت فيها في اجتماع دعوت الى عقده في الوزارة، ودون حاجة الى عرضها على مجلس التخطيط. واذكر ان مجموع كلفة التعاقدات التي ناقشناها، وتمت المصادقة عليها، تزيد على 500 مليون دينار، ولم يستغرق الاجتماع اكثر من ساعة، والحق ان وزير التخطيط عدنان الحمداني كان حريصا على المشاورة، والتعلم، والاخذ بالكثير من الاراء، التي كنا نتداول بها، وخاصة ما يتعلق باحالة بعض المشاريع للدول الاشتراكية، وحتى كان يطلب مساعدتي في التفتيش عن كتاب في مادة التخطيط باللغة العربية، ولكني لم افهم دافعه في تلك المضايقات والتعقيدات التي وضعها امام الفريق السوفييتي الذي استقدم للعراق لوضع خطة طويلة الاجل للتنمية الاقتصادية حتى عام 1990. فقد حرموا من البيانات الاحصائية، ومن امكانية الترجمة، وحوصروا مع كاتبة طابعة في احدى الغرف، ومع ذلك، فقد استطاعوا في غضون 8 اشهر تقريبا على وضع خطة باكثر من الف صفحة، اوجزوها في كراس بالانجليزية ما لا يزيد عن 600 صفحة. وكان بحق عملا متقنا، ورغم ذلك، فقد وجد من حرض صدام على رفض هذا العمل، بدعوى انه “مشروع غير منفتح على الاقتصاد العربي”، رغم ان صدام لم يكن بالتاكيد قد اطلع على هذا العمل الجليل، لانه على الاقل، لم يكن قد ترجم بعد الى اللغة العربية، وكان المؤمل بان يكون هذا العمل دليلا عاما، لوضع الخطة الخمسية، ولكن طوي واهمل، تحت طائلة الادعاء بصياغة مشروع “عراقي” بديل!.
وهكذا جاءت الخطة الخمسية الثانية للاعوام 1976- 1980، مقتصرة على مؤشرات عامة، مشوبة بطائفة من الاختلالات وعدم التوازن، وخاصة فيما يتعلق بالاستهدافات الكبيرة، والترابطات التكاملية في القطاعات، ومع ذلك، فقد اتخذ الحزب منها موقفا ايجابيا، وكان هذا هو رأي (اللجنة الاقتصادية) الحزبية، حيث زارني في الدار، في عشية مناقشة هذه الخطة، كل من كاظم حبيب، وجعفر عبد الغني، فطلب كاظم ادخال العديد من التقديرات في متن نقاط المداخلة، التي كنت قد اعددتها لاجتماع مجلس التخطيط.
كثيرا ما كنا نحذر من عواقب الافراط في الترابطات مع المؤسسات الراسمالية العالمية، ولاسيما الشركات متعددة الجنسية، والبنك الدولي.
فبالنسبة للاولى، كما اشرت، جرت مناقشات وقدمت مذكرات، تتعلق بقطاع المقاولات (راجع الملحق رقم … من هذا الكتاب) {وهذه اشارة اخرى عن كتاب المذكرات للراحل عامر عبد الله ويتضمن ملاحقا}، وكما اكدنا ضرورة تكوين الشركات الوطنية في اطار القطاع العام، وقد سبق للقاريء ان لاحظ نبرة التحامل من صدام حسين، عند مناقشة طريقة (المشروع الجاهز) في التعاقدات مع الشركات الاجنبية، وفاتني ان اذكر، بانه قابل بشيء من الاغتياظ، مقارنتي لاوضاع العمال والمهندسين العراقيين في معمل انتاج القوالب الكونكريتية في البصرة، مع اوضاع العمال والمهندسين في المجمع البتروكيمياوي، ووسائل الترفيه المعدة لهم – من الاسواق، وحمامات السباحة، وقاعات اللعب والرقص، والمرتبات العالية، فضلا عن سياج حديدي يحول دون دخول اي عراقي من معمل القوالب الكونكريتية الى هذا المجمع- رغم ان ما يفصل بينهما هو عرض الطريق.
شركات متعددة الجنسية وصفقات وعمولات
وكنا لدى مناقشة احالة (مشروع ري كركوك) الضخم، بعهدة شركة فرنسية، قد ذكرت، بان هذا المشروع. سيكون اشبه بافكار النفط الذي اممناه، خصوصا وان الفرنسين سيقيمون عندنا خمسة عشر عاما، وعلى هذا النمط سيقيم عندنا الامريكان في المجمع الكيمياوي، ما دام المشروع قد انجز، دون اعداد ملاكات عراقية لاستلامه وتشغيله، خلافا لما فعل السوفييت في مشروع الثرثار الذي انجزوه بكلفة رخيصة، وانجزوا معه تدريب مئات من العراقيين الذين سيتولون مع سبعة من الخبراء السوفييت انجاز مشروع الثرثار الثاني باتجاه دجلة وبايادي عراقية.
وبهذه الوجهة، حذرنا من العطاءات المتقاربة لسبع شركات اجنبية، بلجيكية، هندية، المانية، وغيرها لبناء خط حديد بغداد – الحدود السورية، واتفاقهم السري على عطاءات متقاربة عالية جدا، وقد افلحت تحذيراتنا بتقسيم هذا المشروع الى 18 مقاولة، يقع جزء كبير منها في عهدة شركة المقاولات العراقية، مؤكدين ان هذه الشركات السبع ليست الا اخوات في شركة واحدة من الشركات متعددة الجنسية، ورغم ان ما حققناه في هذا المضمار قليل بالقياس الى حجوم التعاقدات مع الشركات متعددة الجنسية، الا ان موقف الشيوعيين كان معروفا، وقد بررته الفضائح والصفقات اللصوصية في اخر الامر، سواء فيما يتعلق بسكة حديد بغداد – الحدود السورية، او مجمع الفوسفات الضخم في (عكاشات)، او بالنسبة لمشاريع اخرى احيلت بتعجل، رغم السماسرة منا، في جهاز الدولة، بمئات الملايين من العمولات.
اما بالنسبة للقروض والتعاقدات مع البنك الدولي، فقد تصدينا لها منذ الايام الاولى، لمشاركتنا في الحكومة، فقد اعددت مذكرة وقعها معي مكرم الطالباني في صيف عام 1972 لنقض اتفاقية القرض المثقل بالشروط والفوائد لتمويل مشروع ( اسفل الخالص) – راجع الملحق رقم …-
كما تسنى لي لدى اشغالي وزارة الثقافة والتعليم تعطيل الاتفاقية مع البنك الدولي، بصدد اقامة مجمع المدارس المهنية، (البولتكنيكية) رغم الحاح وكيل الوزير انذاك (الدكتور عبد العزيز البسام) ورغم ان هذه الاتفاقية قد ابرمت بعد اجراء تعديلات جوهرية لصالح العراق قد ادخلت عليها.
ومن بين اعتراضات جدية شلت بعض الايادي المتواطئة في وزارة الصناعة لابرام بعض التعاقدات مع الشركات الاجنبية، ومنع سفر بعض الوفود في وزارتي النقل والتجارة الخارجية، لشراء بعض المعدات، او لاستطلاع اثمان صفقات عن الحبوب، وفق مراسلات متفق عليها مع اوساط اجنبية، تصدينا لاعمال تخريبية عديدة، وصفقات مشبوهة.
وبسبب تحرج بعض الوزراء البعثيين من غير القادة، مثل وزير الصحة (دكتور رياض ابراهيم) كنت اشجع لدى توكلي عنه، او في مناقشات مجلس التخطيط في طلب زيادة الاعتمادات لوزارته، كما اعددت له يوما ما، خلاصة باعتمادات سنوية مضاعفة، بالتوازن بين حاجات الوزارات المختلفة، كانت في الواقع تتماشى مع النفوذ في القيادة البعثية. فقد دهشت مثلا، لدى اشغالي وزارة الصحة، ان كل ملاكاتها من سيارات الاسعاف لا يزيد عن 80 سيارة في جميع ارجاء العراق، بينما تمتلك وزارة الزراعة والاصلاح الزراعي التي يراسها (عزة الدوري) عضو مجلس قيادة الثورة، اكثر من 17 ألف سيارة، معظمها عاطلة عن العمل. ولدى اثارتي هذا الموضوع في مجلس التخطيط تقرر عرض السيارات العائدة لوزارة الزراعة والاصلاح الزراعي للبيع، وتامين عدة مئات من سيارات الاسعاف لوزارة الصحة.
واذ كنت اتحدث مع احمد حسن البكر، بهذه الامور وغيرها، كان يبدي تفهما ولا ادري ان كان ذلك وراء اقتراحه الذي تقدم به الي في اواسط عام 1978، بالاشراف على وزارات: التخطيط، والصناعة، ووزارة ثالثة، فقد اتصل بي ( طارق حمد العبدلله) – رئيس الديوان – يسال باسم رئيس الجمهورية كيف علاقتي مع عدنان الحمداني (وزير التخطيط) ومحمد عايش (وزير الصناعة)؟.
سالته، لماذا؟ انهما صديقان وعلاقاتي بهما ممتازة.
قال: يتساءل الرئيس اذا كنت مستعدا ان تاخذ على عاتقك مسؤولية الاشراف اليومي على شؤون هذه الوزارات التي يرى انها لا تعمل بكفاءة!.
اعتذرت فورا عن قبول هذا التكليف، بسبب تدهور العلاقة بيننا وبين حزب البعث في هذه الفترة، وتوجست منه، لسبب لم اعرفه، في حينه، ولا استطيع الجزم ببواعثه حتى الان.
كان البكر في الغالب يستجيب لطلباتي، او يبدي تفهما لها، كما كان يوليني شيئا من الثقة.
2026-07-03