من بين أصعب الأمور على من يقيم في أوروبا أن يكون منصفا عندما يتحدث في موضوع التزام الأوروبيين بـ “حقوق الإنسان”، لأن هذه العبارة لها علاقة وثيقة بالتاريخ الثقافي الأوروبي، وبالدساتير الديمقراطية، خاصة لبلدان أوروبا الغربية، وبممارسات المجتمعات الأوروبية لمضامينها. هنا ليس من الممكن إلا الاعتراف بأن حقوق الإنسان مفهوم تشبع به وعي الإنسان الأوروبي، وصار يشكل عنصرا من عناصر هويته.
والمسألة لم تبق، في الواقع، محصورة بالخطوط العامة لما يعتبر من حق الإنسان مثل مقومات الحياة، ومثل الحقوق القضائية، بل امتد التفكير بهذه الحقوق والمطالبة بها في تفاصيل دقيقة من حياة الفرد حتى أنك تسمع جدالا حول ما إذا كان احتجاز متهم بجرائم كبيرة احترازيا في سجن منفرد يتناسب مع مفهوم حقوق الإنسان، وحول ما إذا كان حرمان مدمن على المخدرات من جرعته اليومية يتناسب مع مفهوم حقوق الإنسان.
ناهيك عن أن المطالبة بحقوق الحيوان وإدخالها في إطار قانوني ملزم تسير جنب إلى جنب مع مفهوم حقوق الإنسان.
ولم تعد العناية بالحيوانات تقتصر على وجود قطاع واسع للطب البيطري، بل وإن قطاع العلاج النفسي لها يتوسع باطراد، فكلاب أوروبا تنال من العناية النفسانية ما لا ينالها البشر في مكان آخر. هذه حقيقة لا يمكن غمطها.
لكن المفهوم له ملامح سياسية قد لا تتطابق مع خطوطه الثقافية الإنسانية، فنجد أن سياسة البلدان الأوروبية لا تسير يدا بيد مع حقوق الإنسان، الأمر الذي يؤدي مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى انتهاكات لأبسط حقوق الإنسان، ليس فقط خارج أوروبا، بل وحتى في أرقى البلدان الأوروبية سجلا في حقوق الإنسان.
لكن السياسيين يقدمون مبررات خبيثة لهذه الانتهاكات تجعل العقل المتشبع بمفهوم حقوق الإنسان يفكر مرتين قبل أن يرفع صوته احتجاجا. لنضرب مثلا الحياة الخاصة للإنسان التي كانت حتى قبل عشرين سنة مقدسة لا يمكن للشرطة أو الجهات الأمنية انتهاكها لأن خصوصية حياة الفرد في المجتمعات الديمقراطية تأتي على رأس قائمة حقوق الإنسان.
حتى قبل عشرين سنة لم تكن أية مؤسسة من مؤسسات الدولة ملزمة بتزويد الشرطة عن معلومات شخصية عن منتسبيها، مثلا.
اليوم نعرف أن الجهات الأمنية موجودة معنا في غرف نومنا، وفي المرافق العامة، وبفضل أجهزة المراقبة والتلفونات “العبقرية”، وغيرها لم تعد لأي شخص حياة خاصة، فالإرهاب ومكافحته، كتبرير، يبيحان للدولة وجهاتها الأمنية كل شيء. وعدا عن هذا فإن الضغط الاقتصادي يؤدي إلى رمي سلسلة طويلة من الحقوق (سابقا) في سلة المهملات.
وكان الناس، من باب نظرية المؤامرة، يعتقدون أن مسألة منح اللجوء في أوروبا لمواطني بلدان العالم الثالث أيام الحرب الباردة القديمة كانت مسألة سياسية فالقصد من فكرة اللجوء كان خلق صورة إنسانية للنظام الرأسمالي مقابل “لا إنسانية” كل الأنظمة خارج أوروبا الغربية، بما في ذلك طبعا النظام الاشتراكي.
نقول ربما استغل مفهوم حقوق الإنسان سياسيا بهذا الشكل أيضا، إلا إن مفهوم حقوق الإنسان ليس سياسيا فقط، بل، كما أوردنا آنفا، يتخلل دساتير البلدان الديمقراطية، ويتشبع بها العقل الثقافي لشعوبها من زمن بدأ بوقت طويل قبل الثورة الفرنسية عام 1789.
على أية حال فإن عبارة حقوق الإنسان تستخدم سياسيا، أحيانا بشكل يتماشى مع الدساتير، وأحيانا بشكل سيء وفقا للمصالح الاقتصادية، فالإعلام الغربي يخلق للصين، مثلا، صورة وحش لا يعرف شيئا عن مفهوم حقوق الإنسان، ويجعل هذا الإعلام مسألة التبت “الخاضعة للاستعمار الصيني”!
واحدة من القضايا الكبرى للاستقلال وحقوق الإنسان في العالم، ويرفع الداي لالاما إلى مصاف القديسين، أو على الأقل إلى مصاف رؤساء الدول فيحظى باستقبال خاص ورسمي عند المجيء إلى أوروبا، ولكن ما أن تكون هناك صفقة تجارية ضخمة سيتم التوقيع عليها مع الصين فإن وصول الداي لالاما إلى أوروبا يكون مجرد خبر صغير في الصفحات الداخلية للجرائد!
فالصفقة التجارية تقتضي عدم إغضاب الصين من أجل عيني حقوق الإنسان في التبت. إنه النفاق لا غير، فحقوق الإنسان عبارة ابتزاز سياسي سافر.
على أن مسألة حقوق الإنسان وجدية التزام أوروبا بها وضعت على المحك إثر ازدياد أعداد المضطهدين في بلدانهم والذين صاروا يطرقون أبواب أوروبا طمعا في بعض من حقوق الإنسان التي يسمعون بها – خاصة بعد أن زال المبرر في مقارنة صورة النظام الرأسمالي بغيره إثر انهيار النظام الاشتراكي.
هنا نلاحظ أن مفهوم حقوق الإنسان صار يتآكل بشكل تدريجي وبتناسب طردي مع ازدياد أعداد اللاجئين، وصارت مسألة اللاجئين، ويا للمفارقة، منطلقا لنشوء يمين متطرف في أوروبا وصل في همجيته وانتهاكه لحقوق الإنسان في الفترة الأخيرة إلى مستويات لم تكن في السابق توصف بها غير النازية.
بدلا من حقوق الإنسان صار اللاجئون يتلقون معاملة لا تليق بالإنسان، جدران تبنى في وجوههم، وإذلال في مخاطبتهم، وحرائق في مخيماتهم، وتهديدات، وإهانات لم يكن أحد ليتخيلها حتى قبل عشر سنوات.
علينا، كي نبقى منصفين، أن نعتبر أن بعض المواقف الأوروبية الشعبية والرسمية من توسع ظاهرة اللجوء مفهومة إلى حد ما كونها تنطلق من قلق شديد بخصوص التغييرات التي ستتعرض لها المجتمعات الأوروبية جراء هذا السيل الذي لا ينقطع من الوافدين الجدد، خاصة من اللاجئين المسلمين، فأوروبا عندها تجربة غير مريحة معنا. وكذلك فإن استيعاب أعداد غير محدودة من اللاجئين أمر تتحكم به عوامل اقتصادية تبدو على السطح مبررة، فالأغلبية العظمى من هؤلاء اللاجئين سيبقون لفترات طويلة عاطلين عن العمل، ويرهقون الميزانيات المخصصة لهذه الفئة من المواطنين!
لكن الإقرار بهذه الأمور والصعوبات لا يعني أبدا مباركة الهبوط الشديد في الالتزام بحقوق الإنسان في أوروبا. هذه المصاعب هي مجرد تحديات يمكن تذليلها إن كنا حقا أصحاب مبادئ إنسانية، فمن أوجد مفهوم حقوق الإنسان لم يفكر في تطبيقه عندما يكون هناك عدد قليل ممن يعاني من الاضطهاد، ووضعه على الرف أو حتى تحت القدمين إذا ازداد عدد المضطهدين.
ومن أوجد مفهوم حقوق الإنسان لم يفكر في حرمان إنسان من حقوقه لأن إنسانا آخر من عرقه أو دينه أساء الاستفادة مما ضمن له من حقوق الإنسان.
طالبو اللجوء الذين يصلون إلى أوروبا يجب أن يعاملوا وفقا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان في نفس الوقت الذي تعمل هذه البلدان على إيجاد حلول أكثر واقعية لوضعهم، بصرف النظر عن العدد والسبب.
وهذا هو عكس ما يحصل في الواقع، الأمر الذي يجعل فئة كبيرة من المواطنين في أوروبا اليوم يشعرون بالعار، فنحن، في الدنمارك مثلا، صرنا نكشف عن وجه لا إنساني قبيح لا يتناسب نهائيا مع الصورة التي عملت أجيال من الدنماركيين على رسمها للدنمارك في العالم باعتباره بلدا يحب الحرية والسلام، ويدعم حقوق الإنسان بشكل مطلق. السياسيون الدنماركيون لا يمكنهم بعد اليوم أن يفخروا بما تركته لهم الأجيال السابقة.
ثم إن هؤلاء السياسيين يتناسون أنهم بمشاركتهم في الغزو البربري للعراق عام 2003، وفي تدمير ليبيا عام 2011 وفي الحرب الهمجية على سورية، ساهموا في خلق هذا السيل العارم من اللاجئين.
في الدنمارك حصل هذه السنة ما سيبقى عارا في جبيننا لأجيال، فالسياسيون الدنماركيون، وفقط من أجل أن يبعثوا رسالة تحذير إلى من يفكر بالمجيء إلى الدنمارك، أجبروا عددا كبيرا من اللاجئين على العيش في خيام.
إنه حقا لسلوك ستاليني بربري أن تجبر إنسانا على العيش في خيمة في شتاء الدنمارك.
كيف يمكن أن يحصل هذا؟ إنهم يريدون أن يقولوا لمن يفكر بطلب اللجوء في الدنمارك “هنا لا حقوق لكم، وهنا جحيم، أو في الحقيقة برد، لا يطاق”.
في الدنمارك هناك ما يطلق عليها شبكة الأمان الاجتماعي، التي وظيفتها الحفاظ على مجتمع الرفاهية، وضمان الحقوق الأساسية للإنسان: المأكل والملبس، وسقف فوق الرأس، إضافة إلى العناية الصحية.
فالمواطن الدنماركي الذي ليس له مورد يتلقى من الدولة مبلغا شهريا يضمن له هذه الأساسيات، والأجنبي الذي يحصل على حق اللجوء والإقامة في البلد يشمله هذا النظام من اليوم الأول لحصوله على حق الإقامة.
هذا القانون يفترض أن المواطن المشمول به لا يمتلك ثروة، مثلا بيتا أو سيارة، ولو كان يمتلك سيارة قيمتها ألف دولار، مثلا، فعليه أن يغطي نفقاته من حسابه الخاص بمبلغ ألف دولار قبل أن يستحق المساعدة، أي عليه أن يبيع سيارته ويصرف ثمنها حتى يصل حال العدم.
ولم يسبق أن أجبر أحد من الذين يتلقون هذه المساعدة على بيع مجوهرات وحلي النساء أيضا كي يصل حال العدم. ومبلغ هذه المساعدة الشهرية تعرض في الفترة الأخيرة إلى هجومات قاسية وتقلص بحيث صار من يتلقى هذه المساعدة إنسانا يعيش على الكفاف وتحت مستوى حد الفقر.
هذا كما قلنا قانون يشمل المواطن الدنماركي وكذلك الشخص الأجنبي الذي يحصل على اللجوء وحق الإقامة في الدنمارك إلى حين حصوله على عمل.
أما طالب اللجوء فله وضع آخر، فهو لم يحصل على اللجوء وحق الإقامة بعد، وهو يكون أثناء انتظار البت في معاملة لجوئه تحت رعاية الصليب الأحمر الدنماركي الذي يتولى إطعامه، وتأمين السكن والرعاية الصحية له إلى حين اتخاذ السلطات المعنية القرار بمنحه اللجوء أو رفض لجوئه. طالب اللجوء إنسان مجهول المصير، ولو كانت لديه أموال أو مقتنيات شخصية على شكل حلي أو مجوهرات، أو حتى نقود، فلا يمكن قانونا تجريده منها، فهو لا يتلقى مساعدة اجتماعية من الدولة بعد، إضافة إلى اعتبار تلك المقتنيات ضمانة لبقائه على قيد الحياة إن هو رفض طلبه، وصار عليه أن يعود إلى بلده، أو يذهب إلى مكان آخر.
لأول مرة في تاريخ الدنمارك يتفتق ذهن سياسي غبي وأرعن عن طريقة جديدة لإرسال الرسائل إلى من يفكر بالمجيء إلى الدنمارك بأن الدنمارك لم تعد دولة معنية بحقوق الإنسان، هذا السياسي ذو النزعة النازية يريد تجريد طالبي اللجوء من مقتنياتهم الشخصية لتغطية نفقات إقامتهم تحت رعاية الصليب الأحمر.
هذا أمر لا يمكن أن يقع حتى في مخيمات اللجوء في جنوب السودان أو بوروندي. أي عالم هذا الذي نعيش فيه؟ هذا الإجراء أثار سخطا شعبيا عارما في الدنمارك.
أحد المواطنين الدنماركيين كتب تعقيبا على الفيسبوك بأنها النازية قد عادت إلى الحياة، فقد صار اللاجئ “شيئا” يمكن الاستفادة منه بطرق عدة، حتى إن شحوم طالبي اللجوء فيها منفعة إذ يمكن صنع الصوابين منها – إشارة إلى تعامل النازيين الألمان مع اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية.
الدنمارك واحد من أغنى بلدان العالم بفضل زراعته، وصناعته، وتكنولوجيته المتطورة، وتراكم الثروة فيه بفضل الاستقرار السياسي من مئة وخمسين سنة، وغريب حقا أن يهينه السياسيون بهذا الشكل بأن يصادروا حلي ومجوهرات النساء طالبات اللجوء لتغطية نفقات وجبات الطعام التي تقدم لهن ولأطفالهن. إنها سرقة وسلب على المكشوف، ونهج يخالف مواثيق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ولكن هل هناك من يبالي لمواثيق الأمم المتحدة؟ هؤلاء السياسيون ينهبون خيرات البلدان الأخرى بغزوها بحجة نشر الديمقراطية فيها، ويحولون مواطني تلك البلدان إلى مشردين، حتى إذا جاؤوا يطلبون اللجوء عندهم سلبوهم ما بقي لهم من خيرات أوطانهم من حلق، وأقراط، و – كما يقول المعلق ذاته، سيقلعون أسنانهم إن كان فيها طلاء من الذهب، ليغطوا بها ثمن إطعامهم.