الشعر والوهم…
بين فن الشعر…… وفن الطبخ!
علي الإمارة*
اذا كان ابن باجة قد طرد الاطباء والقضاة من مدينته الفاضلة لان اهلها يتمتعون بالصحة والاخلاق فان افلاطون طرد الشعراء من مدينته الفاضلة لانه لا يريد ان يسمح للوهم ان يدخل هذه المدينة – الجمهورية – التي تشكل الحقيقة ماهيتها .. فاول عدو للحقيقة – في راي افلاطون – هو الوهم .
وقد فرق كولردج بين الخيال والوهم وقال انهما طاقتان قد تعملان معا لانهما غير متضادتين بل لابد للخيال من مرحلة الوهم .
واستعمل كولردج في حديثه عن الخيال اصطلاحات الحياة والنمو أي انه راى ان الخيال عملية حيوية عضوية متنامية ، بينما الوهم عمل ميكانيكي .. أي انه فرق بين الخيال العضوي الحيوي الذي تنمو به الصورة الشعرية وبين الخيال القائم على التداعي .
اما معاصره وردزورث فانه قال : ( ان الخيال خالق والوهم خالق )
ويبدو لنا ان هناك علاقتين للشعر بالوهم يمكن تمييز الاولى بانها علاقة ايجابية – فنية ، اما الثانية فهي علاقة سلبية – لا فنية .
فتتحقق الاولى حين يكون الوهم مادة شعرية وثيمة من ثيمات العمل الفني حيث تغدو مفردة الوهم اثيرة لدى الشاعر لما لها من دلالات تشير او ترمز الى معان خفية في حياة الشاعر وتجربته فتطفو على سطح لغته الشعرية مفردة الوهم مسهمة في تشكيل صورة شعرية او تعبير شعري يخدم البناء او المضمون للقصيدة .. كأن يقول الشاعر ( شجر الوهم ..) او ( مدن الوهم .. ) او ( ارتدي الوهم .. ) .. الخ ، بل احيانا لا تظهر مفردة الوهم صريحة وانما تتجلى معانيها ومعطياتها من خلال السياق الفني او الدلالي .. فنرى الوهم نسغا لنمو قصيدة او ومضة شعرية او ضربة في نهاية القصيدة ..
فغالبا ما يحيل الشاعر اوهامه التي هي انخذالات حياتية الى انتصارات شعرية حين تؤجج هذه التجارب جمرة الرؤى والابداع والتعويض ..
أي ان الفراغ الذي يحدث في روح الشاعر يحاول الشاعر ملأه بلبنة شعره ( لتحقيق المعادل الموضوعي – كما يقول اليوت – ) .
وهناك وهم اخر قد يعيشه الشاعر فلسفيا او نفسيا حين يتصور مثلا بانه سيغير العالم بالشعر او في بحثه عن المطلق او محاولته للهروب من الزمن او حين ينتظر ما لا ياتي – كانتظار غودو – او حين يعشق المراة المنحوتة من الوهم – كما في تجربة الشابي – وغيرها من الافكار – الاوهام التي تسهم في اضاءة خيال الشاعر ودفع عربة الشعر باتجاه برج الرؤى والابداع ..
اذن فالوهم سواء كان مفردة ضمن عبارة شعرية او صورة شعرية او حين يكون ثيمة او معنى متناميا في القصيدة ،او حين يكون الوهم مفهوما – أي فكرة – تحرض الشاعر على الكتابة فانه يكون وهما ايجابيا – فنيا خلاقا ..
اما العلاقة الثانية للشعر بالوهم فتتجلى في حالات يمكن تشخيص بعض منها مثلا حين يتوهم الشاعر او اللا شاعر بانه حقق صورة شعرية من خلال تعبير ما .. اراد له ان يكون شعريا ولكن هذا التعبير بقي – في حقيقته – يسبح خارج حدود الشعر فيكون سبب هذا الوهم ضعف الموهبة او غيابها او الفهم الخاطئ للصورة الشعرية او اللغة الشعرية او الانخداع بمظاهر شعرية مثل الوزن والقافية او الرسم الشكلي لقصيدة النثر .. الخ
ومجموعة هذه التعابير او الصور اللا شعرية ستؤدي الى قصيدة لا شعرية يتوهمها ( الشاعر ) ويطرحها تحت مظلة غياب المقياس الفني الصحيح للشعر .
وهكذا يكرس هذا اللا شاعر تعابير وصورا وقصائد خارج منطقة الشعر فيسحب على الكتابة ( شطارات ) اخرى تكرسه رقما في قائمة النشر لا الشعر .. !
واحيانا يكون الوهم مفهوما سلبيا للشعر كالاوهام الخمسة التي اشار اليها ادونيس في فهم الحداثة الشعرية وهي :
الزمنية أي ربط الحداثة بالعصر ، ومغايرة القديم ، ومماثلة الغرب ، والتشكيل النثري ، واخيرا الاستحداث المضموني ..
او الوهم الذي ذهب اليه مارينتي وهو رائد الشعراء المستقبليين في ايطاليا حين اهتم بادوات المستقبل وسخر بكل ما يرتبط بالماضي .. فعشق السرعة والضجيج والالات العصرية .. وبعد مدة من الزمن اكتشف انه كان موهوما في فصل الحاضر عن الماضي لذلك انصرف عن الشعر والف كتابا في فن الطبخ .. !!
وهكذا نرى ان المسافة بين الشعر والوهم قصيرة جدا تكاد لا ترى الا بمنظار الموهبة والذوق الرفيع والمقياس الجمالي الدقيق والاستعداد للخلق الشعري ..
ولكن هذه المسافة – على قصرها – لا يعبرها ( شعراء ) يقضون عمرهم ركضا بين الشعر والوهم ..
شاعر وكاتب
2023-08-18