استيطان الأرحام: عندما يتحوّل الرحم إلى معسكر!
بقلم: نضـال بن مصبــاح
ليست هذه قصة من روايات الخيال العلمي. وليست فكرة على هامش الغرابة.
نحن أمام مشروع رسمي داخل الكيان الصهيوني، يتم فيه استخراج الحيوانات المنوية من جنود قُتلوا في معارك غزة، بهدف إنجاب أطفال يُربّون ليكملوا مسيرة القتال.
طفل لا يُولد ليحيا، بل ليحمل رقمًا في سجلّ الحرب، ويكون “رمزًا” لكيان لا تتقن سوى القتل.
بعد السابع من أكتوبر، انفجرت هذه الظاهرة بشكل غير مسبوق. لم تعد مجرّد حالات فردية، بل مشروعًا مدعومًا ببروتوكولات طبية وعسكرية، وتشريعات قانونية تُطبخ على نار السياسة.
عندما يُقتل الجندي، تُبلّغ عائلته خلال ساعات: “هل ترغبون باستخراج نطفته؟”.
لا وقت للحزن. ولا مجال للدفن قبل أن تُؤمَّن استمرارية “دم القتال”.
القرار سريع. الألم كبير. والدهشة لا تكفي لوصف المشهد.
وفق تقارير عبرية، تم استخراج الحيوانات المنوية من 219 جنديًا قُتلوا في العدوان الأخير على غزة.
169 من هذه الحالات طلب فيها الأبوان استخدام السائل المنوي.
وفي 50 حالة أخرى، كانت الشريكة أو الزوجة هي من طلبت “الاستنساخ العاطفي”.
نحن لا نتحدث عن مبادرات شخصية، بل عن منظومة متكاملة، تشرف عليها وحدات عسكرية وطبية، وتخضع لنقاشات الكنيست، وتُوظَّف سياسيًا في سياق “الثأر الرمزي من العدو”.
أحد الآباء قالها بوضوح:
“نُريد أن نثبت أن أبناءنا لم يذهبوا هباءً… نريد طفلاً يحمل دمهم ليكمل ما بدأوه”.
لكن أيّ خلودٍ هذا الذي يُولد في أنبوب؟
وأيّ نصرٍ يُزرع بالإكراه في أرحام لا تعرف إن كانت تُنجب جنديًا أم ضحية؟
بعض العائلات ترى في الطفل المنتظر “شعلة انتقام من حماس”.
البعض الآخر يعتبره “رمزًا لأمل قومي”.
لكنّ هناك أيضًا من وصفه بوضوح: “استغلال للموت… وعبث أخلاقي خطير”.
داخل الكيان ذاته، تتصاعد الأصوات الرافضة لهذا المشروع الغريب، الذي يُحوّل جسد الميت إلى مورد بيولوجي، ويُلغي إرادته بعد الموت، ويضع مستقبل الطفل فوق مقصلة السياسة.
الكنيست منقسم:
فئة تدفع باتجاه تشريع قانون يسمح باستخدام نُطف الجنود دون وصية مسبقة.
وأخرى تخشى الانزلاق إلى هاوية لا أخلاقية، تحوّل حياة الإنسان إلى مشروع حرب حتى بعد موته.
المسألة لم تعد علمية ولا طبية، بل تحوّلت إلى ميتافيزيقيا استعمارية:
الاحتلال الذي لا يشبع من الدم، يحاول أن يغرس أظافره في ما بعد الموت، ليخلق من الجثث امتدادًا لأكذوبة “الجيش الأخلاقي”.
نحن أمام استيطان بيولوجي…
“استيطان في الأرحام”، بعد أن ضاقت الأرض على أقدام جنوده.
الاحتلال الذي فشل في هندسة الحياة الفلسطينية عبر القصف والقتل والتجويع، بدأ يُهندس الحياة داخل بيته، عبر إعادة إنتاج جنوده من رحم البكاء.
يريد أبناءً لا يحملون ذاكرتهم، بل مهمتهم.
طفلًا لا يُولد من حبّ، بل من قرار قضائي.
طفلًا لا يُحتفل بميلاده، بل يُستقبل كـ”سلاح جديد” في ترسانة الدولة.
إنه مشروع لا يرمم الخسارة… بل يُعمّقها.
لا يُعالج الفقد… بل يستثمر فيه.
هو شكل آخر من استغلال الجندي الميت، حتى آخر قطرة من جسده.
وأنا أكتب هذه الكلمات، في ليلةٍ كان يُفترض أن تكون ليلة عيد…
لكن مظاهر العيد لا تكتمل عندي إلا حين أرى الكيان يترنّح، يتخبط، ويبحث في قاع موته عن قشّة نجاةٍ من طوفانٍ لا يرحم.
عيدكم سعيد، وطوفانكم مبارك، يا من جعلتم عدوّكم يلجأ لبقايا نُطفٍ اشلاهم… ظنًّا منه أن الحياة قد تُستنسخ من الموت.
هذه ليست عبقرية… بل ذروة العجز المقنّع بالعلم.
وليست خلودًا… بل نوبة هلع أخير قبل السقوط.
فما بُني على جماجم الأطفال، لن يصمد أمام سجداتهم.
وما صُمم في أنابيب الموت، لن يقف في وجه سيل الجهاد.
هذه محاولة أخرى فاشلة… كغيرها من محاولات التثبّت في أرضٍ لفظتهم ألف مرة.
زائلون وإن استنطقوا الأرحام.
مهزومون وإن غيّروا أسماء القتلى إلى “رموز”.
داخلون المسجد كما وعدنا الله… وهم سيفرّون بأجنّتهم من نار لا تُبقي ولا تذر.
2025-06-06
