كانت الخطة في العدوان الثلاثي ( فرنسا ـ بريطانيا ـ إسرائيل ) 1956 على مصر، تقضي بأن تدخل القوات الغازية إلى القاهرة وأن تستبدل الرئيس المصري جمال عبد الناصر بشخصية أخرى.
ولكن القوتين العظميين آنذاك الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد السوفياتي إعترضتا على ذلك. فانسحب الغزاة وأمّم المصريون قناة السويس.
أوقف القصف الجوي أثناء حرب السويس إذاعة القاهرة. فقال السوريون من إذاعتهم «هنا القاهرة من دمشق» حاول الإسرائيليون عدة مرات في حرب تموز 2006 أن يضربوا قناة «المنار». ولكنهم أخفقوا.
جميع الذين شاهدوا في حرب تموز السيد حسن نصرالله على شاشة المنار، يقطع خطابها ليقول «أنظروا الآن إلى عرض البحر أن النار تشتعل في بارجة إسرائيلية»، يتذكرون هذه اللحظة المفعمة بالشجاعة والفداء.
هذان نموذاجان عن محاولات المستعمرين الغربيين إسكات وسائل الإعلام في بلاد العرب تمهيداً للإحتلال والتوسع وترحيل الناس عن منازلهم.
ولكن الوضع تبدل منذ 2010 أي منذ استهلال الربيع العربي والثورات العربية، التي زعموا أن الغاية منها هي إطلاق الحريات وفي مقدمها حرية الرأي وإرساء الديموقراطية!
لا أعتقد أننا نجانب الصواب في القول إن ما لم يتم تحقيقه في الماضي بواسطة العسكر الإسرائيلي والأميركي والفرنسي والبريطاني والأطلسي، صار الآن حقيقة ملموسة.
ينبني عليه أن عسكر المستعمرين كذبة بالضد من أموال آل سعود ومشايخ إمارات الخليج فهي الحقيقة كما يبدو نظراً إلى النتائج! لم يستطع المستعمرون الإسرائيليون إسكات قناة المنار اللبنانية، فمنعها آل سعود من البث الفضائي على أقمارهم الصناعية وعلى أقمار مصر أيضاً. يحسن التذكير بأن هذا البث الفضائي مقطوع على الأقمار الصناعية الأوروبية، منذ أن بدأت الحروب الإستعمارية الجديدة على المقاومة في بلاد العرب أو على بقاياها أو على إرهاصاتها.
يعود ذلك من وجهة نظري طبعاً وبكل تواضع، إلى «إنتفاضة الحجارة» الفلسطينية التي انطلقت في 8/ 12/1987.
شتان بين هذه الأخيرة من جهة وبين إنتفاضة «السكاكين» البائسة من جهة ثانية. ولكن هذا موضوع آخر!
أعود إلى الحكومة المصرية التي قطعت احتفاء بملك آل سعود أو إرضاء له، بث قناة المنار الفضائي على القمر الصناعي المصري (النايل سات).
ولا شك في أن هذا، أي الإحتفاء أو الإرضاء، تمظهر في إحتفالية منح الدكتوراه الفخرية في جامعة القاهرة في صورة منفرة وصادمة في آن، كمثل مشهدية منح الحكومة الفرنسية وساماً رفيع المستوى لولي عهد آل سعود، بعد أيام قليلة من مجزرة إعدام 47 معارضاً بحد السيف!
مهما يكن فإن المسألة من وجهة نظري هي أبعد من حفنات الدولارات. بكلام صريح وواضح انها مسألة المقاومة ضد الإستعمار الإسرائيلي.
بناء على ان هذه المقاومة هي البوصلة التي ستوصل عاجلاً أم آجلاً إلى النهج الصحيح نحو التحرر والحرية والإصلاح والنزاهة والتقدم. تنشأ المقاومة عشوائياً، تخرج من العذاب والفقر ثم تتهذّب من خلال مقارعة الأعداء.
ما أود قوله أن الجديد منذ 2010 واشتعال الثورات السعودية ـ الأميركية ـ الإسلامية، في بعض بلدان العرب، ليس أموال أمراء مجلس التعاون الخليجي، فهذه كانت موجودة من قبل، وإنما الجديد هو قرار التعجيل في التصدي لإنتشار الإعتقاد بأن المقاومة بما هي فكرة وفعل، ما تزال إختياراً جدياً وممكناً، في البلاد العربية التي لمحنا إليها.
بمعنى آخر، ان الثورات التي نهضت من تونس إلى اليمن هي ثورات ضد «الثورات» التي من المحتمل أن تخرج من رحم المقاومة!
مجمل القول ان المطلوب هو خنق المقاومة وإجهاضها. من المفيد جداً، بحسب رأيي ان نرجع في مداورة هذه المشكلة في الذهن إلى انتفاضة الحجارة الفلسطينية والتمعن في الوسائل والأساليب التي استخدمت في إطفاء شعلتها.
فشل الإسرائيليون في حرب تموز 2006 في القضاء على المقاومة اللبنانية، حيث تبين بالملموس ان احتمالية انضمام الجيش العربي السوري إلى هذه المقاومة في الحرب ضد المستعمرين الإسرائيليين ليست مستبعدة.
من البديهي أن اللحمة بين الجيش العربي السوري من جهة وبين المقاومة اللبنانية من جهة ثانية صارت إلى حد ما حقيقة، وأغلب الظن انه سيكون لها تأثيرها في قادم الأيام.
الرأي عندي أن الشك يداخل آل سعود في نجاح حملتهم ضد سورية وضد المقاومة اللبنانية معاً.
استناداً اليه فقد نكون في موضوع زيارة الملك السعودي إلى القاهرة حيال فرضيات يصعب علينا في الراهن معرفة أيها الصواب.
هل أن آل سعود بحاجة إلى معاونة مصر في حربهم ضد المقاومة اللبنانية، فأوقفت هذه الأخيرة بث قناة المنار تمهيداً لتكرار حرب اليمن في لبنان؟
أم أن مصر منحت الملك السعودي درجة الدكتوراه، لعل الأخير يغتبط فيستمع الى بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسية الذي ظهر في القاهرة ما أن حطت في مطارها طائرة الملك.
من البديهي انه إذا كان حكام مصر يحتاجون إلى آل سعود، مالياً وأمنياً في سيناء وعلى الحدود الليبية، فان المصريين ليسوا بحاجة لهم، لأن علاج مشكلات مصر هي بين أيدي المصريين أنفسهم!