هل تتحالف روسيا مع أمريكا ضد الصين؟
مصطفى السعيد
ذهبت بعض الآراء إلى الإعتقاد بوجود صفقة بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الروسي بوتين ستؤدي إلى حصول روسيا على مبتغاها أو معظمه في أوكرانيا مقابل ابتعاد روسيا عن الصين، وانتشرت هذه الآراء في صحف أوروبية وأمريكية وكذلك بعض الصحف العربية والسوشيال ميديا بالطبع، وأعتقد أنها آراء متعجلة، ما تكاد ترى تقارب أو إتصالات بين الرئيسين الروسي والأمريكي حتى تذهب بعيدا، وما ساعد في ذلك أن ما يشبه الإنقلاب حدث في بعض المواقف الأمريكية منذ تولى ترامب الحكم في دورته الثانية، وسعي ترامب إلى إظهار قدرة خارقة على قلب الموازين العالمية، وحديثه عن ضم كندا وجزيرة جرين لاند الدانماركية، وقناة بنما، وشروعه في فرض رسوم جمركية على عدد كبير من الحلفاء والخصوم، وموقفه المغاير لسياسة بايدن تجاه الحرب الأوكرانية، ومطالبته للرئيس الأوكراني بتسديد ما قدمته أمريكا من مساعدات، وطرح إتفاقية للحصول على المعادن ومحطات ومصادر الطاقة الأوكرانية، ووقفه المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا لإجبارها على توقيع الإتفاقية. لكن لا يمكن فهم سياسات ترامب إلامن خلال رؤية اليمين القومي في الغرب، والذي يعبر عنه ترامب في الولايات المتحدة، في ارتدادة واضحة عن سياسات اليمين الأممي “العابر للقوميات”، والذي يمثله الحزب الديمقراطي الأمريكي، ومعظم الحكومات الأوروبية، باستثناء المجر وإيطاليا، ولا ينظر اليمين القومي إلى التحالفات إلا في إطار المصالح الخاصة لكل دولة، ولا يؤمن بالإتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، ويرفع شعار “الدولة القومية أولا” أو “فوق الجميع”، وتتصادم الدول ذات النظم القومية أو تتحالف مؤقتا وفق مصالحها الآنية، ولهذا يطفو التفكك والإنقسام في الحلف الغربي الذي استمر متماسكا منذ الحرب العالمية الثانية. لكن لماذا الآن يتفكك الغرب؟ السبب الرئيسي هو خسارة الغرب سباق العولمة أمام دول شرق آسيا، خاصة الصين، التي أصبحت العملاق الإقتصادي الجديد، الذي سيغير خريطة العالم، ويحقق النقاط تلو الأخرى في سباق العولمة، بما فيها الذكاء الإصطناعي والتكنولوجيا الفائقة، والمؤشرات تؤكد أنها ستصبح القوة العسكرية الأولى، في ترجمة لقدراتها الإقتصادية والعلمية والسكانية. وجاء إنقلاب ترامب على أوكرانيا وأوروبا إنطلاقا من مصالح قومية أمريكية، وأخرى سياسية وشخصية. فالمصالح الأمريكية وجدت أوروبا عبئا عليها، بتحمل تكلفة حمايتها عسكريا، وأنها منافس إقتصادي. كما تحملت أمريكا الجزء الأكبر من مساعدة أوكرانيا في حرب ثبت أنه لا يمكن ربحها، بينما كان الإعتقاد السائد أن روسيا ستنهار إقتصاديا، وبالتالي عسكريا، بما يطيح بحكم بوتين، ومجيء رئيس روسي يراعي مصالح الغرب، أما الدافع الشخصي فكان وقوف الرئيس الأوكراني وقادة أوروبا إلى جانب منافسه الرئيس السابق بايدن ومن بعده كامالا هاريس، وهو ما لا يمكن أن ينساه شخصية مثل ترامب، لهذا رأى أنه يمكن أن يحقق مبتغاه في صفقة رابحة ومنفصلة مع كل من بوتين وزيلينيسكي، ويحصل من أوكرانيا على المعادن والطاقة، ومن روسيا على ما أمكن من مكاسب اقتصادية أخرى، ويحاول إبعاد بوتين عن كل من الصين وإيران إن أمكن، وهو احتمال غير وارد لدى بوتين، فالصين أهم حليف استراتيجي، دعمته في ظل المقاطعة والعقوبات الغربية، واستوردت من روسيا الغاز والنفط كبديل عن توقف أوروبا عن استيراده، وزودته بمعظم ما كان يحتاجه من أوروبا وأمريكا، وبذلك صمد الإقتصاد الروسي للمقاطعة والعقوبات، وامتد التعاون إلى قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، والأهم هو التعاون في الإنتاج العسكري الذي عزز قدرات كل من البلدين، ولا يمكن لبوتين أن يضحي بحليف مضمون وثابت وقوي مثل الصين بحليف عابر ومؤقت وغير مضمون مثل أمريكا ترامب. بل لا يمكن لروسيا أن تضحي بعلاقتها مع إيران مقابل مكاسب محدودة وغير مضمونة تتعلق بوقف مساعدات أمريكا لأوكرانيا، خاصة أن بوتين يدرك أن وقف المساعدات ليس من أجل روسيا، وإنما من كون الحرب عبء على أمريكا. لهذا فإن الذهاب بعيدا لتخيل حدوث تحالف بين روسيا وأمريكا على حساب الصين لا يستند إلى الحقائق الجيوسياسية والمتغيرات الإقتصادية التي يشهدها العالم، وما يؤكد أن التحالف بين روسيا والصين أصبح من الثوابت مواصبة المناورات المشتركة، والنمو المتواصل في التبادل التجاري والتعاون في الإنتاج العسكري، والتأييد الروسي لحق الصين في استعادة تايوان، بل واستمرار دعم كل من الصين وروسيا لإيران في الحرب المحتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا يعني أن التقارب بين روسيا والولايات المتحدة مؤقت وجزئي، ولا يمكن أن يعول عليه الرئيس الروسي، وإن وجده مفيدا في هذا التوقيت. كما أن الرئيس ترامب يتبع سياسة الصفقات، وهي سياسة غير ثابتة أيضا، وتتغير وفق العائد الذي يمكن أن يحققه في كل حالة منفردة، وإذا كان ترامب يضحي بعلاقته مع أوروبا، بل مع بريطانيا الحليف التاريخي، من أجل تحقيق بعض المكاسب الإقتصادية، فلا يمكن أن تراهن روسيا على العلاقة مع أمريكا.
الأهرام
2025-04-08