غزة في الإنتظار….!

الراحل أحمد حسين
تم المشهد الثاني من الفصل الأول . مرحلة الإثخان في الجسد الغزي وصلت بعدها التكتيكي الذي وضعته طواقم التأليف والإخراج والتنفيذ . ألكل وراء الكواليس يعدون للمشهد القادم أو الفصل القادم . هل تعلم الغزيون الدرس أم أن هناك ضرورة لدرس أكثر قسوة قبل أن يضغطوا على حماس لتنسحب أو تتراجع أو تستسلم ؟ ألغزيون لا يخطر الإستسلام ببالهم لأنهم كما يبدو اختاروا الموقف القدري ، أي موقف الشهادة . وهو موقف قادر على احتواء أية مذبحة . ولكن حماس جزء من المشهد السياسي الذي له قدر مختلف . وحينما تنتهي لحظة الكواليس أي لحظة التفاوض الدولي مع حماس ، يبدأ الطاقم المسرحي بإعداد المسرح لمشهد استئناف المذبحة ، أو المشهد الأول من الفصل الثاني . كل هذا تقرره نتائج التفاوض مع حماس . وحماس تؤدي فرض المقاومة بحساب مزدوج . حساب الإستشهاد وحساب المسؤولية . الذين يدفعون حساب الشهادة هم شعبها بما فيهم الأطفال والنساء والعجزة ، وكوادرها المباشرة التي تشكل رصيدها الحركي المقاوم . والصمود الشعبي يملك إمدادا يتجاوز حدود مقدرة الصمود التنظيمي . وليس له أية استراتيجية حركية تنظيمية تثقل على استراتيجية الشهادة والوطن التي لا يملك غيرها . ولكن حماس مجبرة تحت بند المسؤولية الوطنية العامة والمسؤولية الحركية ومسؤولية علاقاتها الدولية مع الأصدقاء والأعداء الدوليين ، أن تتحرك في أزقة كثيرة مليئة بالعقبات . سياق الهولوكوست قد يحمل الغزيين تحت هول المعاناة على التذمر سياسيا من واقع البيت الفلسطيني ، ولكنه لا يمكن أن يبعدهم عن موقف حماس ما دام يتبنى معهم استراتييجيتهم الوطنية التي هي فوق حسابات الإدانة . ولكن الذي يمكن نظريا أن يبتعد عن هذا الموقف هو حماس . فهي تحت طائلة الحرج بتحميل موقفها المسؤولية المباشرة عن المذبحة ، كما يقتضي الإخراج الدولي للمذبحة ، وتحت طائلة ولوغ قيادات فتح في المؤامرة إلى درجة البكاء على الشهداء الذين اشتركت في دمهم ، من أجل إدانة حماس ، وفي ظروف احتمال قيام صفقات بين أصدقائها السياسيين ، إيران وسوريا مع الموقف الدولي ، للضغط عليها ، فإنها ستضطر إلى مراعاة تكتيكات السياسة لإنقاذ نفسها حركيا .
حماس تدري أن القضاء عليها أصبح إجماعا دوليا مشتركا . هذا القرار الدولي يقدم نفسه كقرار يخص الحالة الفلسطينية فقط . بل ويقدم نفسه على أنه وليد التزام إنساني وأخلاقي دولي لتخليص الشعب الفلسطيني من حماس , لوقف معاناته من حملات الدفاع عن النفس التي تقوم بها إسرائيل . ومع أن الدوليين ، أي مهندسي المذبحة ، يعرفون أن الفلسطينيين يعرفون أنهم يكذبون ، إلا أنهم يعرفون أيضا أن الدم وفائض الذبح يمكن أن يجبر الناس على خداع النفس وتصديق الأكاذيب . أي أنهم يقدون تصديق كذبهم للفلسطينين كخيار بديل عن القصف الإسرائيلى . وهي معادلة صعبة حتى على مستوى فرنسا على سبيل المثال ، فكيف على مستوى مدينة صغيرة محاصرة ، أو حركة مقاومة تواجه الإف 16 بصواريخ القسام ؟
حماس تعرف أن تحييدها من المشهد هو جزء من القضاء على المقاومة الإقليمية للمشروع الأمريكي . جزء من حرب أمريكا والدوليين المصيرية لتجديد الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط وإبقائه منطقة مفتوحة إلى الأبد أمام مصالحهم . حرب الدفاع عن النفط وإسرائيل والمستقبل الإمبريالي برمته على مستوى العالم . لذلك فحماس على ثقة أن تحييدها مثل تحييد المقاومة اللبنانية والعراقية هو قرار دولي لا رجعة فيه ، حتى لو أدى الأكر إلى إرسال قوة دولية للفصل بين إسرائيل وصواريخ القسام الإستراتيجية ، وبين الإف 16 ووجنات أطفال غزة .
وحماس تعرف أن الحلقة تضيق من حولها وأنها قد أغلقت أو هي في لحظة الإغلاق الأخيرة . فإيران هي أكبر لاعب سيرك في تاريخ العلاقات الدولية . وسوريا هي مجرد اشتباه وجداني عديم الأهمية بدون إيران . والمقاومة اللبنانية محاصرة ولن تهملها الحماية الإيرانية في أية صفقة مع الدوليين , والمقاومة العراقية وصلت حدود النزيف القصوي . فحماس إذن في وضع لا تستطيع معه تأجيل الخيارات . إما الإسٍتشهاد تنظيميا أو الإستسلام . ويجب أن يتم الإختيار خلال أيام أو شهر على أبعد حد .
وهناك خيارات تسهيلية مغرية أمام حماس في اختيار شكل الإستسلام . هناك خيار ذهاب هنية إلى رام الله ” للتفاوض ” على إعادة الوحدة الوطنية , أي التوقيع على أجندة التفاوض مع إسرائيل ، والإعلان عن وقف لإطلاق صواريخ القسام . هناك أيضا خيار الإعتراف المسبق من جانب هنية بسلطة عباس وإجراء الإجتماع في القاهرة بدلا من رام الله . وهناك إمكانية تجاوز عباس والإستماع إلى نصائح الإخوان المسلمين في مصر بالإعتراف لهم بتمثيله دوليا ، والتوسط بينه وبين أمريكا للإعتراف به كطرف تفاوضي غزي مستقل عن سلطة رام الله . وهو الخيار الأحب إلى قلب إسرائيل ، ولكنه ليس خيارا حماسيا فقط . وهناك أخيرا أسهل القرارات وأشرفها وهو الإستشهاد التنظيمي المشرف ، بتوجيه كوادرها للمقاومة في العراق حيث موقع الحسم الحقيقي لكل حركات المقاومة العربية ، والإعتراف أن الطريق إلى فلسطين يبدأ من العراق .
هذا بالطبع هو اجتهاد متطرف ، لا يراعي استراتيجية الإعتدال العربي ، ولا الإعتماد على الله وخافير سولانا في إنقاذ من تبقى من أطفال غزة . ولكن خروج حماس من غزة إلى العراق ، علاوة على أنه يختصر كل منطق وشرف المقاومة عربيا وفلسطينيا ، فإنه سيثبت أن حماس وصواريخ القسام لم يكن لها أي علاقة بذبح الفلسطينيين ، وأن السبب الوحيد لذلك هو إرغام الدم الفلسطيني بالتخلي عن إسمه فنموت لننجو .
إذا رفضت حماس كل خيارات الإستسلام ، فعلينا أن ننتظر المشهد المستأنف الذي سيبدأ عرضه قريبا جدا .
(2008)
2023-10-10